قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> الثلاثي

6- الثلاثي


7971 - 8971


كان كولردج آنئذ في ذروة تألقه· كان بدنه - رغم آلامه وسمومه غير الظاهرة - مستجيباً لاهتمامات عقله الحيوية· وكان وجهه الوسيم - بفمه الشهواني وأنفه دقيق التكوين وعينيه الرماديتين تتألقان شغفا وحب استطلاع، ورقبته وأذنيه، وشعره الأسود المهوّش المتدلي على رقبته وأذنيه - قد جعله جذابا خاصة في عيني دوروثي·
لم يطل الأمر أحبته بطريقتها الخجولة، وإن ظل إعجابها بوليم في المحل الأول· لقد أخذ كولردج برقتها وجذبته إليها بعاطفتها الهادئة· لقد كانت صديقة جارتْه في كل آثامه وتجاوزت عن كسله لتستمتع بمشاعره الدافئة وخيالاته العميقة الغريبة وإيمانه المهتز، وضاعت آلام الشاعر المبرحة بين الحيل والصراع· وعلى أية حال، فقد كاد يرى في هذه الفتاة شبحاً رعديدا سحقها أخوها (سيطر عليها تماما)·
وهنا تحقق كولردج أن هذا الرجل وردزورث بوجهه الهادئ الحزين وجبهته المرتفعة وعينيه المتأملتين شاعر حقيقي وحيوي حساس لكل خلجة ونبضة من خلجات الأشياء والأشخاص ونبضاتهم، وينأى بنفسه عن أي اضطراب اقتصادي جاعلاً من خلجات الطبيعة والناس ونبضهما وسيلة للبحث عن الكلمات المعبرة بعمق وعاطفة عن بصيرته وأحلامه· وكان كولردج - الذي كانت (أغاني البحار القديم) تعتمل بالفعل في نفسه - هو أعظم الشاعرين - لكنه أحسّ بتكريس هذا الشاعر (وردزورث) نفسه للشعر وحسده لتكريس نفسه تماما للشعر، وربما كان قد تعجب ما إذا كانت الأخت ليست أفضل من الزوجة· لقد كتب حالما وصل: لقد شعرت بضآلتي بجواره، ومع هذا لم أعتبر نفسي أقل مما كنت أظن نفسي سابقا إن وليم (وردزورث) رجل عظيم جدا· إنه الرجل الوحيد الذي أحسست أنني أقل منه في كل الأوقات وفي كل حالات تفوقي(91)·
وبدأ ثلاثتهم ثلاثة أسابيع يحث بعضهم بعضاً، لقد راح كل واحد منهم يقرأ قصائده على الآخرين· وكان وردزورث يقرأ أكثر، بينما كان كولردج يتحدث أكثر· كتبت دوروثي: إن مناقشاته وحواراته تتزاحم في الروح والنفس والعقل· وهو خيّر جدا حسن الطباع جذاب ·· وهو يتحدث بعينه التي تعبر عن كل عواطفه(02)·
وعادة ما يبرد الحب بين هذا الثلاثي بعد ثلاثة أسابيع فرجا كولردج كلاً من وليم ودوروثي أن يصحباه إلى نذر ستوى Nether Stowey ليكرمهما كما أكرماه، فانطلقا معه متوقعين أن يعودا سريعا إلى ريسدون Racedown لكن الصديق بول Poole علم أن الفترة التي يقضيانها مع كولردج ستنتهي ولا مجال لتمديدها فدبر لهما منزلا جميلا مؤثثا في ألفوكسدن مقابل 32 جنيهاً استرلينياً سنويا، وألوفكسدن هذه على بعد أربعة أميال من مقر كولردج، وهناك أقام وليم وردزورث ودوروثي في راحة، وراحا يستلهمان الشعر طوال خمسة عشر شهرا·
وفي هذه الفترة السعيدة راحوا يسيرون وهم ينشدون الشعر أو يتناقشون فيه : أحيانا كان الرجلان يسيران معا، وأحيانا كولردج ودوروثي، وأحيانا ثلاثتهم معا· لقد راحوا يتبادلون المشاعر والأفكار والملاحظات: وردزورث شجع كولردج على ترك الخيال كمرشد له، وزاد كولردج من معارف وردزوث عن الفلاسفة وتحداه ليكتب ملحمة شعرية· وفي أعوام لاحقة تذكر وردزورث في (المقدمة) صديقه الذي كان يجول معه (كولردج) ذاكرا أنه صديق الأرواح المرحة slash حيث كنا نخصص جانبا من أيامنا لأول مرة لننغمس معا في الشعر الجامح(12) وكانت دوروثي هي رباطهما محفزتهما (مشجعتهما)· لقد كانت تبهجهما بمديحها، وباستماعها باهتمام وشغف متحدية إياهما بحماسها وعمق إدراكها ونفاذ بصيرتها، موحدة إياهما كعروس روحية لكليهما· لقد كانوا - كما قال كولردج ثلاثة أشخاص في روح واحدة(22)·
ولابد أن وردزورث وكولردج قد طالعا اليوميات التي بدأت دوروثي كتابتها في أفوكسدن في 02 يناير سنة 7971· ولا بد أنهما توقفا عند سطر في الصفحة الثانية طنين الحشرات، تلك الضوضاء الصامتة (غير المزعجة) التي تملأ أجواء الصيف أما سارة كولردج فلا بد أنها كانت أكثر تأثرا بما ورد عن الفترة من 3 إلى 21 فبراير:
3 فبراير: سرت مع كولردج فوق التلال ···
4 فبراير: سرت مسافة طويلة في الطريق إلى ستوي Stowey مع كولردج ····
5 فبراير: سرت إلى ستوي مع كولردج ···
11 فبراير: سرت إلى قرب ستوي مع كولردج
21 فبراير: سرت وحدي إلى ستوي، وعدت مساء مع كولردج(32)·
ولم تكن ساره سعيدة بحكاية المشي هذه، لقد بدا الأمر لها برئياً غير مرتبط بعلاقة جنسية، لكن أين تنتهي هذه الحكاية؟



صفحة رقم : 14657