قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> الأدب والفكر في مرحلة انتقال -> الصحافة
الفصل العشرون
الأدب والفكر في مرحلة انتقال
1- الصحافة
إن كانت فرنسا قد هيمنت على المسرح السياسي في هذه الحقبة، فقد كانت إنجلترا هي قائدة الأدب والحركة الفكرية· فإذا استثنينا شاتوبريان فَمَن لفرنسا في هذه الفترة يمكن مقارنته بوردزورث Wordsworth وكولردج Coleridge وبايرون Byron وشلي؟ ولم نُدرج كيتسي Keats (5971 - 1281) في هذه القائمة فأعماله الكبرى لا تدخل في مجال مقارناتنا الحالية، فقد كانت أزهى الورود في الشعر الإنجليزي طوال أربعة قرون بعد عصر إليزابث الأولى·
فحتَّى الرسائل المتبادلة كان يمكن اعتبارها في ذلك العصر أدباً، فخطابات بايرون وكولردج تبدو أقرب إلى روحنا من أشعارهما· وفي تلك الأيام عندما جرت العادة أن يدفع المُرْسَل إليه ثمن طابع البريد، فإنّه كان يطلب لقاء ما دفعه ثروة أو أسلوباً (المقصود أنه كان يتوقع نظير دفعه لتكاليف البريد أن يكون الخطاب مشتملاً على أموال أو أن يكون على الأقل ذا أسلوب جميل) وكان معنى أن يتلقى خطابا من هذه الأرواح المتوهجة (المقصود الشعراء المشاهير) أنه حصل على جواز سفر يخلد ذكره بعد الوفاة·
ولم تكن الصحف على أية حال تمثل أدبا وفكرا· فعادة ما كانت الصحيفة صفحة كبيرة مطوية لتصبح أربع صفحات؛ الأولى والرابعة للإعلانات، والصفحة الثانية تتناول السياسة بما في ذلك ملخص للأعمال البرلمانية في اليوم السابق · وكان يصدر في لندن عدة صحف يومية: خاصة التايمز Times (الأزمنة) التي أسست في سنة 8871 وكانت تبيع نحو خمسة آلاف نسخة ، والكوريير Courier (الوقائع) التي تبيع عشرة آلاف نسخة، وصحيفة مورننج بوست Morning Post وهي صحيفة حزب الأحرار Whigs (حزب الهويج الذي عُرِف فيما بعد بحزب الأحرار) والمراقب Examiner صوت الليبراليين من أمثال لاي هنت Leigh Hunt· وكان لكل مركز من المراكز التي لها ممثلون في البرلمان ولكل كونتية (إقليم أو مقاطعة) صحيفته الخاصة وأحيانا صحيفتان، واحدة للضالعين في السلطة، وأخرى لغير الضالعين فيها· وكانت هناك صحف أسبوعية مختلفة كان أشهرها بوليتكال ريجستر (المسجل السياسي) التي يصدرها وليم كوبت William Cobbet وكان هناك عدة دوريات سياسية واجتماعية وأدبية· كان أقواها مراجعات أدنبره Edinburah Review التي تصدر أربع مرات في السنة (فصلية) وكان قد أسسها في سنة 2081 كل من فرانسيس جفري Francis Jeffery وهنرى بروهام Brougham وسدني سميت Sydney Smith للدفاع عن الأفكار التقدمية والمراجعات الفصلية Quarterly Review التي أسسها في 7081 جون مري Murry وروبرت سوثي Sauthy ووالتر سكوت Scott للدفاع عن أفكار حزب المحافظين (التوري Tory) وكانت سلطة الصحافة عنصرا مهيمنا على الساحة البريطانية· فلم تعد أداة للتعبير الأدبي كما كانت في الأيام المتمهّلة التي عاشها أديسون وستيل Addison & Steele وإنما أصبحت منفذاً للمعلنين ولساناً ناطقا باسم الجماعات السياسية · وما دام المعلنون يدفعون على وفق مدى انتشار الصحيفة فقد كان على المحرر والناشرين أن يضعوا في اعتبارهم الرأي العام حتى لو كان هذا على حساب الحزب في السلطة ، وعلى هذا راحت الصحافة تسخر من أبناء الملك الذين لا عمل لهم رغم كل جهود الحكومة لحمايتهم، وبالتدريج وكلما تقدمت أعوام القرن التاسع عشر، أصبحت الصحافة أداة - أصبحت أخيراَ أداة لا مفر منها - للديمقراطية الصاعدة
| صفحة رقم : 14648 |
|