قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> العلم في إنجلترا -> البيولوجيا (إرازموس داروين)

4- البيولوجيا (علم الأحياء)


إرازموس داروين


حتى الآن لم تكن البيولوجيا (علم الأحياء) في إنجلترا تسير سيرا حسنا كسير الفيزياء والكيمياء والجغرفيا، فقد كانت هذه العلوم ذوات صلات وثيقة بالعمل على تحسين الصناعة والتجارة وتطويرهما، أما البيولوجيا فقد كانت توحي بتراجيدية (مأساوية) الحياة وبهائها وكانت تهز العقيدة الدينية·
لقد كان إرازموس داروين - جد شارلز - قد تلقى بالفعل تقديرنا وثناءنا فقد كان شرارة وضّاءة وسط ألمعية هذا العصر الذي شهد نشر أعماله: الحديقة النباتية Botanic Garden (2971) وعلم أصول الحياة الحيوانية Zoonomia (4971 - 6971) ومعبد الطبيعة The Temple of Nature (3081)· لقد كتبت هذه الكتب جميعا من وجهة نظر تطورية· وقد اتفقت هذه الدراسات مع لامارك Lamarck في إقامة النظرية على أمل تكيف العادات والأعضاء على وفق للرغبة والمجهود والعزم فإذا ما استمر ذلك وقويت خلال أجيال كثيرة لأمكن انتقال (هذه الصفات الجديدة والمرغوب فيها) إلى العصب والجسم· هذا الأستاذ العبقري الذي أصبح اسمه كبيرا على طول المدى عمد إلى التوفيق بين التطور والدين بافتراض أن كل الحياة الحيوانية (بما فيها البشرية) كانت قد بدأت من مستودع لقاح حي واحد كان هو العلة الأولى الكبيرة المتضمنة لكل الكائنات الحية ثم خُلِّي سبيلها لتتحسن على وفق لنشاطها الداخلي الخاص بها، ولتسلم مالحق بها من تطورات وتحسنات للأجيال اللاحقة جيلا بعد جيل وبلا نهاية(8)·
لقد دخل الحوار الدائم بين الدين والعلم - رغم خفوته في هذا العصر - في مملكة (عالم) السيكولوجيا الذي أصبح مجالا يحظى بالرعاية في وقت من الأوقات ، عندما قام هارتلي Hartley وبريستلي Priestly بإعداد تفسير فسيولوجي للربط بين الأفكار وعندما استوحى علماء التشريح - بشكل متزايد - فكرة العلاقة بين الجسد والعقل (النفس)· وفي سنة 1181 نشر شارلزبل Bell مبحثه فكرة جديدة عن تشريح المخ Anew Idea of the Anatomy of the Brain وبدأ في هذا المبحث يبرهن على أن أجزاء مخصوصة في الجهاز العصبي تحول انطباعات الحواس إلى أجزاء مخصوصة في المخ، وأن أعصاباً مخصوصة تحمل أوامر الحركة إلى أعضاء الاستجابة المنوط بها التنفيذ· وبدت ظاهرة التنويم المغاطيسي - التي زاد انتشارها - تشير إلى تحول فسيولوجي للإحساس إلى أفكار ومن ثم إلى أعمال ، وقد تم تناول تأثير الأفيون من حيث جلبه للنوم وتأثيره في الأحلام وحفزه للخيال وإضعافه للإرادة (كما ذكر كولردج Coleridge ودى كوينسي De Quincey) في سياق الحديث عن حرية الإرادة، وتم تقليص هذه القضية الكبيرة (حرية الإرادة) إلى مقادير جبرية تصوغ الدوافع والمحركات والخيالات المختلفة المتصارعة· وبدا الوضع المزدهر الصاعد للمناقشات العلمية والمركز الاجتماعي المرموق لمهنة الطب مقارنة بالمركز المتدني للإكليروس الأنجليكاني (رجال الدين الأنجليكان) الذي قلت فعاليته كثيرا - يعكس اللامبالاة الدينية التي كانت قد بدأت تنتشر بشكل سري، بل وتعكس ماحاق بالدين من شك لدرجة وجود من أنكره تماما·



صفحة رقم : 14638