قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> الفنون في إنجلترا -> الفنانون

الفصل السابع عشر


الفنون في إنجلترا


1- الفنانون


كانت كلمةُ (فن) تُطلق في العصور الوسطى (أيام نظام الطوائف التجارية والصناعَّية) على أية حرفة، كما كانت كلمة (فنّان) تطلق على أيٍّ حرفي وقد تغير معنى الكلمتين في القرن الثامن عشر لأن الحرف ونطام الطوائف الحرفية قد حل محلهما صناعات وعمال صناعة، لقد أصبحت كلمة (فن) تطلق على الموسيقا والديكور وأعمال السيراميك (الخزف) والرسم والحفر والتصوير والنحت والعمارة، وأصبحت كلمة فنان تطلق على كل من يمارس واحداً أو أكثر من هذه الأعمال· وقد تغير أيضا معنى كلمة العبقرية أو النبوغ genius، فقد كانت تعنى شيئا من التميُّز الفطري، أو روحا متفوقة بشكل غير طبيعي، أما الآن فقد أصبحت بشكل متزايد تشير إلى القدرة الوطنية الفائقة أو المتعالية (والمتَّسمة بشيء من الغموض بمعنى أن أسبابها غير واضحةً تماما) أو يوصف بها مالكو هذه المقدرة· إنها كالمعجزة أو لنقل هبة من الله أو هي فعل من أفعاله· لقد أصبحت هذه الكلمة (العبقرية) أو (النبوغ) بديلا مناسبا لوصف (شخص) أو (حدث) متفرّد أو غير عادي
لقد أدَّى الانتقال إلى الصناعة (الحديثة) والتجارة وحياة المدن إلى مزيد من التدهور فيما يتعلق برعاية الأرستقراطية للفن· وعلى أية حال لابدلنا أن نذكر رعاية الأثرياء للشاعر وردزورث والشاعر كولردج، وأن لورد إجر يمونت فتح بيته المحاط بمزرعة، في بتورث Petworth للرسّام تيرنر Turnerليلجأ إليه هروبا من ضوضاء لندن· وكان جورج الثالث قد عاون في تأسيس أكاديميةالفنون الملكية (8671) بخمسة آلاف جنيه ومقار (جمع مقر) أنيقة في دار سوميرست· ولم يكن أعضاؤها الأربعون ليصبحوا خالدين بمجرد عضويتهم بها كنظرائهم الفرنسيين وإنما كان الواحد منهم يرقى إلى مرتبة النبالة (الأرستقراطية) بحصوله على لقب اسكوير (معناها الحرفي حامل الدروع Squire أو المبجّل المحترم) ورغم أن هذا اللقب لم يكن يرثه أبناؤهم، فقد ساعد على تحسين الوضع الاجتماعي للفنانين الكبار في بريطانيا ونظمت الأكاديمية فصولا لتعليم التشريح والرسم والتصوير والنحت والعمارة·ومن الطبيعي أن تصبح قلعةً للتراث والتقاليد والوقار مادام يدعمها عرش محافظ· وقد عارضها الفنانون المجددون الذين كثر عددهم وحازوا الإعجاب حتى إن بعض النبلاء والماليين موَّلوهم لتأسيس المعهد البريطاني لتطوير الفنون الجميلة الذي أقام معارض دورية وحصل على جوائز وأصبح منافسا - بشكل حيوي - للأكاديمية الملكية· وأدت هذه النافسة إلى ظهور أعمال ممتازة في مختلف مجالات الفنون في بريطانيا·
عفواً، لقد كانت الموسيقا مستثناةً من هذا، ففي هذه الفترة لم تظهر أعمال موسيقية خالدة· وكان الإنجليز على وعي شديد بهذا النقص، وتجلَّى هذا في تقديرهم الوافر للمؤلفين الموسيقيين الذين كانوا يأتون إليهم من القارة الأوروبية· لقد احتفوا بهايدن Haudn احتفاءً حارا في سنة 0971 وفي سنة 4971· وتمّ تأسيس الجمعية الملكية لعشاق الموسيقا في سنة 3181 وظلت باقية بعد الثورة الصناعية، والثورة الفرنسية، وبعد النابوليونيْن، وبعد قيام حربين عالميتين، ولازالت موجودة كعنصر دوام واستمرارفي فيض غير متقطع· وانتعشت الفنون الصغرى دون أن يكون لها خصائص خاصة· لقد واصل الإنجليز إنتاجهم للأثاث الأنيق - رغم صرامته، وأشغال المعادن المتسمة بالقوة والجمال وأعمال السيرميك (الخزف) البديعة تماما· وقد طوع بنيامين سمث Smith الحديد فشكل منه شمعدانا ذا شعب لتقدمه مدينة لندن لدوق ولنجتون(1)· أما جون فلاكسمان فبالإضافة إلى قيامه بتصميمات كلاسيّة لمصنع ودجوود Wedgwood للفخار فإنه صمَّم كأس الطرف الأعز الشهير لتخليد ذكرى انتصار نلسون(2)، وكان نحَّاتا ومعماريا في أن عندما أقام النصب التذكاري لنلسون في كنيسة القديس بول·
وعلى أية حال فإن فن النحت أوشك أن يكون من الفنون الصغرى في إنجلترا، وربما كان هذا لأن فن النحت يفضِّل العري غير الملائم للمناخ أو للأخلاق السائدة· وفي سنة 1081 - بينما كان توماس بروس إيرل إلجن Elgin السابع، مبعوثاً لبريطانيا لدى الباب العالي (الدولة العثمانية) طلب من السلطات التركية (العثمانية) في أثينا السماح له بأن ينقل من الأكروبولس أية أحجار عليها نقوش قديمة أورسوم، وقد وجّه طلبه هذا باعتباره لوردا، وبالفعل نقل اللورد الإفريز الضخم للبارثينون (معبدا إغريقي) وكثيرا من التماثيل النصفية في سفينة إثر سفينة إلى إنجلترا في الفترة من 3081 إلى 2181· وقد وصفه بايورن وآخرون - احتجاجا على هذا العمل - بأنه وندالي سلاب، لكن لجنة برلمانية برأته، وبيعت رخامات إلجن بمبلغ 000،53 جنيه إسترليني دفعها الشعب البريطاني وتم إيداعها في المتحف البريطاني والمبلغ الذي دفعته الحكومة للورد إلجن كان أقل بكثير مما دفعه هو للحصول عليها(3) ·



صفحة رقم : 14640