قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> الفنون في إنجلترا -> تيرنر
4- تيرنر
5771 - 1581
كان ?وزيف وليم تيرنر معتزاً بنفسه وباسمه ولم يسمح أبداً لنقد معاد أوحب عنيف محطم بتعويق مسيرته نحو التفوق المطلق في مجاله· ولد في 32 أبريل سنة 5771، وربما شارك شكسبير في يوم الميلاد وكذلك الشهر· وكان أبوه صاحب محل حلاقة في ميدن لين Maiden Lane خلف الكوفنت جاردن Covent Garden، وهو مكان لايكاد يكون ملائما لفنان المناظر (الطبيعة)، فعلى وفق لكاتب سيرة ذاتية متقدم زمنا(21) كانت ميدن لين منطقة كئيبة مسواة بالطين، مزدحمة تعج بصيحات البائعين· وكان بالقرب من محل الحلاقة خان يغني المترددون عليه بأصوات منكرة· أضف إلى هذا أن أخت وليم سرعان ما ماتت وأصبحت أمها مجنونة لكن الطبيعة والظروف عوضا الصبي شيئا ما فجعلته قوي البدن حديد الإرادة، واقعي العقل، لا تهتز ثقته بنفسه فاستعان بهذا كله ليقاوم طوال ست وسبعين سنة الأزمات والنكبات والنقاد والجراثيم·
ورأى فيه والده علامات الموهبة، كما رأى أن مكانه ليس في ميدن لين، فأرسله وهو في العاشرة ليعيش مع عمه، وليلتحق بالمدرسة في برنتوود في مدلسكس Middlesex· وفي غضون عامين رسم الصبي لوحات فنية حتى إن والده الفخور علق بعضها في محل الحلاقة وعلق بعضها الآخر حول المحل، وعرضها للبيع· وذكر رجل دين كان يحلق عند أبيه بعض هذه اللوحات بخير عند صديق له في الأكاديمية، وسرعان ما أجري له اختبار في الأكاديمية فاجتازه بنجاح فقبل طالبا في مدرستها وهو في الرابعة عشرة من عمره، وبعد ذلك بعام سمح له بعرض لوحات بالألوان المائية في معرض الأكاديمية·
وفيما بين عام 9871 و 2971 كان يقضي فترة الإجازة متجولا في الريف ومعه دفتر الرسم (دفتر الإسكتشات)· لقد ذهب بعيدا حتى أكسفورد وبريستول وويلز، ولازالت هذه الاسكتشات الشائقة التي سجل فيها الأرض والشمس والبحر موجودة في المتحف البريطاني· وكان يبيع رسومه وهو في التاسعة عشرة من عمره للمجلات، وفي الحادية والعشرين بدأ يعرض لوحاته الزيتية في الأكاديمية، وفي الرابعة والعشرين ثم اختياره عضوا مشاركا، وفي السابعة والعشرين أصبح عضوا كامل العضوية (في الأكاديمية) وبعد أن أصبح مستقلا من الناحية المالية بفضل ما باعه من لوحات افتتح في سنة 0081 مرسماً ستوديو واسعا في 46 شارع هرلي Hurly وأتى أبوه ليعيش معه كمساعد وممثل تجاري له· وكان هذا الحب المتبادل بين الوالد وابنه متمشيا مع عزوف الفنان الابن عن الزواج، فلم يكن جذابا من الناحية البدنية ولم يكن مليح الوجه، وكان ذا طباع فيها القليل من الجاذبية· لقد كان رجلا منشغلا ظل نحو نصف قرن يسيطر على الفن في إنجلترا ويسوده بأعماله الرائعة الكثيرة·
وعمد كتاب السير إلى تقسيم حياته إلى ثلاث مراحل لتيسير دراستها ومحاولة فهمها· المرحلة الأولى (7871 - 0281) كان يميل فيها إلى الموضوعات التاريخية لكنه حولها إلى دراسات للشمس والبحر· وفي سنة 9971 كان من بين الرسامين الأربعة الذين احتفوا في معرض الأكاديمية بانتصار نلسون وتحطيم أسطول نابليون في (أبوقير)، وفي سنة 2081 قام بأول رحلة له خارج بلاده، وعندما اقتربت السفينة التي تقله من كاليه Calais ارتفعت الأمواج عالية وهبت العاصفة الشديدة، فدبر تيرنر وبعض الركاب أمر الوصول إلى الشاطئ بقارب تجديف، وتناول - على الشاطئ - كراسة الرسم (الاسكتشات) وراح يخطط المنظر المعقد لسفينة تناضل ضد العاصفة، وبعد ذلك بعام عرض في لندن لوحته القماشية الضخمة (رصيف كاليه Cslais Pier) قدم فيها تفاعله مع مناظر السحب السوداء والبحار الغاضبة والرجال الشجعان ومن فرنسا أسرع إلى سويسرا ليرسم 004 لوحة للجبال وهي تتحدى السماء بشموخها· لقد أصبحت رسومه (إسكتشاته) كذاكرة ثانية له·
وعندما عاد إلى لندن وجد النقاد الأكاديميين يشكون من أنه وضع ألوانه ثقيلة وباضطراب وبشكل طائش وخلطها بشكل ينافي كل السوابق المعقولة، ذلك أن طريقته تجاهلت التعاليم التي علمها الراحل سير جوشوا رينولدز للأساتذة Masters القدامى الذين خلفوه كما تتجاهل القواعد التقليدية المرعية·
وقد احترم تيرنر ذكرى الدكتاتور الرفيق (المقصود رينولدز) ولكنه أطاع ما تمليه عليه شخصيته· ومن الآن فصاعدا أصبح هو أوضح الأصوات المعبرة عن الثورة الرومانسية في مواجهة الموضوعات القديمة والقواعد العتيقة، والمحاكاة الحرفية للواقع والالتزام بما هو معتاد مما يخنق التجربة ويقيد الخيال· وقد واجه ناقديه بعرض لوحة (سفينة جانحة أوجنوح سفينة) في الاستوديو الخاص به في سنة 4081 وكانت اللوحة توضّح قسوة الطبيعة وهيمتها على الإنسان· وحظيت اللوحة بالإعجاب، وبعد ذلك بعام أحبه البريطانيون كثيرا لاحتفائه بانتصار نلسون في معركة الطرف الأغر·
لقد كانت لوحته فوضى من السفن والرجال والعناصر الأخرى لكن هكذا تكون المعارك· ومع هذا فقد أحس النقاد إزاءها بالارتباك:
لقد كان كل ما يستخدمه تيرنر هو الألون، وليس هناك خط واحد، وحتى الألون بدت وكأنما رشرشها دون أن يقصد تكوين شكل محدد، بل وجعلها موضوعا في حد ذاتها· لقد كانت القصور والصروح والمباني والبشر في لوحاته (المرسومة على كانافاه) بقعاً غير محددة ونقطا تشير إلى المعنى كما لو كان الفنان قد سلم بعجز الإنسان في مواجهة الطبيعة الساخطة· وهذا لايمنع من وجود استثناءات مبهجة كما في لوحة الشمس تشرق من خلال الضباب (7081) لكن في لوحته هانيبال يعبر الألب (2181) نجد كل معاني البطولة البشرية يضيع وسط السحب السوداء والصفراء التي تمثل دوامة فوق جنود يرتعدون خوفا· أكان هذا الفنان الجامح عدوا للجنس البشري؟·
لقد واصل تيرنر منهجه مُعْمِلاً فرشاته بقوة وحيوية عازما فيما يظهر على محق الحياة والبشر من فوق الأرض، مُخليِاً إياها إلا من الشمس والسحب والجبال والبحار الهائجة· لكنه لم يكن عدوا للبشرية تماما فقد كان قادرا على تكوين علاقات دافئة وطور صداقات هادئة مع السير توماس لورنس المناقض له في أسلوبه الفني وفي نظرياته الفنية· ولم يكن تيرنر يعتـرف بأيـة نبالـة سـوى نبالـة العبقريـة، وكان مخدوعـا شيئا ما من العوام، وكان يحب عمله وخصوصيته، وكان يشعر - مثل ليوناردو Leonardo - أنه إذا كنت متفردا كلية فستكون كلية نفسـك أي خيـر معبـر عـن نفسـك ولـم يكـن لـه عقيـدة إيمانيـة يمكـن التأكد منها فيمـا يتعلق بأي وجود فوق الطبيعة (غيبي)، فقد كان إلهه هو الطبيعة وقد وجه إليها نوعاً من العبادة خاصا به - عبادة ليست من نوع عبادة وردزودث الذي بحث في حكمتها وجمالها، وإنما راح تيرنر يركز على بقائها وإلحاحها وسطوتها، وكان يعلم أنها ستغمره أيضاً وستغمر الإنسان في زمنها الشرس المروع· ولم يزعج نفسه كثيرا بشأن الأخلاق· لقد كان لديه خليلة أو خليلتان، وجعلهما - بشكل رقيق - مقتصرتين عليه، ورسم بعض الصور الزيتية العارية ذات طابع جنس فتم تدميرها ذات مرة عندما وقعا في يد رسكين Ruskin وكان يحب المال ويتقاضى أثمانا باهظة وخلف ثروة· لقد كان ألماسا خاما - سوليتير -·
وبدأ في المرحلة الثانية (0281 - 3381) رحلة إلى إيطاليا بحثا عن دفء الشمس، وخلال هذه الرحلة التي استغرقت ستة أشهر رسم خمسة عشر إسكتشا، وبعد عودته إلى إنجلترا حول بعضها إلى لوحات حاول فيها استخدام أساليب جديدة في اللون والضوء والظلال مثل ( خليج بايبي) 3281 جعل كل شيء فيها ينطق - حتى الظل· ومرة أخرى في فرنسا استخدم الألوان المائية في رسم نهر السين وجعله يتألق منيرا· في 5281 - 6281 تجول في بلجيكا وهولندا وأحضر إلى بلاده إسكتشات حول بعضها إلى لوحات مثل (كولوني Cologne) و (ديبي Dieppe) وهي الآن في مجموعة الفريك Frick في نيويورك· وفي سني الثلاثين من هذا القرن كان بين الحين والحين ينعم بضيافة اللورد إجريمونت Egermont في بتورث Petworth وكان كعادته ينشغل بعمله لكنه أعطى لمضيفه لحظة خالدة بلوحته (البحيرة عند الغروب)
وفي مرحلته الأخيرة (4381 - 5481) راح يستسلم أكثر فأكثر لإغراء الضوء، فغالبا ما كانت تختفي في لوحاته الأشياء فلا يتبقى إلا دراسة فاتنة للألوان والتألق والظلال، وفي بعض الأحيان كان يترك الأشياء تلعب دورا أساسيا كما في لوحته (Fighting temeraire towed to her Last berth) (9381) أو لوحته (المطر والبخار والسرعة) (4481) التي تمثل إعلانا حركيـا فخـورا لقـرن مـن الخيـول الحديديـة· وعندمـا احتـرق مبنـى البرلمـان فـي سـنة 4381 جلـس تيرنر بالقرب منه يرسم إسكتشات لآخر لوحاته عن هذا المشهد· وعندما كان يعبر من هاروتش Harwich تعرضت سفينة لريح مجنونة وهطل عليها الجليد فاندفع الفنان الهرم نحو الدقل وظل عنده طوال أربع ساعات حتى يحفر في ذاكرته تفاصيل المشهد وما فيه من رعب(31) ورسمه بعد ذلك مستخدما اللون الأبيض بكثرة في لوحته عاصفة ثلجية (2481)، وفي سنة 3481 حقق نصره الأخير بلوحته (شمس البندقية تتجه للبحر)·
واسودت سنوات عمره الأخيرة بذروة الإجماع على إدانته، وإن خفف وطأة ذلك عنه ما كاله له سيد النثر الإنجليزي من مديح· لقد انتقد أحد النقاد لوحة (العاصفة الثلجية) باعتبارها مجرد رغاوى صابون ودهان أبيض(41) ولخص آخر أعمال الفنان في حقبته الأخيرة بأنها نتاج عين مريضة ويد طائشة واقترح شرابا مخلصا من عناصر شتى كعنوان عام لأي لوحة من لوحات تيرنر (إعصار استوائي) يضرب (برياح سمومه) (دوامة) محدثا (اضطرابا عظيما) و (سفينة تحترق) وقت (الكسوف)، وتأثير (قوس قزح القمري)(51) - لقد بدت الأعمال الكاملة لهذا الفنان الكبير المتألق بعد نصف قرن من العمل - حقيرة مرفوضة في نظر أصحاب الاتجاه المحافظ·
وفي مايو 3481 أصدر جون رسكن Ruskin وكان في الرابعة والعشرين المجلد الأول من كتابه (رسامون معاصرون)، ألح فيه بحماس على تفوق تيرنر على كل رسامي المناظر المحدثين، والحيوية البالعة التي عبر فيها تيرنر عن العالم (الوجود) الخارجي (خارج ذاته) حتى إنها تعد أفضل تقرير عن هذا العالم (الوجود)، ووجد تيرنر نفسه في درجة أعلى من كلود لورين Claude Laurain الذي كان يستلهم رسومه من مطلع شبابه، ولم يكن هذا غريبا بالنسبة إليه، لكنه كلما واصل قراءة كتاب رسكين راح يتساءل: ألن يضره هذا المديح المبالغ فيه؟ لقد أضره فعلا ولكن لفترة· لقد راح النقاد يثنون على كتاب رسكين Ruskin لكنهم راحوا يناقشون أحكامه طالبين حكما أكثر توازنا، ولم يتقيد رسكين بهذا النقد فراح يكرر في مجلد إثر مجلد دفاعه عن تيرنر وتمجيده له حتى كاد يخصص لتيرنر ثلث كتابه ذى الألفي صفحة· وأخيرا كسب معركته وعاش حتى رأى فنانه المحبوب وقد اعترف به الجميع كواحد من أعظم المبدعين في الفن الحديث·
وفي هذه الأثناء مات تيرنر (92 ديسمبر 1581) وتم دفنه في مقبرة كنيسة القديس بول، وكان قد أوصى بأن تكون أعماله الفنية للأمة - 003 سكتش، 003 لوحة بالألوان المائية، 000،91 تخطيط (رسوم تخطيطية) وترك 000،041 جنيه إسترليني لإنفاقها على الفنانين الفقراء (حصل أقرباؤه الأحياء بعد موته على قرار ببطلان الوصية وقسموا الأموال بين أنفسهم ومحاميهم) وربما كان أعظم تراثه هو اكتشافه للضوئية (نزعة في التصوير الحديث)، وفي هذا الجيل نفسه صاغ توماس يونج Young نظريته عن الأمواج الضوئية، لقد نشرتيرنر عبر أوروبا رسومه التي طبق فيها هذا الأسلوب (الضوئي) وكذلك لوحاته بالألوان المائية، معلنا أن الضوء هو (موضوع) للرسم كما أنه (وسيلة) للرسام أو (وسط) يرسم فيه الأشياء، وبالتالي فهو يستحق أن يمثل بأشكاله المختلفة وألوانه وتشكيلاته وتأثيراته· تلك هي الانطباعية impressioism ظهرت على يد تيرنر فبل ظهور الانطباعيين Impressionists· وربما كان مانت Manet وبيسارو Pissarro قد رأوا بعض أعمال تيرنر التي استخدم فيها هذا الأسلوب عند زيارتهم للندن في سنة 0781(61)· وبعد ذلك بسبع سنين أرسل ديجاس Degas، ومونت (مونيه) Monet وبيسارو، ورينوار Renoir، خطاباً إلى تاجرأعمال فنية، ذكروا فيه أنه في دراساتهم للظاهرة الهائمة للضوء لم ينسوا أنه قد سبقهم في هذا الاتجاه أستاذ عظيم لمدرسة فنية إنجليزية - إنه الفنان الشهير - تيرنر(71)·