قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> الحياة الإنجليزية -> المسرح الإنجليزي
7- المسرح الإنجليزي
أَضِف إلى كل هذه الحياة المتعددة الأوجه، عشق الإنجليز للمسرح ولا يزالون مولعين به حتى اليوم· وكان الوضع كما هو عليه الآن حيث كان الناس ينظرون للمسرحية من خلال ممثليها ولا يعبأون كثيرا بمؤلفي هذه المسرحيات· ويبدو أن المؤلفين المسرحيين خشوا أن يكتبوا التراجيديات مخافة أن يبدوا قليلي الشأن في نظر الناس الذين سيعقدون بينهم وبين شيكسبير مقارنة لن تكون في صالحهم، وبعد ذروة شريدان Sheridan وجولد سمث Goldsmith كانت الكوميديات (الملهاة) تمثل أعمالاً لا بقاء لها مثل (الطريق إلى رون Ruin) (2971) التي ألفها توماس هولكروفت Holcroft و (تعاهد العشاق) (8971) التي ألفتها إليزابث إنشبالد Inchbald، فمثل تلك الأعمال تشبثت بالاتجاه الضعيف ولعبت على أوتار سهولة الانقياد إلى الإثم مداعبة بذلك الطبقة الوسطى، وأين هذا من فكاهة شكسبير المنطوية على معان فلسفية، والأثر الرجولي الذي تحدثه مسريحات بن جونسون في المشاهدين؟ ولم يبق في عالم المسرح من ظل متبوئاً مكانه سوى الممثلين·
لقد بدا الممثلون - من النظرة الأولى - وكأنهم جميعاً من أسرة (واحدة) من روجر كمبل Roger Kemble الذي توفي في سنة 2081 إلى هنري كمبل الذي توفي سنة 7091، وروجر كمبل أنجب سارة كمبل (التي أصبحت مدام سيدونز Siddons) وجون فيليب كمبل الذي انضم لفرقة دروري لين Drury Lane وفي سنة 3871 وأصبح مديراً للفرقة في سنة 8871، وستيفن كميل الذي أدار مسرح أدنبرة من سنة 2971 إلى سنة 0081·
وُلدت سارة في سنة 5571 في فندق شولدر أف متون في بريكون Brecon، وفي ويلز في أثناء جولة فرقة أبيها· وأُسند إليها دور بمجرد أن أصبحت قادرة على التمثيل، وأصبحت ممثلة موسمية وهي في العاشرة من عمرها· وقد دبرت أمرها لتحصل على قسط غير قليل من التعليم في أثناء حياتها غير المستقرة هذه، فأصبحت امرأة ذات نضج أنثوي، وذات عقل واع مثقف، واحتفظت بجاذبيتها دوما، وتزوجت وهي في الثامنة عشر من عمرها وليم سيدونز Siddons أصغر أعضاء فرقتها· وبعد ذلك بعامين أرسل جارك Garrick - بعد أن سمع بنجاحاتها - وكيلا عنه لمراقبة أدائها التمثيلي، فكتب تقريرا لصالحها فعرض عليها جارك الارتباط بفرقة دروري لين Drury Lane فظهرت هناك في دور بورتيا Portia في 92 ديسمبر 5771· ولم تؤد الدور جيدا لسببين أحدهما عصبيتها وربما كان ثانيهما أنها كانت قد وضعت مولوداً منذ فترة وجيزة· لقد كانت نحيلة طويلة رزينة ذات ملامح كلاسية وكان صوتها ملائماً للمسارح الصغيرة، إذ كانت تفشل في مواءمة صوتها مع المسارح الواسعة· وبعد موسم غير ناجح عادت إلى جولاتها في المنطقة (المقاطعة) وظلت طوال سبع سنوات تعمل صابرة على الرقي بفنها· وفي سنة 2871 حثها شريدان - الذي خلف جارّك كمدير للفرقة - على العودة إلى لندن· وفي 01 أكتوبر 2871 أخذت دور البطولة في مسرحية (الزواج القدري) لتوماس سوثرن Southerne فأدت دورها بإتقان تام حتى إنها أصبحت منذ هذه الأمسية تسير بخطى حثيثة لتصبح أفضل ممثلة مأساة (تراجيدية) في التاريخ البريطاني· وظلت طوال واحد وعشرين عاما تحكم دروري لين، وأصبحت لعشر سنوات بعدها ملكة كوفنت جاردن Covent Garden بلا منازع· وأدت دور الليدي مكبث بإتقان صبّت فيه كل خبراتها المسرحية· وعندما اعتزلت خشبة المسرح في 92 يونيو 2181 وهي في السابعة والخمسين من عمرهابعد أن أدّت هذا الدور (الليدي مكبث) تأثر جمهور المسرح تأثراً شديداً بأدائها لمشهد (السير نائما) حتى أنه فضّل أن يظل يصفق لها على متابعة العرض المسرحي(95)· وظلت طوال تسعة عشر عاماً بعد ذلك تعيش في عزلة هادئة، وقطعت ألسن مروجي الشائعات في المدينة، بوفائها لزوجها· وفاز جينسبورو Gainsborough برسم صورة لها لازالت حتى اليوم في المتحف الوطني للصور الشخصية·
وكان أخوها جون فيليب كمبل الذي وُلد مثلها في إحدى فنادق (خانات) الأقاليم، قد نذر والداه ليكون قساً كاثوليكياً وربما كان هذا (النذر) تمشياً مع الفكر الشعبي الذي مؤداه أن وجود أحد أفراد الأسرة في المؤسسة الدينية قد يضمن الفردوس لسائر أفراد الأسرة، فأرسله والداه إلى دواي Douai ليدرس في كليتها الكاثوليكية فتلقى هناك قدراً طيباً من التعليم الكلاسي كما اكتسب الرزانة والوقار اللذين مازا بعد ذلك كل أدواره تقريباً، وظل مفتوناً في طوايا نفسه بمهنة والده (التمثيل) فغادر وهو في الثامنة عشرة من عمره دواي Douai وعاد إلى إنجلترا· وبعد عودته بعام انضم لفرقة مسرحية، وبحلول عام 1871 كان يؤدي دور هاملت في دبلن، وانضمت إليه أخته سارة لفترة ثم ألحقته معها في فرقة دروري لين(06) Drury Lane فكان ظهوره للمرة الأولى على هذا المسرح كظهوره في هاملت (3871) مصحوباً بنجاح متواضع· لقد وجده جمهور لندن رزينا رزانة شديدة لا تتفق مع الدور وأدانه النقاد لأنه عدّل في نص شكسبير واختصره· وعلى أية حال فإنه عندما انضم إلى مدام سيدونز Siddons في مكبث (5871) كان أداؤهما رائعاً حتى إنه أصبح حدثا مهما في تاريخ المسرح الإنجليزي·
وفي سنة 8871 عيَّن شريدان - الذين كان في ذلك الوقت هو المالك الرئيسي لمسرح دروري لين - كمبل مديرا للفرقة، فواصل القيام بأدوار البطولة لكن الممثل الحساس لم يكن مرتاحا بسبب تحكمات شريديان وبسبب قلة العائد المالي· وفي سنة 3081 قبل إدارة مسرح كوفنت جاردن واشترى سدس الأسهم في هذا المسرح بمبلغ 000،32 جنيه إسترليني، وفي سنة 8081 احترق المبنى، وبعد فترة بطالة سببت له خسائر جسيمة أخذ كمبل على عاتقه إدارة المسرح بعد أن يعيد بناءه· ولكنه عندما حاول أن يوازن التكاليف الهائلة غير المتوقعة للمبنى الجديد برفع أسعار دخول المسرح أوقف الجمهور عرضه التالي بصياحهم محتجين عُد إلى الأسعار القديمة ولم يسمح له الجمهور بالاستمرار في عروضه حتى يعد بذلك(16)· وأنقذ دوق نورثمبر لاند Northumberland الفرقة بمنحة مقدارها 000،01 جنيه إسترليني وواصل كمبل كفاحه لكن ظهر ممثلون شبان مثلوا تحدياً له· وكان آخر نجاحاته في (كوريولاموس Coriolamus) عندما هز الجمهور المسرح تصفيقاً لفرط إعجابه، وكان هو الجمهور نفسه الذي سبق أن صاح في وجهه محتجاً في سنة 9081· واعتزل كمبل المسرح البريطاني مسلّماً تاجه لإدموند كين Kean واختفى الأسلوب الكلاسي في التمثيل من إنجلترا باعتزاله، تماما كما اختفى في فرنسا بانتهاء دور صديقه تالما Talma، وانتصرت الحركة الرومانسية في المسرح كما انتصرت في الرسم والموسيقا والشعر والنثر·
تضم حياة كين Kean بين جنباتها كل التقلبات التي حاقت بمهنته شديدة الحساسية - بما فيها من ملهاة ومأساة· وُلد في حي الفقراء بلندن في سنة 7871 نتيجة لقاء في نزهة ليلية بين آرون Aaron (أو إدموند Edmund) كين Kean وهو عامل (فرّاش) في مسرح وآن كاري Ann Carey التي كانت تكسب مالاً قليلاً من المسرح والشارع، وقد طرده أبواه في طفولته الباكرة فرباه عمه موسى كين المغني المشهور، وتولته على نحو خاص خليلة موسى واسمها شارلوت تدسويل Tidswell وهي ممثلة قليلة الشأن في مسرح الدروري لين· لقد دربته على الفن المسرحي والخدع المسرحية، وحثه موسى على دراسة الأدوار الشكسبيرية، فتعلم الفتى يجلب إليه النظارة بدءاً من الأكروبات (الألعاب البهلوانية) وإصدار الأصوات من بطنه (دون تحريك شفتيه) والملاكمة إلى هاملت وماكبث· لكنه كان متمردا في أعماقه، ففر مراراً، وأخيراً وضعت شارلوت الطوق المقيّد للكلب حول عنقه ونقشت عليه مسرح دروري لين (المقصد ضبطته وربطته بهذا المسرح) لكنه نزع الطوق وهو في الخامسة عشرة من عمره، وشرد وراح يعمل ممثلاً بشكل مستقل يؤدي أي دور، مقابل 51 شلناً في الأسبوع·
وظل طوال عشر سنين يعيش حياة قلقة غير مستقرة ممثلاً جوالاً، يكاد يكون معدما محترقاً في كل الأوقات، لكنه كان واثقاً تماما من أنه يستطيع ان يبز الجميع على خشبة المسرح· وسرعان ما عكف على الكحول لينسى تعبه وعذابه وليغذي أحلامه وتمنياته بأن يكون نبيل الأصل، وليتصور انتصاراته المرتقبة· وفي سنة 8081 تزوج ماري شامبرز زميلته في إحدى الفرق التي كان يعمل بها، فأنجبت له ولدين والتصقت به لم تفارقه في أثناء كل استبعاده لنفسه أمام الويسكي (الخمور) والنساء· وأخيرا بعد سنوات عديدة قضاها وهو يمثل الأدوار الشكسبيرية، ويحاكي الشمبانزي الذكي تلقى دعوة من مسرح دروري لين ليقوم بدور تجريبي (ممثل تحت الاختبار)·
وقد اختار دور شيلوك Shylock الصعب ليؤديه في أول صعود له على خشبة الدروري لين في 62 يناير 4181· لقد صَبّ في هذا الدور بعض الإهانات التي تلقاها في هذه الحياة· فعندما قال شيلوك - باحتقار وسخرية - لتاجر البندقية المسيحي الذي طلب منه قرضاً:
- ألدى الكلب مال؟ محال
- ألخسيس يستطيع أن يقرضك ثلاثة آلاف دوكة؟
لقد بدا أن كين قد تقمّص تماماً شخصية شيلوك ونسى أنه شخص آخر· لقد وضعت العواطف والمشاعر والانفعالات التي صبّها في دوره هذا نهاية للحقبة الكلاسية لفن التمثيل الإنجليزي (مع أن الدور الذي أدّاه كادت كلماته لا تتجاوز السطرين، وهكذا بدأت على مسارح لندن حقبة جديدة في التمثيل قوامها المشاعر والخيال والرومانسية· وبالتدريج راح جمهور المسرح يتفاعل مع هذا الممثل غير المعروف· لقد بدا المتحمسون له في البداية فرادى متشككين، لكن الجمهور سرعان ما تفاعل معه لفرط تفاعله واستغراقه في دوره· وسارع وليم هازلت Hazlitt أبرع النقاد في عصره بكتابة عرض تحمس فيه كثيرا لهذا الممثل، واندفع كين عائدا إلى أسرته فعانق زوجته قائلا لها: الآن يا ماري ستركبين مركبتك الأنيقة وعانق ابنه قائلا: يا ابني سوف تدرس في إيتون Eton(26)·
وامتلأ المسرح عند عرض مسرحية تاجر البندقية التي كان يؤدي كين فيها دوره للمرة الثانية (في العرض الثاني) وبعد العرض الثالث قدم صامويل (صموئيل) هويتبيرد Whitebeard له عقداً للعمل في هذا المسرح لمدة ثلاث سنوات مقابل ثمانية جنيهات أسبوعياً فوقعه كين، لكن هويتبيرد غيرّه بعد التوقيع فجعل الجنيهات الثمانية، عشرين جنيها مع أن كين كان قد وافق على الثمانية· وأتى وقت دُعي فيه كين لأداء دور لليلة واحدة بخمسين جنيها· لقد أدى تقريباً كل الأدوار المشهورة في مسرحيات شكسبير - هاملت، ريتشارد الثالث، ريتشارد الثاني، هنري الخامس، ماكبث، أوثيلو Othello، ياجو Iago، روميو· وقد نجح في كل هذه الأدوار باستثناء الأخير (روميو)·
وعندما حان الوقت ليرى الممثلين الشبان ينتظرون بتوق ليحلوا محله، بدّد عوائده المالية في الشراب، وراح يرضي نفسه بما يتلقاه من حب شديد من مرتادي الحانات التي يرتادها(36) وانضم إلى حركة سرية لإدانة كل اللوردات وذوي المكانة ونجح في إقامة علاقة آثمة مع زوجة أحد أعضاء المجلس التشريعي بالمدينة(5281)(46) وعمل على استعادة مكانته في المسرح، لكن ذاكرته لم تعد قوية كما كانت فَصَعُب عليه حفظ أدواره فقد كان ينسى السطور الموكل به أداؤها· لقد حدث هذا أكثر من مرة· ومع أن الجمهور كان معجباً به إعجاباً شديداً، إلاّ أنه عندما قصَّر لم يرحمه وصبّ عليه الإهانات صباً، وسأله لم يُغرق في الشراب دون اهتمام أو حذر؟ فغادر إنجلترا، وقام برحلة في أمريكا أدى فيها أدواراً تمثيلية فحقق انتصاراً في فنه وكوّن ثروة بدلاً من التي بددها، وبدّد الثروة الجديدة التي حققها، وعاد إلى لندن ووافق على القيام بتمثيل دور أوثيلو Othello أمام ابنه الذي كان عليه القيام بدور ياجو Iago على مسرح كوفنت جاردن Covent Garden (3381) وصفق الجمهور لياجو، واستقبلوا أوثيلو صامتين· وكان هذا شديد الوقع على كين الذي لم يلق التصفيق الكافي، فانهارت قواه وأصبح على شفا الانهيار وبعد أن نطق بعبارة وداعا، لقد انتهت مهمة أوثيلو سقط بين ذراعي ابنه وهمس له: إنني أحتصر يا شارلز تحدّث لهم نيابة عني(56) فحملوه إلى بيته لترعاه زوجته التي كان قد هجرها ذات مرة، وبعد شهرين مات في 51 مايو 3381 ولم يتجاوز السادسة والأربعين· لقد اختطف الموت أعظم الممثلين في التاريخ الإنجليزي - باستثناء جارِك - وهو في منتصف العمر·