قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> كولردج1772
3- كولردج
2771 - 4971
كولردج هو أكثر أفراد المجموعة التي نتناولها في هذا الفصل تشويقا وأكثرهم تباينا في مواهبه وتنوعا في جاذبيته، وأفكاره وقلقه ونقائصه· لقد اجتاز السلسلة كاملة من المثالية إلى كوارث في الحب والأخلاق، ونكبات في الأدب والفلسفة· وقد اقتبس من أفكار - وكلمات - مؤلفين كثيرين تأثربهم واستوحى أفكارهم ولا يمكن لقسمٍ من فصل أن يوفيه حقه·
ولد صمويل (صموئيل) تايلور كولردج في 12 أكتوبر سنة 2771 وكان هو الابن العاشر والأخير لجون كولردج ناظر المدرسة والذي كان عند مولده قسا في أوتري سانت ماري Ottery St. Mary في ديفونشير Devonshire وكان جون دارسا للرياضيات المتطورة وعالما باللغتين اليونانيـة واللاتينية واللغات الشرقية، وهو مؤلف كتاب عن نحو اللغة اللاتينية Acritical Latin Grammer أما الابن الذي أصبح بعد ذلك يشير إلى اسمه بالأحرف الأولى (S. T. C ) فقد وقع في إسار هذا التراث الذي تعلمه إذ كادت كل فقرة من فقراته تتضمن اقتباسا يونانيا أو لاتينيا· وقد روى - فيما بعد - ما كان عليه حاله من الثالثة إلى السابعة:
لقد أصبحتُ نكداً شكِساَ رعديدا نمَّاما واشيا، وكان رفاقي في المدرسة يبعدونني عن اللعب معهم وكانوا دائما يؤذونني لذا فلم أسعد بألعاب الصبية ومن ثم عكفت على القراءة باستمرار··· لقد قرأت في السادسة من عمري بيليزاريوس Belisarius وروبنزون كروزو Robinson Crusoe وألف ليله وليلة ··· فتملكتني الأشباح ··· وأصبحت حالما وأصبحت أعاني انحرافا في صحتي إثر أي نشاط جسماني، وكنت جباناً رعديدا عاطفيا انفعاليا بشكل مبالغ فيه ·· وكنت كسولا مكروها من الصبية لأنني كنت أستطيع القراءة والهجاء ··· وكانت لدي ذاكرة قوية وقدرة على الفهم تكادان تنمان عن نضج غير طبيعي، وكنت موضع إطراء وإعجاب من النسوة كبيرات السن ··· ولذا فقد أصبحت مختالا فخورا، وأصبحت قبل أن أبلغ الثامنة من عمري شخصية (المقصود شخصا ذا سمات خاصة) من حيث الأحاسيس والخيال والزهو والكسل، ومشاعر الاحتقار العميق والمرير لكل من يمر على تفكيري· حتى لو كان من المبرزين المشاهير(21)·
وكان موت أبيه (9771) الذي كان الشاعر يحبه بعمق صدمة عنيفة له · وبعد موت أبيه بعامين أُرسل إلى مدرسة خيرية في لندن تابعة لمستشفى يسوع Christصs Hospital لمواصلة تعليمه· وكانت الوجبات التي تقدمها هذه المدرسة هزيلة وكان النظام فيها صارما، وقد تحدث في أواخر حياته عن العقاب الشائن الذي أنزلوه مضاعفا وبقسوة على صبي شعر أن أسرته قد نسيته· لقد أرادوا له أن يكون قسّا بينما كان هو يرنو أن يكون صانع أحذية· وفي سنة 0381 (في هذا التاريخ كانت ذاكرته - على نحو خاص لا يُعوّل عليها) جُلد، وهو يروي لنا قصة جلده ولم تكن هي المرة الوحيدة، فيقول:
عندما كنت في الثالثة عشرة من العمر ذهبت إلى صانع أحذية وتوسلت إليه أن أعمل عنده ليعلمني المهنة· وكان رجلا أمينا لذا فإنه سرعان ما دبّر لي لقاء مع بوير Bowyer رئيس جماعة صانعي الأحذية، فثار غاضبا وركلني ·· وسألني لماذا أبرهن هكذا على غبائي؟ فأجبته إنني شديد الرغبة في أن أكون صانع أحذية وأكره أن أكون رجل دين، فسألني لماذا؟ فقلت له: الحق أقول لك يا سيدي ·· إنني كافر وبمجرد أن قلت ذلك لم يسمح بوير بمزيد من الكلام، وجلدني(31) ومن الواضح أنه اقتطف بعض الفاكهة المحرمة، وربما كان ذلك من كتب إحدى محلات بيع الكتب بشارع الملك (كنج ستريت) ففي هذه المكتبات - كما زعم بعد ذلك - بطريقته التذكارية:
لقد قرأت في كل الكتب الواردة في الفهرس (المقصود كتالوج المكتبة) وفي كل الكتب الضخام (من القطع الأعظم) سواء كنت أفهم ما أقرأه أم لا ··· وكنت أغامر بكل شيء للحصول على المجلدين اللذين فرضت على نفسي الحصول عليهما يوميا· لقد كنت مدركا لما يجب أن أكون عليه وأنا في الرابعة عشرة من عمري· لقد كنت محموما دائما (المقصود أنه كان شديد التوق للقراءة)· لقد كان كياني كله موجها نحو الانسحاب إلى ركن مشمس لأقرأ وأقرأ وأقرأ، مغمضا عيني عن أي هدف آخر(41)·
وبطبيعة الحال فإننا نلمح زهواً مبالغا فيه هنا· وعلى أية حال فقد أنجز إنجازا طيبا في مدرسة مستشفى يسوع حتى إن أسرته رتبت أمر إدراجه بين الطلبة المساعَدين (بفتح العين) الذين يعملون ويدرسون في آن واحد في كلية يسوع بكمبردج (1971) وهناك حاول دراسة الرياضيات المتقدمة واللغة اليونانية المغرقة في قدمها لقد قرأت بندار Pindar ورحت أؤلف الشعر باللغة اليونانية وكأنني كلب مجنون أو بتعبير آخر ككلب مصاب بالسعار ··· وفي أي وقت فراغ يتاح لي كنت أترجم Anacreon ·· وتعلمت العزف على الفيولين (الكمان)(51)·
وعندما نقرأ عن كولردج لابد أن نسمح لأنفسنا بتقبل ما هو عليه من غلو وإفراط· لقد أهمل صحته، وأصيب في سنة 3971 بالحمى الروماتزمية، ولجأ إلى الأفيون لتسكين آلامه، وكان الأفيون في ذلك الوقت شائعا كعقار مسكن لكن كولردج أدمنه، وأبطأت خطاه في المجال الدراسي، وسمح لنفسه بمزيد من الأهتمام بالأمور العامة· وعلى أية حال فقد تجاوز ما سمحت له به أسرته ووقع في الديون وطارده دائنوه وفي جهد يائس للهرب منهم غادر كمبردج فجأة، وفي ديسمبر سنة 3971 تطوع في جيش كان يعد لحرب فرنسا· واشترى أخوه جورج إطلاق سراحه مقابل أربعين جنيها إنجليزيا وحثه على العودة إلى كمبردج· ودبر أمر تخرجه من الجامعة في سنة 4971 دون الحصول على الدرجة العلمية، ولم يزعجه هذا كثيرا لأنه في هذه الأثناء كان قد اكتشف اليوطوبيا (المدينة المثالية)·
وكان يعد نفسه لهذا الاكتشاف بتخليه عن عقيدته الدينية، وعقد آماله على السعادة واليوطوبيا (المدينة المثالية) وقد حركت الثورة الفرنسية مشاعره كما كادت تحرك مشاعر كل المتعلمين وغير الماليين في إنجلترا· والآن، في ربيع سنة 4971 وصلته رسالة من صديقه روبرت ألن Allen في أكسفورد مفادها أن طلبة مختلفي المشارب راغبون جدا في إصلاح الأساليب والمؤسسات البريطانية، وذكر ألن أن أحد الطلبة يتميز بالألمعية ويكتب شعرا يحتفى فيه بالثورة الاجتماعية· أيستطيع كولردج أن يذهب إلى أكسفورد للقاء هؤلاء الشباب؟· لقد فعلها كولردج في يونيو سنة 4971·