قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> العلم في إنجلترا -> سبل التقدم
الفصل الثامن عشر
العِلْم في إنجلترا
1- سُبُل التقدم
لقد كانت إنجلترا تقود النَّقلة من الزراعة إلى الصناعة، وكان طبيعيا أن تشجع تلك العلوم التي تقدم إمكانات عملية، تاركة الدراسات النظرية للفرنسيين، وكان من المتوقع أن يكون فلاسفتها في هذه الفترة - بورك Burke ومالتوس وجودوين Godwin وبنثام Bentham وبين Paine - رجال دُنيا يواجهون المشاكل أو القضايا الحية، والأخلاقية والدينية والسكانية والحكومية والثورية، تاركين للفلاسفة الألمان التحليق في أجواء المنطق والميتافيزيقا (ما وراء الطبيعة) والدراسات الفلسفية لتطور العقل (فينومينو لوجيا العقل)· وقد أعلنت جمعية لندن الملكية لزيادة المعلومات في مجال العلوم الطبيعية Natural عند تشكيلها في سنة 0661 أنها تعمل على تأسيس كلية لتحسين التعليم التجريبي الفيزيائي الرياضي· لكنها لم تصبح كلية بمعنى أنها لم تصبح مؤسسة أو منظمة لتخريج معلمي الشباب في المرحلة الثانوية وإنما تطورت لتصبح ناديا مقتصر على خمسة وخمسين عالما، يجتمعون بشكل دوري للتشاور وتكوين مكتبة تضم كتب العلوم والفلسفة ويقدمون للجمهور المهتم المحاضرات والتجارب، ويقدمون الأوسمة لذوي الإسهامات العلمية، وينشرون في المناسبات مطبوعا بعنوان المدونات الفلسفية Transactians Philosophical· وكانت الفلسفة لاتزال تضم العلم بين جنبيها وقد تبرعمت العلوم وانبثقت منها علماً في إثر علم نتيجة إحلال الصياغات الكمية والتجارب اليقينية محل المنطق والنظر المجرد· ونظمت الجمعية الملكية - بدعم حكومي عادة - مشروعات ومهام علمية· وفي سنة 0871 خصصت الحكومة لها مقراً أنيقا في دار سومرست Somerest House ظلت به حتى سنة 7581 حيث انتقلت إلى مقرها الحالي في دار بيرلنجتون Burlington House في بيكادلي Piccadilly وأنفق السير جوزيف بانكس Banks - رئيسها في الفترة من 8771 إلى 0281 - كثيرا من أمواله للارتقاء بالعلم ورعاية العلماء· وكانت مؤسسة لندن الملكية - الأقل شهرة من الجمعية الملكية، وإن كانت أهدافها أكثر وضوحا من حيث كونها مؤسسة تهتم بالتعليم - قد أسسها الكونت رمفورد Rumford في سنة 0081 لتوجيه الاكتشافات الجديدة في مجال العلوم لخدمة الفنون والصناعات، وذلك عن طريق تقديم دراسات نظامية - محاضرات فلسفية وتجارب ( معملية أوميدانية) وأتاحت مبنى شاسعاً في شارع البمارل Albemarle لتقديم برامجها التعليمية فألقى فيه جون دلتون Dalton وسير همفري ديفي Davy محاضرات في الكيمياء، وتوماس يونج Young محاضرات في الطبيعة nature وانتشار الضوء، وكولردج Coleridge محاضرات في الفكر والأدب وسير إدوين لاندسير Edwin Landseer محاضرات في الفنون ··· وكانت هناك جمعيات أكثر تخصصا كجمعيات الشلالات التي اندمجت في سنة 2081 في جمعية للنبات، والجمعية الجغرافية (7081) وسرعان ما ظهرت بعد ذلك جمعية لعلم الحيوان وأخرى للبساتين وثالثة للكيمياء الحيوية ورابعة للفلك، وأسست مانشستر وبريمنجهام جمعياتها الفلسفية رغبة منها في تطبيق العلم على صناعاتها، وأقامت بريستول معهد دراسة الغازات، وتم تكوين أكاديميات لشرح العلوم وتبسيطها للجمهور العام· وقدم ميشيل فاراداي Michael Faraday في إحدى هذه الأكاديميات وهو في الخامسة والعشرين من عمره سلسلة محاضرات أسهمت طوال نصف قرن في حفز البحوث في مجال الكهرباء· وقد ألقى ميشيل محاضراته هذه سنة 6181، وبشكل عام، ففي التعليم العلمي، كان مجتمع رجال الأعمال في طليعة الجامعات كما جرى كثير من التقدم العلمي في مجال العلوم على أيدي أفراد مستقلين (غير تابعين لمؤسسات علمية أو تعليمية) يدعمهم أو يمولهم أصدقاؤهم· لقد تخلى البريطانيون عن الرياضيات للفرنسيين، وراح العلم البريطاني يركز على الفلك والجيولوجيا والجغرافيا والفيزياء والكيمياء·
لقد اهتم التاج البريطاني بعلم الفلك ووضعه تحت حمايته وقدم لبحوثه الإعانات المالية، لأنه علم حيوي للملاحة ويساعد في السيطرة على البحار· واعترف بمرصد جرينوتش Greenwich بما فيه من أدق المعدات التي أمكن شراؤها بالأموال التي أقر البرلمان صرفها - بأنه على قمة المراصد الأخرى· ونشر جيمس هتون Hutton سنة 5971 قبل موته بعامين مبحثه نظرية الأرض وهو مبحث جيولوجي كلاسي: يلخص الحياة العامة لكوكبنا من خلال عمليات دورية يقوم المطر في كل دور منها بجرف سطح الأرض فتنشأ الأنهار نتيجة التّحات الذي تسببه الأمطار أو تحمل الأنهار بدورها نتيجة التّحات إلى البحر، وتتبخر المياه والرطوبة من فوق سطح الأرض فتصير سحابا، وبتكثف المياه في السحب تنزل مرة أخرى مطرا··· وعند الطرف الآخر لهذا العصر (5181) حقق وليم سمث W. Smith - الملقب بستراتا شمث أو سمث طبقات جيولوجية Strata Smith - شهرة لبحثه المركز الذي لا يزيد عن خمس عشرة صفحة والذي يحمل عنوان خريطة جيولوجية لإنجلترا وويلز ويظهر هذا البحث أن طبقات جيولوجية تتجه تدريجيا نحو الشرق صاعدة حتى تصل في النهاية إلى سطح الأرض، وتقدم لنا في أثناء اتجاهها الصاعد أشكال الحياة في العصور الجيولوجية السابقة كما تظهر في المتحجرات الحيوانية والنباتية في العصور الجيولوجية المختلفة، وقد قدمت له الحكومة البريطانية راتبا سنويا مقداره مائة جنيه إسترليني مدى الحياة بدءا من عام 1381 مكافأة له لكشفه عن أسرار باطن الأرض، وتوفي وليم سميث سنة 9381·
واستمر الملاحون البريطانيون في شرح زوايا الأرض والبحر وشقوقها· وفيما بين عامي 1971 و 4971 رسم جورج فانكوفر G. Vancouver خريطة لسواحل أستراليا ونيو زيلندا وهاواي والباسيفيكي شمال غرب أمريكا، وهناك دار مبحرا حول الجزيرة الفاتنة التي تحمل اسمه·