قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> العلم في إنجلترا -> الكيمياء (دالتون وديفي)
3- الكيمياء: دالتون وديفي
في العقد نفسه، وأيضا في المؤسسة الملكية نفسها أحدث دالتون Dalton ثورة في مجال الكيمياء بنظريته الذرية atomic theory (4081) لقد كان ابنا لنساج من طائفة الكويكر· ولد في سنة 6671 في إيجلسفيلد Eaglesfield بالقرب من كوكرموث Cockermouth في الطرف الشمالي لمنطقة البحيرة الضبابية الرائعة Lake District التي أنجبت الشعراء: وردسورت Wordsworth وكولردج Coleridge وسوثي Southey· وفي وقت لاحق كتب على لسان شخص ثالث ملخصاً اهتماماته الأولى في عرض زمني مجرد لم يخف طموحه الحار الذي أضاء أمامه طريق الإنجاز:
كاتب هذه ··· درس في مدرسة القرية··· حتى سن الحادية عشرة· وفي هذه الفترة قطع شوطا في دراسة حساب المساحات والحجوم، والمساحة والملاحة ···الخ، وبدأ في سن الثانية عشرة في التدريس في مدرسة القرية ···وكان يعمل في المناسبات لمدة عام أو أكثر في مجال الزراعة وتربية الحيوانات الداجنة، وانتقل إلى كندال Kendal وهو في الخامسة عشرة من عمره مساعداً في مدرسة مؤقتة (مشيدة من الألواح الخشبية) وظل في هذا العمل مدة ثلاث سنوات أو أربع، ثم أخذ على عاتقه إقامة مدرسة على نسق هذه المدرسة وقضى ثماني سنوات فيها وبينما كان في كندال كان يقضي وقت فراغه في دراسة اللاتينية واليونانية والفرنسية، والرياضيات مع الفلسفة الطبيعية natural، وفي سنة 3971 انتقل إلى مانشستر معلماً للرياضيات والفلسفة (العلوم) الطبيعية في الكلية الجديدة(4)
وكان يواصل - إذا سمح الوقت والمال - ملاحظاته ومشاهداته وتجاربه التي كان يقوم هو شخصيا بكثير منها رغم أنه كان مصاباً بعمى الألون ورغم الأدوات المعملية البسيطة (البدائية) ووسط اهتماماته الكثيرة وجد الوقت الكافي لتدوين سجل بالأرصاد الجوية منذ كان في الواحدة والعشرين من عمره إلى اليوم الذي سبق وفاته مباشرة(5)· وعادة ما كان يقضي إجازاته طوافا باحثاً عن الحقائق في الجبال نفسها التي كان الشاعر ورد سورث Wordsworth يجول فيها بعد ذلك بأعوام قلائل، وعلى أية حال فبينما كان ورد سوث Wordsworth يطوف بحثا عن الله مصغيا له فإن دالتون كان يرصد الأحوال الجوية عند الارتفاعات المختلفة (فوق سطح البحر)، وكان عمله هذا يشبه إلى حد كبير عمل بسكال Pascal قبل ذلك بقرن ونصف قرن· وقد قبل في تجاربه نظرية أن المادة مكونة من ذرات غير قابلة للانقسام تلك النظرية التي قال بها كل من ليوسيبوس Leucippus (حوالي 054 ق م) وديموقريتوس Democritus (حوالى 004 ق·م) وواصل فرضية روبرت بويل Boyle (7261 - 1961) التي مؤداها أن كل الذرات تنتمي إلى واحد أو آخر من عناصر معينة لا تنحل إلى عناصر أخرى أساسية - هذه العناصر المعينة التي لا تنحل هي: الهيدروجين والأكسوجين والكالسيوم··· وقد دلل دالتون في كتابه نظام جديد لفلسفة الكيمياء (8081) A New System of Chmical Philosophy على أن وزن أي ذرة من ذرات عنصر إذا قورنت بأي ذرة من عنصر آخر، يجب أن يكون هو نفسه تماما كما أن وزن إجمالي العنصر الأول هو نفسه وزن إجمالي العنصر الآخر· وبعد العديد من التجارب والحسابات أخذ دالتون وزن ذرة الهيدروجين كوحدة as oneت وراح يراوح بين كل ذرة من ذرات العناصر الأخرى بالوزن النسبي لأي واحدة من ذراتها من ناحية وذرة الهيدروجين من ناحية أخرى، ومن ثم كوّن قائمة بالأوزان الذرية للثلاثين عنصرا التي كانت معروفة لديه · وكان لابد من أن تصحِّح أبحاث لاحقة ما وصل إليه دالتون من نتائج، لكن نتائجه وكذلك قانونه المعقد المعروف باسم قانون النسب المتضاعفة Law of multiple proportions ثبت أنها ساهمت إسهاما كبيرا في تطور العلم في القرن التاسع عشر· كان السير همفري ديفي Humphry Davy بحياته وتعليمه واكتشافاته اكثر إثارة كما أنه كان نمطاً مختلفا· ولد في بنزانس Penzance (8771) من أسرة ثرية من الطبقة الوسطى وتلقى تعليما وزاد عليه بدراسات في الجيولوجيا وصيد الأسماك Fishing ورسم الاسكتشات sketching والشعر· وأكسبته طبيعتــه المرحة أصـدقاء مختلفين بدءا من كولردج Coleridge وسوثي Southey والدكتور بيتر روجت Peter Roget (الذي أعد قاموسا بمفردات الإنجليزية وعباراتها، والذي اتسم بالجد والاجتهاد والعبقرية، وأطلق على عمله هذا الذي صدر في سنة 2581 اسم: Thesaurus of English words & phrases) - حتى نابليون· وكان له صديق آخر أتاح له استخدام معمله الكيميائي مما جعل ديفي يعبر عن امتنانه له في صيغة الإهداء التي وجهها له· وقد نظم ديفي مكتبته الخاصة وكان يصنف الغازات بتشممها وحث كولردج وسوثي على مشاركته في تشمم الغازات كاد يقتل نفسه بتسممه أبخرة الغازات شديدة السمية·
ونشر وهو في الثانية والعشرين مبحثا عن تجاربه بعنوان مباحث كيميائية وفلسفية Researches Chemical and Philo sophical في سنة 0081· ودعاه الكونت رمفورد وجوزيف بانكس Banks إلى لندن لإلقاء محاضرات عن عجائب المركم (البطارية) (عمود فولتا Voltas pile) وعرض لبعض إمكاناتها، فحقق شهرة جديدة في المعهد الملكي Royal Institution لقد استخدم بطارية مكونة من 052 زوج من الرقائق المعدنية كوسيلة للتحليل الكيميائي بالكهرباء واستطاع - بهذه الطريقة - تحليل المواد المختلفة إلى عناصرها، فاكتشف - وعزل - الصوديوم والبوتاسيوم، وواصل تجاربه فاستطاع عزل الباريوم barium والبورون bo ron والسترونتيوم strontium والكالسيوم والمغنيسيوم وأضافها إلى قائمة العناصر· لقد وضعت اكتشافاته وإنجازاته أسس علم الكيمياء الكهربائية، كعلم له إمكانات نظرية وعملية لا حد لها· ووصلت أخبار أعماله إلى نابليون فأرسل له في سنة 6081 عبر جبهة القتال جائزة المعهد الوطني الفرنسي Institute Nationale·
وكان بيرثوليه Berthollet قد شرح في سنة 6871 لجميس وات Watt ما في الكلور chlorine من طاقة تبييض bleaching power وتوانت إنجلترا في الأخذ بهذه الفكرة إلا أن ديفي جدد الأخذ بها وكانت جهوده فعالة· لقد تطور العلم والصناعة من خلاله فقد كانت اكتشافاته وتجاربه ذوات دور رائد في التحول الاقتصادي لبريطانيا العظمى· وفي سنة 0181 أجرى ديفي تجارب لإظهار قوة التيار الكهربائي بتمريره من سلك كربوني دقيق إلى سلك آخر ، لإنتاج ضوء وحراره، وكان ذلك أمام جمهور المعهد الملكي· وقد وصف هذه العملية كالتالي :
عند تقريب قطع من الفحم النباتي يبلغ طول القطعة الواحدة منها بوصة واحدة ويبلغ قطرها سدس بوصة - بعضها من بعضها الآخر (بحيث تكون كل قطعة على بعد: واحد على أربعين أو واحد على ثلاثين من البوصة) ينتج عن هذا شرارة فيحترق أكثر من نصف حجم الفحم النباتي ليصبح رمادا أبيض، وبسحب مآخذ التيار points وإبعادها بعضها عن بعضها الآخر يحدث تفريغ خلال الهواء الساخن في مساحة تبلغ أربع بوصات على الأقل فينتج عن هذا قوس من النور صاعد متألق ··· وعند إدخال أي مادة في هذا القوس الضوئي فإنها تشتعل (تحترق) فورا، فكل المواد في هذه الحال تنصهر وتتحد سواء البلاتين أو الشمع المعتاد أو الكوارتز أو الياقوت الأزرق أو المغنيسيوم أو الجير (أكسيد الكلسيوم)(6)·
إن إمكانات توليد الضوء والحرارة الآنف ذكرها لم تتطور حتى تم اختراع وسائل أرخص لإنتاج التيار الكهربائي، لكن في هذه التجربة الألمعية كان أساس الأفران الكهربائية التي أحالت الليل إلى نهار لنصف سكان المعمورة·
وفي سنة 3181 ارتحل ديفي بصحبة مساعده الشاب ميشيل فاراداي Faraday عبر فرنسا وإيطاليا في وقت كانت فيه كل أوربا تقريبا تخوض الحرب، لكنه استطاع التنقل بفضل حق المرور الآمن الذي أصدره له نابليون· وراح يزور المعامل ويجرب التجارب واكتشف خواص اليود (عنصر لافلزي) وأثبت أن الألماس هو نوع من الكربون· ولما عاد إلى إنجلترا درس أسباب انفجارات المناجم واخترع مصباح أمان للعاملين في المناجم· وفي سنة 8181 منحه الوصي على العرش Regent رتبة البارونتية (وهي رتبة دون البارون) وفي سنة 0281 خلف بانكس Banks كرئيس للجمعية الملكية Royal Society· وفي سنة 7281 بدأت صحته في التدهور فترك العلم ليمارس صيد السمك وكتب كتابا في هذا الموضوع وجعل فيه رسوم إيضاح من رسمه· وفي سنة 9281 - وكان مصابا بشلل جزئي - ذهب إلى روما ليكون حطاما بين الخرائب(7) أو بتعبير آخر ليكون أثرا بين الآثار لكنه مات قبل انصرام العام· إنه لم يعش سوى 15 سنة لكن سنواته هذه كانت تساوي حيوات كثيرة· لقد كان رجلاً عظيما طيبا وكان واحداً من البشر المخلِّصين (بتشديد اللام وكسرها) الذين عملوا على تخليصنا من الجهل والخطايا ( الآثام)·
| صفحة رقم : 14637 |
|