قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> وردزورث (الذروة)
12- وردزورث: الذروة
4081 - 4181
وبعد أن قام آل وردزورث بجولات قصيرة نقلوا مقر سكناهم (8081) من دوف كوتاج Dove Cottage إلى مسكن أوسع بالقرب من ألان بانك Allan Bank وهناك أبدع الشاعر كبستاني فزرع حول البيت نباتات ووروداً راحت تختال تحت أمطار جراسمير· وفي سنة 3181 انتقلت الأسرة أخيرا إلى عقار بسيط في جبل ريدال Rydal Mount في أمبلسيد Ambleside إلى الجنوب من جراسمير بميل· لقد أصبح آل وردزورث الآن في رغد من العيش ولديهم عدد من الخدم وصادقوا بعض ذوي المكانة· وفي هذا العام رتب اللورد لوندسديل Londsdale لتعيين وردزورث موزعا للطوابع في إقليم وستمورلاند Westmorland فاستمر يزاول هذا العمل حتى سنة 2481 وكان يدر عليه مائة جنيه إضافية في العام· أما وقد تخلص من متاعبه المالية فقد راح يقضي مزيدا من الوقت في بستانه فجعله فردوساً من الورود والنباتات المزهرة لاتزال موجودة·
ومن نافذته في الطابق الثاني كان يطل على مشهد ملهم - انه منظر بحيرة ريدال Rydal water التي تبعد مسافة ميلين·
وفي هذه الأثناء (5081) أكمل كتابه (المقدمة The Prelude) الذي كان قد بدأه سنة 8971· وقد كتبت دوروثي: إنه كان يجمعنا كل يوم في اجتماع كبير كله متعة وصفاء بعد أن يقوم بجولاته مشيا على الأقدام(88)· لقد كانت هي وسارة هتشنسون تنشغلان دوما بكتابة ما يُملى عليهما، وكان وردزورث قد تعلم التفكير من خلال الشعر المنثور· وكان يضع العناوين الجانبية لملحمته الشعرية التي تأنى في كتابتها تطور عقل شاعر The growth of Poetصs mind ، قد قصد بهذا العمل أن يكون سيرة ذاتية لتطوره العقلي والنفسي، وكمقدمة للنزهة The Excursion التي تعرض بالتفصيل الفلسفة التي تمخض عنها هذا التطور· وقد قدم لنا ما يفيد مودته لكولردج بأن راح مرارا يستعيد ذكرياته معه، وتوجيه الحديث إليه· لقد اعتذر للأنانية والحديث عن الذات كما تبدوان في القصيدة لمن تناولها بشكل سطحي، فقد اعترف أنه لم يسبق لأحد أن تحدث عن نفسه بهذه الكثرة(98) وربما لهذا السبب لم ينشر هذا العمل في أثناء حياته·
لكنها مقبولة ومحتملة تماما إن تناولناها في جرعات قليلة، وأكثر ما هو مبهج فيها هو مشاهد طفولته (كتاب 1 و 2) حيث ذكر جولاته في الغابات المنعزلة حيث بدا له أنه يسمع صوت الرب الكامن وراء كل شيء، الذي يأخذ صورا شتى، كلما جلس· لقد بدا له أنه يسمع هذا الصوت في أصوات الطيور والحيوانات وحفيف الأشجار بل ويسمعه حتى في الصخور نفسها وفي التلال:
- وحدي فوق ربوة ناتئة،
- مع تنفس الصبح
- ففي هذه اللحظات يكون - غالبا - هذا الهدوء القدسي،
- الذي يغمر روحي، فلا أعود أرى بعيني بدني
- إنني أنسى ذلك تماما، فما أراه
- يبدو لي وكأنه داخل نفسي، يبدو حلماً
- يبدو مشاهد موجودة داخل نفسي··
- لقد كنت في هذا الوقت
- أرى بركات تنتشر حولي وكأنها بحر···
- بركات قدسية لا توصف··
- لقد شعرت بعاطفة الموجود Being تنتشر،
- فوق كل ما يتحرك، وفوق كل مايبدو ساكنا،
- فوق كل ما لا يطوله فكر
- وفوق كل المعرفة البشرية، وفوق ما لا
- تراه عين البشر، بل إنني أحسست أنه يعيش حتى في القلب،
- فوق كل ما يثب وكل ما يجري، وكل ما يصيح وكل ما يغني
- أو يحرك الهواء العليل، فوق كل ما هو بين الأمواج، بل إنه موجود حتى في الأمواج نفسها،
- وفي أعماق البحار، وأعماق أعماقها،
- أحس بالبهجة القصوى، إن وصل الاتصال ذروته
- بين الأرض والسماء
- اتصال بين كل ما هو مخلوق، مع
- الخالق (غير المخلوق) ··
(قد نرى هنا تناقضا أو تراجعا، فالبيت الأخير يفترض وجود فاصل حقيقي بين الخلق والخالق، بينما نظرة وردزورث - كنظرة سبينوزا تريان الرب) والطبيعة شيئاً واحداً - النظرة القائلة (بوحدة الوجود)·
وفي كامبردج (3) كان أحيانا ينضم إلى حفلات السمر التي يرتبها الطلبة كما كان أحيانا يشاركهم عبثهم ، ومع هذا فقد كان منزعجا لفهمهم للحياة بشكل سطحي طائش ، فقد كان يجد متعة أكثر في دراسة الكلاسيات الإنجليزية (الأعمال الأدبية الكلاسية ) أو ركوب الزوارق (ا لنص boating on the Cam ) وفي أوقات العطلات (4) كان يعود إلى مأواه الأصلي فيتناول طعامه على مائدة أسرته ويأوي إلى فراشه المعتاد:
- هذا السرير المنخفض الذي كنت أسمع وأنا ثاو فيه عصف الريح ، وصوت المطر المنهمر بعنف
- وكنت في ليالي الصيف أظل يقظان رغم تمددي على السرير وكان هذا يحدث كثيرا ، لأراقب
- القمر في بهائه مضطجعا بين أوراق
- أشجار الدردار الباسقة القريبة من مسكننا ،
-ورحت أرقب هذه الأشجار بعينين لا تبغيان عنها حولا ، بينما تتحرك ذراها بين الحين والحين
- مع كل هبة من هبات النسيم ·
وفي كوكرموث Cockermouth كان يستطيع السير مع كلبه الهرم الذي كان يتركه يؤلف الأشعار وينشدها بصوت عال دون أن يتهمه بخلل أصاب عقله:
- آه ، أأنا في حاجة - يا صديقي العزيز
- أن أقول إن قلبي قد فاض؟ ، إنني لا
- أقدم نذورا ، إنما كانت النذور تقدم لي
- ذلك أنني لا بد كنت روحا مكرسة يُهدى إليها
لقد كان يعيش للشعر· كما كان يجد مسرة أيضا في تلك الرحلات الممتعة التي كان يقوم بها خلسة في القنال الإنجليزي (6) ليشعر بالسعادة المجنونة لفرنسا الثورة ، وبالفوران فوق الألب ( المفهوم طبعا أنه لا يصل إلى هذه الأماكن ) ومن ثم يعود إلى لندن تلك المدينة الضخمة التي تشبه كثيب الرمال الناتج عن تشييد النمل لمساكنها حيث برلمانها الذي يرتل تراتيل فضائل التقاليد مع احتقار شديد لنظرية (أفكار) محدثي النعمة (المقصود ثوار فرنسا) وراح يراقب الجموع المزدحمة في فوكسهول Vauxhall والذين يتعبدون في كنيسة القديس بول، وراح يرى أويسمع الجموع المتحركة تضم مختلف الأجناس والوجوه والأزياء واللغات، وفوضى المرور، وابتسامات المومسات ونداءات البائعين، ومناشدة النسوة، والفنانين يرسمون بالطباشير على أحجار الطريق (الرسم التقليدي - قرود على ظهور جمال) والمغنين في الطريق وكأنهم عشاق يعزفون السرينادات (أغان يرددها العشاق تحت شرفات المعشوقات) - كل هذا شعر به الشاعر شعورا قويا كشعوره بالغابات لكنه لم يرتبط بها وانسل (8) إلى المشاهد الأكثر هدوءا حيث الحب لكل الطبيعة يمكن أن يعلمه أن يفهم ويعفو·ثم يعود مرة أخرى لفرنسا (9) حيث برر الحكم الطاغي والبؤس القديم قيام الثورة وجعلها عادلة نبيلة بل إنه حتى البريتوني a Briton يمكنه أن ينخرط في هواها (تعتريه نشوة حب لها):
- الجمال بشير بالوعود،
- ليس في الأماكن الأثيرة وحدها وإنما في كل الأرض،
- فأي منا لايتطلع مفكراً في السعادة المرتقبة·
ومن هذه النشوة التي بلغت السؤدد انحدرت فرنسا إلى الجريمة وانحدر وردزورث إلى النثر:
- لكن الآن أصبح الثوار ظلمة
- حولوا الحرب من أداة للدفاع عن أنفسهم
- إلى أداة للغزو، ولم يعودوا يرون
- كل ما كانوا يناضلون من أجله···
وببطء وتردد أنهى الشاعر مقدمته his Prelude (41) داعيا صديقه للعودة من مالطة (المقصود كولردج) لينضم للجهود المبذولة للعودة من الحرب والثورة إلى حب الطبيعة والبشر· ولم يكن على وفاق مع قصيدته(09) فقد كان يعلم أنه توجد صحراوات شاسعات حول الواحات· ولم يكن وردزورث يرى إلا فروقا قليلة بين النثر والشعر· لقد اعترف بذلك، وكان غالبا أيضا ما يمزج بينهما في شعره غير المقفى، المتسم بفتور نبرته وتؤدة وقعه· لقد جعل العاطفة والأحاسيس تنبع من السكون وهدوء النبرة، وجعل من هذا جوهر الشعر وروحه (دعنا نقل الموسيقا الداخلية) لكن هذا السكون الشعري الذي يستمر على نحو متواصل طوال أربع عشرة مقطوعة قد يحيلها إلى هوادة أو هدهدة تبعث على النوم· وبشكل عام فإن طبيعة الملحمة أنها تتناول حدثا عظيما أو نبيلا، أما الأفكار فهي شخصية جدا حتى إنه لا يصلح تناولها في ملحمة· ومع هذا فإن (المقدمة The Prelude) تركت القارئ المصمم على مواصلة قراءتها وقد شعر بقبول سليم للحقيقة الباقية· وفي بعض الأحيان كان وردزورث - كأغاني الطفولة - يطهرنا بنقاء الغابات والحقول ويجعلنا - كالتلال الراسخات - نتحمل العواصف صامتين صابرين·
وكان وردزورث قبل المغادرة قاصدا ألمانيا في سنة 8971 قد بدأ (الناسك The Recluse) وهو عمل بث فيه فكرة أن الانسان الذي يعرف الحياة حق المعرفة هو الذي عايشها ومن ثم انسحب منها، وقد حثه كولردج على تطوير هذه الفكره في صياغة كاملة ونهائية لفلسفته· وبتحديد أكثر اقترح عليه كولردج قائلا أريدك أن تكتب قصيدة بالشعر الحر (غير المقفى) موجهــة إلى هؤلاء الذين فقــدوا كل أمــل في تحســن أحــوال البشرية وانغمسوا فيما يكــاد يكون أنانيــة لا تبحث إلا عن اللــذة أو بتعبيــر آخــر الأنانيــة الأبيقورية - وذلك نتيجة الفشل الكامل للثورة الفرنسية(19) لقد اتفقا على أن ذروة الأدب هو الزواج السعيد بين الفلسفــة والشــعر· وعندمــا عاود وردزورث التفكيــر شــعر أنه غير مســتعد لمواجهــة هذا التحدي· وكان قد أحدث تطويرا مهما في (المقدمة The Prelude) ليجعل منها تاريخا لتطــوره العقلــي (النفســي) فكيــف يستطيع كتابــة شرح أفكاره أو عرضها قبل إنجاز هذا العمل (الناسك)؟ لقد نحى (الناسك The Recluse) جانبا وتابع كتابة (المقدمة The Prelude) إلى نهايتها· وبعد ذلك وجد نفسه واهن العزم قليل الثقة، وكان خروج كولردج من حياته قد حرمه من الإلهام الحي الذي كان يحفزه على العمل في وقت من الأوقات· وفي ظل هذه الأحوال المثبطة كتب (الرحلة The Excursion) لقد بدأها بداية جيدة بوصفه لأطلال المسكن حيث كان يعيش الجوال (الرحالة) ويبدو أنه أخذ هذا الوصف من عمله الذي تخلى عنه ولم يكمله ونعني به الناسك Recluse وهذه الصورة التي رسمها وردزورث تقود الرحالة إلى العزلة والتنسك Solitary فهو يحكي لنا كيف فقد إيمانه الديني وأصبح متخماً بالحضارة فعاد إلى سلام الجبال· وقدم لنا الجوال الدين على أنه العلاج الوحيد لليأس، والمعرفة شيء طيب لكنها تزيد من قوتنا أكثر من زيادتها لسعادتنا، ثم ينقاد للقس (راعي الأبرشية) الذي يقدم الإيمان البسيط والترابط الأسري عند رعاياه الفلاحين باعتبارهما أكثر حكمة من محاولة الفيلسوف صياغة حكمة العصور في روابط فكرية· لقد كره الجوال حياة المدن المصطنعة وشرور الثورة الصناعية ودعا إلى تعليم عالمي وتنبأ بآثاره الغظيمة· وعلى أية حال فإن القس (راعي الأبرشية) كانت لديه الكلمة الأخيرة فراح ينشد أنشودة التسبيح للرب· وقد نُشرت (الرحلة) وهي في جانب منها (الناسك Recluse) في سنة 4181 وبيعت النسخة بجنيهين (ومن المفترض أن المقدمة Prelude لم تكن قد طبعت حتى سنة 0581) وطلب وردزورث من جيرانه - كلاركسون Clarksons - مساعدته في بيع نسخ مطبوعة بين أصدقائهم من طائفة الكويكر Quaker الذين كانوا أثرياء وشغوفين بالكتب التنويرية والثقافية وقدم نسخة للروائي شالز لويد Charles Lloyd على ألا يعيرها لأي قادر على شراء نسخة ورفض أن يعير نسخة لأرملة ثرية اعتبرت أن سعر النسخة مرتفع بالنسبة إلى جزء من عمل(29) وبعد ثمانية أشهر من النشر لم يكن قد باع إلا ثلاثمائة نسخة ·
أما المتابعون للعمل فقد تبانيت آراؤهم فاللورد جفري Jeffrey أدان في نوفمبر سنة 4181 (في مطبوع مستخلصات أدنبره Edinburgh Review) القصيدة بمقدمة تعتبرها نذير سوء إن هذا لن يحدث أبداً أما هازلت Hazlitt فبعد أن امتدح الفقرات البهيجة المتعلقة بوصف الطبيعة، والأفكار الموحية ذكر أن القصيدة طويلة ومتكلفة وكرر النتائج نفسها حتى أصبحت سطحية وتافهة(39) أما كولردج الذي دعا إلى تأليف عمل كبير خالد، فقد رأى في (الرحلة Excursion) إسهابا وإطنابا وتكرارا وإعادة(49) لكن كولردج راح بعد ذلك في (Table Talk) يمتدح الكتابين (الجزئين) الأول والثاني باعتبارهما من أجمل القصائد في اللغة الإنجليزية(59)· أما شيلي Shelley فقد كره (الرحلة) لأنها تبين استسلام وردزورث للفكر الحلولي (كوْن الرب والطبيعة شيئا واحدا)، لكن كيتس Keats اعتبر وردزورث بسبب هذه القصيدة أعلى مرتبة من بايرون Byron(69)، وبمرور الوقت ترسخ رأي كيتس·