قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> العلم في إنجلترا -> الطب (جنر)

5- الطب: جنر


Jenner


لايكاد الإخاء الطبي (تمتع الجميع بالرعاية الطبية) يستحق هذا الاسم الذي أطلق عليه لأن الرعاية الطبية تعكس تماما الولع البريطاني بالتمييز بين الطبقات، فكلية الأطباء الملكية Royal College of physicians - الفخورة بتأ سيسها في عهد هنرى الثامن في سنة 5181 - تقصر زمالتها على نحو خمسين كانوا قد حصلوا على درجاتهم العلمية من أكسفورد أوكامبردج، كما تقصر إجازاتها Licentiate على نحو خمسين من الممارسين المميزين· ويكون هؤلاء المائة نوعاً من المجالس أقرب مايكون إلى مجلس لوردات الأطباء ودارسي الطب House of Lords to medicos في إنجلترا· ويحصل هؤلاء الأعضاء على دخول كبيرة فأحيانا مايصل دخل الواحد منهم إلى عشرين ألف جنيه في السنة· ولايمكن للواحد منهم أن يكون نبيلا أو أميرا، وإن كان يمكن أن يصبح في رتبة فارس وقد يطمح للبارونتية (درجة دون البارون ) والكلية الملكية للجراحين التي أسست سنة 0081 من بين المؤسسات الأدنى درجة· ويلي تلك الدرجة الأطباء القائمون بتوليد النساء (الذين يقومون بعمل القابلات male midwives) الذين تخصصوا في سحب الأجنة من الأرحام (حيث الدفء والأمان) إلى العالم الخارجي حيث المنافسة والصداع· وفي قاع السلم الاجتماعي للعاملين في المهن الطبية يأتي الصيادلة الذين يقدمون كل الرعاية الطبية تقريبا في المناطق الريفية·
ولا تقدم أي كلية من هذه الكليات الآنف ذكرها أي نوع من التعليم الطبي فيما عدا بعض المحاضرات التي يلقيها مشاهير الأطباء في المناسبات· ولم يكن في أكسفورد ولا كامبردج مدرسة للطب فالطلاب الذين كانوا يرغبون في الحصول على تعليم وتدريب طبيين كان عليهم أن يلتمسوه في إسكتلندا وفيما عدا ذلك فإن تدريب الأطباء الإنجليز ترك للمدارس الخاصة التي أقيمت بالقرب من المستشفيات الكبرى بأموال المؤسسات الخيرية وتبرعات المحسنين· وقد أنقق السير توماس برنارد Thomas Bernard كثيرا من ثروته في إصلاح مستشفى اللقطاء الشهيرة في شمال لندن وشارك غيره من الأثرياء في تمويل مستوصفات (عيادات Clinics) لعلاج السرطان والرمد والفتق، في لندن وأماكن أخرى· لكن وسائل منع انتشار الأمراض كانت هزيلة في المدن مما أدى إلى انتشار الأمراض بل وظهور أمراض جديدة، وكانت سرعة انتشار الأمراض تفوق إمكانات العلاج·
وفي سنة 6081 سجلت لندن حدثا فريدا: لقد مضى أسبوع كامل دون أن يتوفى أحد بمرض الجدري - ذلك المرض المسبب للبثور والحمى والمشوّه للوجه والمعدي والذي كان في وقت من الأوقات متوطنا في إنجلترا وقد ينتشر في أي وقت مرة أخرى ليصبح طاعونا مميتا (المقصود كارثة مسببة للموت)·
وقد أعاد أسبوع المعجزات طبيب إنجليزي بسيط هو إدوارد جنر كان مدمنا على الصيد (القنص) وعلم النبات وقرض الشعر، وعزف الفلوت والضرب على الكمان (العثيولين)، بنشر التطعيم ضد هذا المرض طوال عقد من الزمان منهيا بذلك موقف المجتمع البريطاني المتحفظ ضد كل ما هو جديد· لقد كانت الوقاية من مرض الجدري عن طريق التطعيم بفيروس المرض بعد إضعافه طريقة يمارسها الصينيون القدماء ووجدت الليدي ماري وورتلى مونتاجو Mary Wortley Montagu هذه الطريقة معتادة في القسطنطينية (إسطنبول أو استانبول) في سنة 7171 وقد أوصت عند عودتها إلى إنجلترا باستخدام هذه الطريقة· وقد جرب نظام التطعيم هذا على المجرمين ومن ثم على الأيتام وحقق نجاحا ملحوظا· وفي سنة 0671 قرر الدكتور روبرت ستون sutton والدكتور دانيال ستون أنه من بين ثلاثين ألف حالة طعمت ضد الجدري لم يصب بهذا المرض سوى 0021 (ألف ومائتي حالة)· أيمكن أن تكون هناك طريقة أفضل لمنع الجدري؟
لقد اهتدى جنر إلى طريقة أفضل عندما لاحظ أن كثيرات من العاملات في حلب ما شية اللبن في بلده جلوسسترشير Gloucestershire يصابون بجدري البقر من خلال ملامستهم لحلمات الأبقار المصابة وبالتالي يصبحن ذوات مناعة ضد مرض الجدري (الذي يصيب البشر)، وتراءى له أنه يمكن تكوين مناعة شبيهة باستخدام طعم (لقاح) (الكلمة الإنجليزية Vaccine من الكلمة اللاتيينة Vacca وتعني بقرة) من فيروس جدري البقر الذي يمكن الحصول عليه من الأبقار المصابة· وفي بحث نشر في سنة 8971 ذكر جنر الإجراء المغاير لما هو متبع والذي وضع به أسس الطب التجريبي وعلم الطب الوقائي (علم المناعة):
·· لقد تخيرت صبيا صحيحا في نحو الثامنة من عمره بغرض تجريب تطعيمه بجدري البقر، وتم الحصول على القيح من قرحة من يد إحدى العاملات في حلب ألبان البقر وحقن الصبي بهذا القيح في 41 مايو سنة 6971 في ذراعه ··· وفي اليوم السابع اشتكى متوعكا ·· وفي اليوم التاسع أصبح يرتعد وفقد شهيته وأصيب بصداع خفيف ··· وفي اليوم التالي كان في حالة جيدة تماما···
وكي أتأكد مما إذا كان الصبي بعد تعريضه لإصابة خفيفة من فيروس جدري البقر، أصبح آمنا (اكتسب مناعة) ضد الجدري (الذي يصيب البشر)، فقد تم حقنه في أول يوليو التالي بقيح الجدري الذي يصيب البشر Variolous matter (الكلمة اللاتينية Variola تعنى الجدري Smallpox) تم أخذها مباشرة من بثرة مصاب بالجدري ··· فلم تظهر على الصبي أعراض الجدري وبعد عدة أشهر تم حقنه مرة أخرى بقيح الجدري الذي يصيب البشر لكن لم يظهر على بدنه أي عرض من أعراض الجدري·(9) واستمر جنر Jenner يصف حالات أخرى بلغت اثنتين وعشرين حالة اتخذ معها الإجراء نفسه فكانت النتائج مرضية تماما· وقد تعرض لاتهامات بإجراء التجارب على الأحياء وبدا للذين اتهموه وكأنه يقوم بتشريح الأحياء وحاول الاستفادة من الأقلية الموافقة ببناء بيت صغير له، وإنشاء حديقة زهور يزرعها بيديه(01) وفي عامي 2081 و 7081 وافق البرلمان على منح جنر 000،03 جنيه إسترليني لتحسين طرائقه لمقاومة الجدري ونشرها· وكاد الجدري يختفي من أوربا وأمريكا خلال القرن التاسع عشر، وإذا حدث وأصيب به شخص فإن هذا الشخص يكون غير مطعم (لم يتلق التطعيم ضد المرض)· وتم تطبيق نظام التطعيمات الواقية ضد أمراض أخرى وأسهم علم المناعة الجديد بالإضافة للوسائل الجديدة التي أحرزها الطب وبالإضافة لتحسن الظروف الصحية والبيئية العامة في تحسين الأحوال الصحية في المجتمعات الحديثة التي نهشها الفقر وترعرع فيها الجهل وازداد فيها الجشع وثابر فيها المرض بأساليب شتى·




















الفصل التاسع عشر
الفلسفة الإنجليزيّة

لم يكن للعلم في بريطانيا في الفترة من 9871 إلى 5181 سوى تأثير ضئيل في الفلسفة· أعني أن العلوم الطبيعية Physical يمكن أن تتوافق مع اللاهوت (الثيولوجيا) الليبرالي(المتحرر) بل وحتى فكرة التطور يمكن· مواءمتها مع تفسير الخلق في ستة أيام باعتبار كل يوم يمثل فترة من فترات التطور تتسم بالطول· لقد أصبح أفراد الطبقات العليا الآن بعد أن أنهت الثورة الفرنسية تعاطفهم مع فولتير والموسوعيين Encyclopedists، لايثقون في الأفكار(الجديدة) باعتبارها أمراضاً معدية تصيب الشباب· لقد اعتبروا العبادة الأسبوعية استثمارا حكيما يؤدي إلى الانضباط الاجتماعي والاستقرار السياسي واشتكوا لأن رئيس الوزراء بت Pitt لايجد وقتا للذهاب إلى الكنيسة وكان هناك بعض الأساقفة الذين تشككوا في أمور الدين فيما بينهم وبين أنفسهم لكنهم عرفوا بين العامة بتقواهم ومع هذا استمر الصراع القديم· وفي عام 4971 ظهر صوتان معبران عن الفكرتين المتناقضتين: توماس بين Paine في كتابه عصر العقل The Age of Reason ووليم بيلي Paley في كتابه نظرة في البراهين على المسيحية Aview of the Evidences of Christianity·



صفحة رقم : 14639