قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> كولردج1794

5- كولردج


4971 - 7971


كان كولردج ممزقا بين أعصاب حية وجَلَد وصَبْر من ناحية، وإرادة مترددة من ناحية أخرى· لقد أحب ماري إيفانز ابنة لندن لكنه جفل من مهمة الإبقاء عليها في ظل أسلوبها المعتاد، أما هي فقد أحبت روحه الثرية المتحمسة لكنها لم تكن واثقة في قدرته على الكسب فابتعدت عنه، فوجد نفسه مستسلما لسارة فريكر فهي رغم بساطتها وإفلاسها يمكن أن تحافظ له على بيته وتنجب أطفالا وإن كانت غير قادرة على إلهامه أشعاره·
وليموّل زواجه المأمول وأحلامه الباقية راح يلقي المزيد من المحاضرات في بريستول محصلا شلنا كرسم دخول (لقاعة الاستماع) (واستمر هذا في الفترة من يناير إلى يونيو 5971)، وكان نشاط هذه الجماعة راديكاليا بشكل طائش: لقد شجبوا الكنيسة القائمة Established Church كخادمة للأثرياء، وأنها لاتعرف ربا Lord سوى المالك الإقطاعي Lord of the manor وأدوانوا الحرب ضد فرنسا لقمع الثورة وإحداث ردة تاريخية· والتمسوا الأعذار للإرهاب باعتباره رد فعل لحرب بت Pittصs war وأدانوا مراسيم تقييد حرية الرأي Gag Bills كجهود حكومية لكبت إرادة الجماهير· لقد كان ما حصلوه من الأموال قليلا لكنه كان كافيا ليعقد كولردج قرانه على سارة فريكر في مذبح الكنيسة في 4 أكتوبر 5971·
وفي هذا الخريف نفسه التقى لأول مرة بوردزورث، ولم يكن وليم ليكبر صمويل (صموئيل) بأكثر من عامين لكنه كان قد خَبَر الثورة الفرنسية، لقد كان قد عاين اليوطوبيا معاينة حية معاينة من رأى لا من سمع· وقد شارك الرجل الأصغر منه بعامين الخشية من استعادة البوربون عرش فرنسا، لكنه لم يكن قادرا على العيش في بنسلفانيا فقد كانت أوربا هي مسرح الصراع الفكري، أما بالنسبة إلى بهاء منطقة سوسكويهانا Susquehanna وجمالها، فلم لا يكتفي قانعا بعظمة البحيرات الإنجليزية وبهائها؟ ولم يكن كولردج مقتنعا تمام الاقتناع لكنه كتب في مذكراته (مجموعة أوراقه) أن يتابع تطور وليم وربما ليتعلم منه كيف يتخطى صعوبات الحياة (يجتاز عواصفها ومنحدراتها) لقد ملأ كثيرا من الأوراق بمعلومات وأفكار كثيرة جمعها من الكتب وممن قابلهم· لقد كان يقرأ قراءات واسعة في مجالات شتى وبشغف في اثني عشر مجالا، لقد قرأ في التراجم وعن الحيوانات والنباتات والعلوم والأديان والفلسفة والأمم والأدب والفكر والفنون· وكان واحداً من أكثر من عرفنا شغفا بالقراءة واستيعابا لما يقرأ وقدرة على التذكر· لقد أصبحت ذاكرته مخزنا يسحب من رصيده حتى نهاية حياته يسحب منه الأفكار والأخيلة والعبارات والأدلة، بل وحتى فقرات كاملة· وكثيرا ما كان يهمل ذكر مصدر معلوماته وربما كان ينسى المصدر سعيدا بهذا النسيان، وكان يخلط دون اهتمام أفكاره بالأفكار التي استقاها من مصادر أخرى· وفي خاتمة المطاف ضاق عقله بهذا المخزون الكبير من المعرفة المتباينة خاصة وأن عقله كان نزاعا للحرية نافراً من الانضباط· لقد كاد المخزن ينهار على المخزون·
وربما رغبة منه في تحرير ذاكرته أو رغبة منه في إطعام زوجته وجدناه يركز على فكرة طبع مجلة وبيعها، وكاد هو أن يكون كاتبها الوحيد، وأجبر معارفه والمستمعين لمحاضراته على الاشتراك في هذه المجلة ووزع عددا محدودا من هذه النشرة التمهيدية Prospectus حتى يعلم الجميع الحقيقة فقد تجعلنا الحقيقة أحرارا· وفي يوم الجمعة، الخامس من فبراير سنة 6971 تم نشر العدد الأول (بسعر أربعة بنسات) على أن تصدر كل ثمانية أيام بعنوان (المراقب Watchman) بقلم س· ت· كولردج Coleridge مؤلف نداءت إلى الشعب Addresses To the People(61)· وهنا - كما هوالحال في محاضراته - كان يتحدث كراديكالي أحرق خلفه كل الجسور، لقد راح يهاجم الحرب والعبودية (الرق) وتعويق حرية الصحافة والنشر، وكان يهاجم بشكل خاص الضرائب على المبيعات لوطأتها الثقيلة على عامة الشعب(71)· لكنه لم يوص بحق الانتخاب العام للبالغين من الذكور أو الإناث· يجب أن تكون لدينا الجرأة بالاعتراف بالحقيقة السياسية فقط لأولئك الذين هم قادرون على استخدام عقولهم والإقناع بما هو منطقي، ولا نعترف بها أو نقرها للغالبية الجاهلة المحتاجة التي تحركها بالضرورة عواطفها المهتاجة(81)· ووجد كولردج أنه من غير المحتمل أن يكتب اثنتين وثلاثين صفحة كل ثمانية أيام إذ راحت هذه الصفحات - بشكل متزايد - تمتلئ بكتابات غرباء لم يكونوا دائما معروفين· واحتج بعض القراء المتابعين للمجلة وقل التوزيع وارتفعت الديون وبعد العدد العاشر توقفت هذه المجلة (مجلة المراقب Watchman)·
وفي أول سبتمبر سنة 6971 وُلد لكولردج أول مولود· فأسماه ديفد هارتلي David Hartley على اسم رائد علم النفس الارتباطي (سيكلوجية الترابط أو التداعي)· لقد كان المولود صبوح الوجه باعثاً للمسرة، لكنه كان فماً جديدا يطالب بالطعام· وفي هذه الأثناء كان كولردج نفسه يعاني متاعب في القلب والرئتين، وراح يزيد من جرعات الأفيون لتسكين آلامه، وكادت موارده تنفد عندما قدم له صديق متساهل ودود هو توماس بول Poole منزلا صغيرا بالقرب من منزله (منزل بول) في نثر ستوي Nether Stowey بالقرب من بردجووتر Bridgewater - بإيجار رمزي مقداره سبعة جنيهات سنويا· وفي 13 ديسمبر سنة 6971 انتقل كولردج وسارة وابنهما (ديفد) إلى هذا المنزل· وجعلت سارة المنزل نظيفا مريحا، وعمل كولردج في حديقة مجاورة وساعد في رعاية خنازير بول Poole ودواجنه، وكتب شعرا جديراً بأن يخلد·
وفي نحو هذا الوقت - على وفق ذاكرته الثرية العامرة دائما - ظهرت له فكرة قبلاي خان Kubla Khan في حلم رائع وقد كتب غالبها مستوحيا هذا الحلم:
(في صيف سنة 7971 عكف المؤلف - وكان معتلا صحيا - في منزل ريفي منعزل بين بورلوك Porlock ولينتون Linton ··· ونتيجة توعك صحته وتناولة العقارات المسكنة (الأفيون) غلبه النوم وهو جالس على مقعده بينما كان يقرأ ··· في كتاب رحلة بورشاز Purchass Pilgrimage· وفي الحلم أمر قبلاي خان ببناء قصر بداخله حديقة، وتم تسوير هذه الأميال العشرة من الأرض الخصبة بسور· ولقد استمر المؤلف في نوم عميق نحو ثلاث ساعات - على الأقل كانت حواسه الخارجية هي النائمة - وخلال هذه الساعات كان واثقاً ثقة تامة أنه لا يستطيع أن يكتب أقل من مائتي سطر أو ثلاثمائة سطر دون أن ينتابه الإرهاق والتعب· وعندما استيقظ ظهر أنه يتذكر تفاصيل الحلم فأمسك بقلمه وأدنى منه الحبر والورق، وراح يكتب بشكل مستمر وبشغف السطور التي بقيت لنا)·
هذه المقدمة الشهيرة فسرها النقاد بأنها خرافة خدع بها كولردج نفسه أو آخرين لقبول فكرة الحَبَل بلا دنس immaculate Conception وديمومة قبلاي خان· وعلى أية حال فمن غير المعلوم أن المؤلف بعد صياغة جُمله خلال النهار، واصل عمله في أثناء الحلم أم لا، لكن تكاد هذه الدرّر دوما تغوص في اللاشعور وكأنها يقظة نائم Sleeper wakes وربما كان للأفيون أثره ليس في الحلم (الرؤيا) فقط وإنما في الإيهام بأن التأليف كان جزءا من الحلم· وعلى أية حال فإن كولردج بمهارته المميزة في السجع والجناس قد حول نثر بورشاز Purchas إلى واحد من أكثر النصوص - التي لم يكتمل إنجازها - تشويقاً في اللغة الإنجليزية·
وربما كان الحدث ( الأدبي) الأكثر أهمية من قوبلاي Kubla بالنسبة لكولردج في عام 7971 هو دعوة ودزورث له لزيارته في ريسدون Racedown، فاستأذن من زوجته ساره وابنه ديفد David وانطلق ليسير كل المسافة تقريبا· وتراءى له هدفه في 6 يونيو فجرى - وقد أخذت الإثارة منه مأخذها - إلى باب أخيه الشاعر· وعندما فتح له وليم ودوروثي الباب وفتحا له مع الباب قلبيهما، بدأت حقبة جديدة في حياة ثلاثتهم، وكان تعاونهم واحداً من أعظم ما حققه التعاون بين الأدباء إثماراً في تاريخ الأدب·



صفحة رقم : 14656