قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> الفلسفة الإنجليزية -> مالتوس عن السكان
3- مالتوس: عن السكان
لقد عمل كتاب جودون الآنف ذكره (أسئلة حول العدالة السياسية) على دفع كتاب آخر إلى المطبعة وقد أصبح هذا الكتاب الآخر أكثر شهرة من كتاب جودون نفسه· وساعد على ذلك رد فعل غير عادي من ابن ضد فلسفة أبيه الليبرالية· لقد كان دانيال مالتوس Daniel Malthus (توفي سنة 0081) شخصاً لطيفاً غريب الأطوار وكان صديقاً شخصيا لديفد هيوم (تكتب أيضا دافدslashالصيغة العربيةللاسم هي داود) وجان جاك روسو· وشارك الإسكتلندي شكوكيتة والسويسري تشاؤمه، حول الحضارة· وقد كان هو شخصيا مشرفا على تعليم ابنه فيما قبل دخوله الكلية، وكان واثقا من أن توماس مالتوس (6671 - 4381) سيكون راديكاليا ممثلاً للقانون مثله (أي مثل أبيه دانيال مالتوس) مثل جودون· وواصل مالتوس في كامبردج ودخل في سنة 7971 سلك الكهنوت الإنجليكاني، وعندما ظهر كتاب جودون (3971) راح الأب والابن يتناقشان بشغف فيما ورد به من أفكار، ولم يشارك الابن أباه في حماسه لأفكار الكتاب· لقد شعر الابن بأنّ هذا الولع المثالي (اليوطوبي) بالعقل المنتصر (بانتصار العقل) لامبرر له، لأنه قد جرى تسفيهه مرارا بالحقيقة البسيطة التي مؤداها أنه كلما زاد الطعام وتحقيق الرخاء سرعان ما يؤدي تزايد السكان إلى محق هذا الرخاء، وقد عبر سِفْر الجامعة في التوراة عن هذا ببلاغة· فمادامت خصوبة الأرض محدودة ولا سبيل لوقف الشهوة الجنسية فهذا يؤدي إلى تضاعف عدد الأفواه بسبب الزواج المبكر والإنجاب الكثير وانخفاض نسبة الوفيات بين الأطفال والشيوخ، وهذا بدوره يؤدي إلى استهلاك أية زيادة في الطعام بسرعة· ولم يتفق الأب مع ابنه في هذا النتيجة ولكنه كان معجبا بالطريقة التي دافع بها ابنه عن آرائه فطلب من ابنه أن يكتب وجهات نظره وبالفعل كتبها توماس ونشرها في سنة 8971 في كتاب بعنوان: مقال عن مبادئ السكان وتأثيرها في مستقبل المجتمع An Essay on the principle of population as it affects the future improvement of Society وقد بدأ كتابه باعتذار يسترضي فيه الكاتبين اللذين يتحدى في كتابه نزعتهما التفاؤلية:
لا أستطيع أن أشك في مواهب رجال مثل جودون، وكوندرسيه Concdorcet··· لقد قرأت - وبسرور شديد - بعضاً من آرائهما عن طرائق الوصول بالإنسان والمجتمع إلى حد الكمال، ولقد ابتهجت وتفاعلت بحرارة مع الصورة البهيجة التي رسماها· إنني أرغب بشدة في تحقيق هذه التحسينات· إلا أنني - على وفق ما يهديني إليه تفكيري - أرى صعوبات شديدة لا تقهر أمام ما ذكراه· وهدفي هو تبيان هذه الصعوبات، لكنني أعلن في الوقت نفسه أنني أبعد ما يكون عن السعادة لوجود هذه الصعوبات، وأنني لم أتخذها سببا يسعدني للانتصار على أصدقاء الفكر، فلا شيء يسعدني أكثر من أن أرى هذه الصعوبات وقد تلاشت(33)· وحاول مالتوس أن يصيغ حججه بشكل رياضي· فافترض أن الطعام يزيد كل 52 عاما بمتوالية حسابية (من 1 إلى 2 إلى 3 إلى 4 إلى 5 إلى 6 وهكذا) أما السكان فيزيدون - إذا لم تكن هناك عوائق تمنع الزيادة - بمتوالية هندسية (1، 2، 3، 4، 8، 61، 23·· وهكذا) مفترضا أن كل زوج وزوجة سينجبان 4 أبناء يظلون على قيد الحياة· وعلى وفق هذه النسبة فإنه في غضون قرنين سيصبح (عدد السكان) بالنسبة إلى مواراد الرزق 52 إلى 9، وفي غضون ثلاثة قرون 690،4 الى 31، وفي غضون ألفي سنة سيصبح الفارق مهولا(43) والسبب في أن عدد السكان لايرتفع بمثل هذه السرعة هو أن الناس يواجهون بعوامل سلبية أو إيجابية تحول بينهم وبين التناسل· فالعوامل السلبية مانعة (وقائية): تأجيل الزواج بسبب الفقر أو غيره من الأسباب، الرذيلة (ويعنى بها مالتوس العلاقات الجنسية خارج نطاق الزوجية) والعلاقات غير الطبيعية (كالشذوذ الجنسي ··الخ) واستخدام وسائل منع الحمل أو تمديد النسل داخل نطاق الزوجية أو خارجها· وإذا فشلت هذه العوامل السلبية في حفظ التوازن بين السكان والطعام المتاح فإن الطبيعة nature والتاريخ يقدمان لنا عوامل إيجابية تؤتي مفعولها مع الأفراد الموجودين بالفعل: قتل الأطفال، الأمراض، المجاعات، الحروب، وبذلك تتم الموازنة بين المواليد والوفيات·
وخلص مالتوس من هذا التحليل الكئيب بنتائج غريبة· أولا، لا يوصي بزيادة أجور العمال لأنه إن زادت أجورهـم تزوجـوا مبكـرا وأنجبـوا مزيـداً مـن الأطـفال مما سيؤدي إلى زيــادة السـكان زيـادة تفـوق الزيـادة المتاحـة فـي الطعـام فيعـود الفقـر مـن جديـد· وعلـى النحو نفسه لا داعي لزيادة الضرائب المخصصة للإنفاق على العاطلين فهذا سيؤدي إلى التشجيع على الكسل وسيجعل عدد أفراد الأسرة يزداد فتتضاعف الأفواه بسرعة أكثر من تضاعف الطعام المتاح، وسيؤدي التنافس بين المشترين لأن يرفع البائعون أسعار بضائعهم المتناقصة، وسرعان ما يعود الفقراء الذين كانوا قد نعموا بشيء من الرخاء إلى الفقر من جديد(53)·
وليواصل تدمير (أفكار) جودون، استمر مالتوس متناولاً حلم فلسفة اختفاء الحكومة (الاستغناء عنها) فإذا اختفت الحكومة تعين على كل فرد أن يحرس مخزونه القليل بالقوة كما نحكم اغلاق أبوابنا ونوافذنا إذا ضاع القانون وعمت الفوضى· وستنتصر الأنانية وسيصبح النزاع أبديا(63) وبإزالة كل العوائق أمام الاتصال الجنسي سيزيد عدد السكان زيادة تفوق زيادة الإنتاج مما سيؤدي إلى تقليص نصيب الفرد وستضيع المدينة الفاضلة (اليوطوبيا) في خضم منافسة يائسة وستحل فوضى لا سبيل إلى تجنبها وسينتشر البؤس(73)· فلا يكون هناك حل إلا إعادة الحكومة وحماية الملكية الخاصة وتشجيع الإنتاج والاستثمار وإن حدث تمرد قامت عليه جماعة مخصوصة تحتم قمعه بالقوة وسيعود التاريخ إلى صيغته التقليدية: منتجات الطبيعة nature تقتسمها طبيعة الإنسان، أو طبيعة الإنسان هي التي تقسم نتجات الطبيعة· وفي صياغة جديدة موسعة ومراجعة لكتابه وضّح مالتوس بشكل أكثر حدة وتفصيلا العلاجات الوقائية التي تحول بيننا وبين الكوارث التي يلحقها بنا التاريخ والطبيعة كعلاج لمشكلاتنا (عدم التوارن بين عدد السكان والطعام المتاح)· لقد اقترح وقف الإعانات عن الفقراء وعدم التصدي للمشروعات الخاصة (الحرة) واقترح ترك قانون العرض والطلب ليقوم بدوره في العلاقات بين المنتجين والمستهلكين وبين العاملين وأصحاب العمل· واقترح وضع العوائق أمام الزواج المبكر لخفض نسبة المواليد· إن التزامنا هو إلا نتزوج الإ بعد أن تكون إمكاناتنا في حالة تسمح لنا بدعم (رعاية) أبنائنا(83) وفوق هذا يجب أن يتعلم الناس كيف يكبحون شهواتهم قبل الزواج وبعده ولا بد أن تتسم الفترة الواقعة بين سن البلوغ والزواج، بالعفة والتزام الفضيلة(93) فإذا ما تم الزواج لا بد أن يمنع الحمل بأي طريقة وبأي صورة من الصور· وإذا لم نلتزم بهذه التدابير أو تدابير مماثلة، فلا بد أن نوطن أنفسنا على مجاعات أو أوبئة أو حروب تقوم بدورها في إنقاص عدد السكان· وتلقى المحافظون البريطانيون ما ورد في كتاب مالتوس كوحي مقدس (إلهي)، وشعر البرلمان وأصحاب الأعمال بأن لديهم مايبرر موقفهم في مقاومة مطالب الليبراليين - مثل روبرت أوين Robert Owen - التي تنادي بالتخفيف من وطأة قانون العرض والطلب بإصدار قوانين لتخفيف آلام المحتاجين· وسحب وليم بت Pitt المرسوم الذي كان قد قدمه لتوسيع نطاق قوانين إغاثة الفقراء(04)· وبدت الإجراءات التي كانت الحكومة قد اتخذتها بالفعل ضد الراديكاليين البريطانيين عادلة بفعل مبررات مالتوس واتهاماته لهؤلاء الباعة الجوالين الذين يسوقون المدينة الفاضلة (اليوطوبيا) والذين يضلون البسطاء تضليلا مأسويا· واشتد إيمان أصحاب الصناعة البريطانيين في جدوى خفض الأجور لتحقيق الطاعة والانضباط في العمل· وجعل ريكاردو Ricardo من نظرية مالتوس أساسا لعلمه الكئيب his dismal Science (أطلق كارليل Carlyle هذا الاسم العم الكئيب على الاقتصاد بعد قراءته لكتابات مالتوس)· والآن أصبحت كل الشرور تقريبا تعزى إلى خصوبة الفقراء الطائشة أو بتعبير آخر تعزى إلى كثرة إنجابهم بشكل غير محسوب - لقد أحدث كتاب مالتوس الاضطراب والفزع في صفوف الليبراليين، فاستغرق جودون عشرين عاما لإعداد رده وأخيرا أصدر كتابة عن السكان، رد على مالتوس (0281) وكان في غالبه تكراراً لآماله وشكوى من أن مالتوس حول أصدقاء التقدم إلى رجعيين(14)· وكان وليم هازلت Hazlitt استثناء: ففي مقال عن مالتوس في كتاب روح العصر The spirit of the Age (4281) هاجم هذه القدسية التي لاتعرف الرحمة أوبتعبير آخر هاجم نسبة القسوة إلى الله بكل ما أوتي من طاقة عقلية وحدة في الذهن· لقد ذكر أن خصوبة النبات تفوق كثيرا خصوبة النساء فالحبوب ستتكاثر وتتضاعف أسرع بكثير جدا من زيادة الجنس البشري، فمقدار بوشل bushel(مكيال للحبوب يساوي ثمانية جالونات أو نحو 23 لترا ونصف اللتر) يزرع حقلا، وهذا الحقل سيثمر حبوبا تكفي لزراعة عشرين حقلا آخر· ستكون هناك ثورات خضراء green revolutions(24)·
وفي أوقات لاحقة راح الكتاب يجمعون الحقائق لإبطال مخاوف مالتوس وتسكينها· ففي أوروبا والصين والهند زاد السكان لأكثر من الضعف بعد مالتوس، ومع هذا كان لديهم من موارد الطعام أكثر من ذي قبل· وفي الولايات المتحدة الأمريكية تضاعف السكان عدة مرات منذ سنة 0081 ومع ذلك زاد الإنتاج الزراعي عن الحاجة وتبقى فائض وفير للتصدير· وعلى العكس مما قاله مالتوس أدى ارتفاع الأجور إلى انخفاض نسبة المواليد· فلم تعد المشكلة نقصا في البذور أو الحقول وإنما نقصا في الطاقة غير البشرية (الآلية) لاستخدامها في الزراعة والصناعة، وإمداد القرى والمدن·
وبطبيعة الحال فإن الإجابة الحقيقية بالنسبة إلى مالتوس كانت هي منع الحمل - لقبوله على المستوى الأخلاقي، ولانتشاره وكفايته وقلة تكلفته· لقد حطمت علمانية الفكر الحواجز اللاهوتية التي وضعها رجال الدين في وجه ضبط النسل· لقد حولت الثورة الصناعية الأطفال من موجودات اقتصادية ذات نفع كما كان الحال عند عملهم في المزارع إلى موجودات معوقه اقتصاديا في المدن إذ راح تشغيل الأطفال ينقص تدريجيا، وارتفعت تكاليف التعليم وزاد ازدحام المناطق الحضريّة· وانتشر الوعي (الذكاء) فقد تحقق الرجال والنساء أن الأحوال التي تغيرت لم تعد تتطلب أسرة كبيرة العدد· وحتى الحروب لم تعد تتطلب حشوداً من الشباب ينتشرون في مواجهة حشود أخرى ليلقوا مصرعهم بقدرما أصبحت في حاجة إلى الابتكار التقني لتحقيق التدمير المادي·وعلى هذا فالرد على مالتوس لم يكن متمثلاً في نظريات جودون وإنما من المالتوسيين الجدد Neo Malthusians ودعوتهم إلى ضبط النسل· وفي سنة 2281 نشر فرانسس بلاس Place كتابيه توضيحات وبراهين حول قضية السكان· لقد وافق على المبدأ الذي وضعه مالتوس والذي مؤداه أن السكان يزيدون بمعدل أسرع من زيادة مقادير الطعام· ووافق على ضرورة وضع قيود على الزواج لكن ليس بتأجيله وإنما الأفضل قبول منع الحمل كبديل شرعي ومقبول - نسبيا - من الناحية الأخلاقية لمواجهة الخصوبة الطبيعية العمياء (غير الموجهة) والتدمير الجماعي الذي تسببه الحروب·
(وكان هونفسه قد أنجب خمسة عشر طفلا مات منهم خمسة في مرحلة الطفولة) وقد وزع في لندن نشرات طبعها على نفقته الخاصة يدعو فيها لضبط النسل وواصل معركته (دعوته) هذه حتى موته وهو في الثالثة والثمانين من عمره (مات سنة 4581)· ولقد عاش مالتوس عمرا طويلا يسمح له بالشعور بمدى قوة حجج بلاس Place· وفي سنة 4281 ساهم في دائرة المعارف البريطانية بمقال راجع فيه نظريته وتراجع عن نِسَبه الرياضية المرعبة، وركز - بشكل جديد - على زيادة عدد السكان كعامل في النضال من أجل الوجود· وبعد ذلك بسنوات طوال كتب شارلز دارون في سيرته الذاتية:
في أكتوبر سنة 8381 بعد أن بدأت بحثي النظامي بخمسة عشر شهرا، حدث أن قرأت - ترفيها عن نفسي - كتاب مالتوس عن السكان وكنت مهيأ لتقدير قيمة الصراع من أجل البقاء ··· من خلال ملاحظاتي المستمرة الطويلة لعادات الحيوانات والنباتات· لقد أذهلني ذات مرة أنه في ظل هذه الظروف فإن التغييرات الملائمة (المناسبة) ستسبب حفظ النوع، والتغييرات غير الملائمة ستؤدي إلى التدمير· ونتيجة هذه العملية هو ظهور أجناس جديدة· وهنا أمسكت بنواصي نظرية البقاء للأصلح
وعلى هذا وبعد نحو جيل استمر فيه المزيد من البحوث والتأمل والتفكير نشر دارون في سنة 9581 كتابه أصل الأنواع The Origin of species وهو الكتاب الأكثر تأثيرا في القرن التاسع عشر· إن سلسلة من الأفكار تزين السلسلة الكبرى للوجود وتشكل تاريخ الحضارة·