قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> الفلسفة الإنجليزية -> جودون عن العدالة
2- جودون: عن العدالة
رغم أن الجميع قد نسوا وليم جودون (6571 - 6381) الآن إلا أنه كان أكثر الفلاسفة الإنجليز تأثيرا في جيله· لقد كتب هازلت Hazlitt في نحو سنة 3281: ليس ثمة عمل في زماننا وجّه لطمة للتفكير الفلسفي في هذه البلاد مثل العمل الشهير أسئلة حول العدالة السياسية Enquiry Concerning Political Justice(11) لقد قال وردسورث لطالب شاب القِ بكتب الكيمياء الخاصة بك واقرأ كتاب جودون عن الضرورة On Necessity(21) وعندما كبر جودون في السن وراح يشك في نفسه رأى أفكاره تنتشر على جناحي أغنية تغنى بها الشاعر شيليChelley زوج ابنته وكان أبواه مسيحيين متمسكين بمذهب كالفن مؤمنين بالقضاء والقدر خيره وشره من الله (الجبرية) وقد أصبح جودون مثلهما قدريا (جبريا) وكان أبوه منشقا عن كنيسة إنجلترا وتلقى هو نفسه تعليماً ليكون واعظاً وعمل كرجل دين في مدن كثيرة، وبينما كان في ستوماركت Stowmarket قدمه شاب جمهوري للمفكرين الفرنسيين الذين سرعان ما قلبوا عقيدته رأساً على عقب· لقد أخذ الإلحاد عن دولباش d, Holbach رغم أنه في سنوات لاحقة جعل لله مكاناً - بشكل مهذب - في مجلده الحاشد· لقد أخذ من هلفيتيوس Helvetius الإيمان بالتعليم والعقل باعتبارهما أساس اليوطوبيا (المدينة الفاضلة) وحذا حذو روسو في قبول مبدأ صلاح البشر لكنه كان يفضل إقامة مجتمع قائم على التعاون الطوعي بين الأفراد والجماعات - يفضله على دولة روسو ذات السلطة المطلقة· لقد تخلى عن منصبه في الكهنوت المسيحي وشرع في دهن خبزه بالأحبار والقلم· وانضم إلى لورد ستانهوب Stanhope وتوماس هولكروفت Holcroft في نادي الثوريين لكنه أسلم نفسه معظم الوقت للدراسة الشاقة والكتابة الصعبة، وفي سنة 3971- وكان قد بلغ السابعة والثلاثين - أصدر أكثر الأعمال(الكتب) راديكالية في زمانه·
وقد جعل لكتابه عنواناً هو سؤال عن العدل السياسي وتأثيره في الفضائل العامة والسعادة Enqiry Concerning Political Justice & its influence on General virtue & Happiness وواضح أنه كتابا عن الحكومة يغطي تقريبا كل قضايا الفلسفة من الإدراك إلى فن الحكم (فن إدارة شؤون الدولة) ويتوقف غير بعيد عن تناول الرب (الله)· لقد احتقر خرافات الجنة والجحيم كأدوات (وسائل) واضحة لتسهيل أمور الحكم وفرض الطاعة(31)· وأدان الإكليروس (رجال الدين) الذين يقسمون على قبولهم الإيمان الرسمي المصاغ في تسع وثلاثين مادة (قانون الإيمان) بينما هم يتخلون عنه فيما بينهم وبين أنفسهم(41)· لقد رفض حرية الأرادة free will والإرادة نفسها إذا جرى فهمها كسلطة أو صلاحية أو مقدرة مميزة أو استثنائية· إنها بالنسبة إليه مجرد مصطلح مجرد للاستجابات الواعية للمواقف والرغبات والحوافز أو المثيرات(51)· وما دامت الأفعال مقررة سلفاً بفعل الوراثة والخبرة الفردية والظروف الحالية فلا بد أن نواجه أخطاء الآخرين بدون غضب أو اتهام مضاد وإنما لا بد من إصلاح نظامنا العقابي ليكون مبنياً على الإصلاح أو إعادة التأهيل أكثر من أن يكون مبنيا على العقاب، وعلى أية حال، فإنه قد يكون من الضروري أن نستخدم المديح واللوم والعقاب كوسائل معينة على الإصلاح مستقبلا(61)·
ما هو الذي سنمتدحه وما هو الذي سندينه؟ سنمتدح ما هو حسن وسندين ما هو قبيح، فما هو الحسن؟ لقد سار جودون على خطى هيلفيتيوس Helvetius (8571) وبنثام Bentham (9871) فعرف الحسن (الخير) بأنه ما يزيد سعادة الفرد والجماعة وعرف السعادة بأنها بهجة الجسد والنفس والعقل والمشاعر، بهجة سوية، وهذه الفلسفة الأخلاقية ليست حسية جسدية (شهوانية) وليست هي فلسفة اللذة لأنها تجعل المباهج العقلية فوق مباهج الحواس· إنها ليست أنانية (ذاتية تتحلق حول الأنا) لأنها تقول بأن الفرد جزء من جماعة لأن صلاح الجماعة شرط لأمان الأفراد الذين يكوّنون هذه الجماعة، ولأن من بين أرقى أنواع المباهج إسهام الأفراد في إسعاد رفاقهم في الجماعة· فغرائزنا الاجتماعية تؤدي إلى قيامنا بأفعال غير أنانية (منطوية على حب الغير) وهذه الأفعال يمكن أن تمنحنا مسرة تفوق أي بهجة حسية أو عقلية وأكثر دواماً منها(71)· فأن تكون شفوقا رحيما يعني أن تكون سعيدا، وأن تنزع منك الرحمة يعني أن تكون بائسا· فالأخلاق - علم السعادة البشرية - هي المبدأ الذي يربط الفرد بجنسه البشري وهي الدوافع التي تعمل على حثنا على تعديل سلوكنا وجعله على نحو أمثل لتحصيل مزايا يجنيها الجميع(81)·
فالعدالة إذن هي تنظيم سلوك الفرد والجماعة لتحقيق أقصى قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس· فالهدف العاجل للحكومة هو أمن الجماعة والفرد وما دام الفرد يرغب في أكبر قدر من الحرية مما ينسجم مع أمنه، فإن أفضل وضع للبشر هو الوضع الذي يحافظ على الأمن العام مع أقل انتهاك ممكن لاستقلال الفرد(91)· وعلى هذا فليست هناك حاجة لمراسيم حكومية أو دينية للزواج، فاتفاق اثنين من البالغين على العيش معا يجب أن يكون كافيا، ويجب فسخ الارتباط(الاتفاق على العيش معا) إذا رغب في ذلك أحد الطرفين(02)· (وقد أعجب الشاعر شيلي Shelley بهذا الاتجاه على نحو خاص)·
ولم يكن جدون يحب الحكومات· فمهما كانت أشكالها ومهما كانت النظريات التي تقوم عليها، فإنها لاتعدو أن تكون سيطرة الأقلية على الأغلبية· لقد كان دوما يتبرأ من دعوى المحافطين أن الجماهير مفطورة على الدونية وأنها دائما تميل للقتل، ولهذا فلا بد من حكمها إما بالكذب عليها أو إرهابها أو إجبارها (بالكذب أو الإرهاب أو القوة)· وكان - مثل أوين Owen - يعتقد أن هذه الصفات الدونية ترجع إلى نقص التعليم أو قلة الفرص أو فساد البيئة(12)· وسخر من المساواة أمام القانون لأنه كان يرى كل يوم الذين يحصلون الأموال الطائلة بطرق ملتوية وغير سليمة يفلتون من العقاب بحيل قانونية أو بسبب محاباة القضاة لهم(22)· ولم يكن اشتراكيا فقد قبل مبدأ توريث الثروة ومبدأ تعيين أوصياء لإدارتها(32)· وعارض السيطرة الحكومية على الإنتاج والتوزيع(42)، لكنه أصر على ضرورة أن تكون الملكية الشخصية في خدمة الصالح العام(52)، وحذر من أن تركيز الثروة ما هو إلا دعوة إلى الثورة(62)·
وعلى أية حال، لم يكن ميّالاً إلى الثورة· فحين تتغير طبائع الأجناس البشرية تغيرا جوهريا فـإن الإطاحة بالنظام القائم بالقوة، وأية محاولة ثورية لإعادة توزيع الثروة، ستسـبب فوضـى اجتماعيـة تلحــق ضــررا بالرخــاء العـام أكثــر مـن الضـرر الـذي يلحقـه عـدم المساواة (التفاوت في الثروة) الذي تحاول إزالته(72)· فالثورة في الفكر (تغيير الآراء) هي السبيل الوحيد للوصول لتوزيع أفضل للثروة(82)· وهذا يتطلب تعليماً يستغرق فترة طويلة ويتطلب صبرا·· تعليماً تتلقاه الأجيال من خلال المدارس والإنتاج الأدبي والفكري·
ومع هذا فسيكون من الخطأ أن نقدم تعليما عاما من خلال نظام وطني للمدارس (المقصود نظام حكومي تتبناه الدولة) لأنه سيكون في هذه الحال أداة من أدوات الشوفينية (الغلوّ في الوطنية) مما يؤدي إلى قيام الحروب، وأداة من أدوات البروبا جندا (الدعاية) الحكومية التي تهدف إلى ترسيخ قيم الطاعة العمياء(92)· إذ لا بد من ترك التعليم في أيدي القطاع الخاص الذي يجب دائما أن يقول الحق والذي يجب أن يعوّد الطالب على استخدام العقل· فالعقل ليس مبدأً مستقلاً أو ملكة أو قدرة كلية وليس لديه ميل لحثنا على الفعل· فهو من الناحية العملية مجرد أداة للمقارنة - والموازنة - بين المشاعر المختلفة· فالعقل ··· قد صُمِّم (بضم الصاد) لتنظيم سلوكنا على وفق القيمة المقارنة للمثيرات أو المنبهات أو الدوافع· فالأخلاق ليست إلا حساب النتائج أو العواقب(03) بما في ذلك النتائج أو العواقب التي تعود على المجتمع· وعلى هذا فتحسين العقل يعني تحسين أحوالنا الاجتماعية(13) ·
إن الطريق إلى المدينة المثالية (اليوطوبيا) عن طريق التعليم طريق طويل وشاق لكن الإنسان قد حقق بعض التقدم في السيرفي هذا الطريق، وليس هناك حد لمزيد من التقدم فيه· إن الهدف أن تتلقى البشرية تعليما كافيا متبصرا يتيح لها إعمال العقل بحرية (دون قيود)· إن إلغاء الحكومة (الأنارشية) هدف بعيد لكنه سيظل مع هذا هدفا لكثير من الأجيال القادمة وطبيعة الإنسان ستحتم شكلاً أو آخر من أشكال الحكومة· دعونا نواصل آمالنا في أن يتطور الذكاء - عبر أجيالنا القادمة - ليصبح حرية منضبطة·
ولابد أن جدون كان يمتلك نبعاً ثرّاً من الذكاء لأنه في سنة 4971 أصدر - بعد عام واحد من نشرة كتابه الحاشد (أسئلة عن العدالة السياسية ···) أصدر رواية حكم عليها كثيرون بأنها الرواية الرائعة البارزة في ذلك العصر· إنها رواية كالب وليامز Caleb Williams التي أظهرت روح الحكومة وطبيعتها من حيث كونها تقحم نفسها في حياة كل طبقات المجتمع وقد أضاف المؤلف إلى هذه الرواية قصة حياته: لقد تزوج ماري ولستونكرافت Wollstonecraft (7971) وتبنى ابنتها فاني إمالي Fanny Imaly التي أنجبتها نتيجة اتصالها الجنسي بشخص دون زواج (نتيجة علاقة زنا) وعاش مع ماري مدة عام في عِشْرةٍ مثيـرة· يقـول : لقـد قـدرت فيهـا طاقاتهـا العقليـة، ونزوعهـا النبيـل إلى الكـرم، ولـم تكن الرقة وحدها كافية لتحقيق السعادة التي جربناها(23) وقد ماتت - كما رأينا - بعد فترة قصيرة من إنجابها ماري جدون شلي Mary Godwin Shelley وفي سنة 1081 تزوج من مدام ماري جين كليرمونت Mary Jane Clairmont التي كانت ابنتها (من زوجها الأول) واحدة من مديرات منزل بايرون Byron· وقد دعم الزوج والزوجة حياتهما المعقدة بنشر الكتب التي كان من بينها حكايات من شكسبير (7081) الذي ألفه شارلز لامب وماري لامب Charles & Mary Lamb· ونتيجة تخلي وردسورث Wordsworth وكولردج Coleridge عنه وابتعادهما عن صداقته واجه أياما عصيبة، وساعده شيلي Shelley الذي كان هو نفسه معسرا، وفي سنة 3381 - ويالسخرية التاريخ - عينته الحكومة - التي كان يعتبرها شرا لا بد منه - موظفاً في الخزانة براتب متواضع كان يكفي طعامه حتى مات في سنة 6381·