قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> كولردج فيلسوفاً

11- كولردج فيلسوفا


ربما نكون قد بالغنا في انهيار كولردج، فلا بد أن نلاحظ أنه بين عامي 8081 - 5181 ألقى محاضرات في بريستول وفي المعهد الملكي في لندن - ظهر فيها أنه يعاني تشوشاً في الفكر والتعبير لكنه أثر في مستمعين مثل شارلز لامب Lamb ولورد بايرون وصمويل (صموئيل) روجرز، وتوماس مور ولاي هنت Leigh Hunt، وكأنما دفعهتم وغيرهم من الكتّاب للتضامن مع زميلهم الذي أصابه ما أصابه· وقد وصف هنري كراب Crabb الذي يعتبر واحدا من أصدقائه البارزين إنجليزاً وألماناً، المحاضرة الثالثة التي ألقاها في لندن بأنها محاضرة ممتازة وألمانية جدا وذكر أنه بالنسبة إلى لمحاضرة الرابعة فقد كانت ذات صبغة ألمانية جدا وكانت طريقة التناول فيها تتسم بالتجريد الشديد بما لا يطيقه المستمعون الذين كان عددهم قليلا(86)· لقد كان تجميع كولردج للحقائق والأفكار والفروض المسبقة تجميعا مزدحما وهائلا حتى إنه لم يستطع السيطرة على موضوعه· لقد كان يطوف بعناصر موضوعه بجموح لكنه كان مُلهما· لقد لخّص شارلز لامب، كولردج في عبارة مشهورة إنه كملاك - بفتح الميم واللام - من الطبقة العليا، لحقه بعض الدمار(96) وانتهى إلى أنه يكفينا أن نكون في نطاق رياح عبقريته ونسماتها حتى لا نمتلك مشاعرنا أو بتعبير آخر حتى لاتصبح أرواحنا مستقرة(07)·
وفي الفترة من 5181 إلى 7181 عندما كان كولردج مرة أخرى على وشك الانهيار دفع بخلاصة فكره إلى المطبعة· ففي كتابه نظرية الحياة Theory of Life (5181) أظهر لنا معلومات مثيرة في العلم - خاصة الكيمياء التي تعلمها عن طريق صداقته لهمفري ديفي Humphry Davy لكنه رفض كل المحاولات ليشرح العقل mind من خلال مصطلحات فيزيو كيميائية· لقد سمى فكرة إرازموس داروين السخيفة(17)·· بأنها فكرة رجل انطلق من حالة انبثاق برتقالية orang - outagestate وفي مطبوع Statesmans manual (6181) قدم الكتاب المقدس باعتباره أفضل مرشد للفكر السياسي، والتبصر بالعواقب· نجده يقول:
يجد المؤرخ أن الأحداث الكبرى - وحتى التغيرات الأكثر أهمية في العلاقات التجارية العالمية ·· أنا لانجد جذورها لدى مجموعة رجال الدولة ولا في الرؤي العملية لرجال الأعمال وإنما نجد جذورها لدى المنظرين الذين لاتتسم كتاباتهم بالتشويق، وفي رؤى العباقرة المنعزلين (المتفردين)··· كل الثورات الدينية التي أعادت صياغة فترات زمنية في العالم المسيحي، والثورات الدينية التي أعادت معها صياغة العادات المدنية والاجتماعية والمحلية تزامنت مع قيام نظم (نظريات) ميتافيز يقية أوسقوطها(27)·
(ربما كان يفكر في نتائج الفكر الذي أتى به يسوع، وكوبر نيكس وجوتنبرج ونيوتن وفولتير وروسو وبعد موجز واضح للعوامل التي أدت إلى الثورة الفرنسية انتهى كولردج إلى أن صوت الشعب ليس هو صوت الله لأن الناس (الشعب) يفكرون في مجردات عاطفية أو مطلقات عاطفية ولا يمكن الوثوق بهم عند تولي السلطة(37)، وأن أفضل طريق للإصلاح لايكون إلا من خلال وعي الأقلية المتعلمة ذوات الممتلكات(47)، وأفعالها· وبشكل عام فإن أفضل مرشد للعمل الصحيح في السياسة وفي كل مجال هو الكتاب المقدس Bible لأنه يحتوي على كل الحقائق المهمة في التاريخ والفلسفة فأنتم يا من تتحركون في الطبقات العليا من المجتمع يجب أن تعلموا أيضا التاريخ والفلسفة واللاهوت، فأنتم أهل لها وليس أفراد الطبقات العاملة فتعلمهم التاريخ والفلسفة واللاهوت غير مطلوب إلى حد كبير بل وربما كان غير مرغوب فيه عموما· إن ترياق زيف رجال الدولة هو التاريخ ذلك أن جمع الحاضر مع الماضي في سياق واحد، وتأصيل عادة مقارنة أحداث عصرنا - بعمق - بأحداث عصور خلت مسألة مطلوبة(57) ويواصل في كتابه (Alay Sermon) الصادر في سنة 7181 دعواه للطبقات العليا والوسطى باعتبارها أفضل أداة للإصلاح الصحيح وباعتبار أفرادها حراسا ضد الغوغائية والسفسطائية وضد المدرسة الثورية المضرمة للنيران(67) لكن الكتاب يعترف ببعض الشرور الجارية (الموجودة في زمنه): تضخم الدين الوطني بشكل غير محسوب، فقر الفلاحين فقرا شديدا، وعمل الأطفال في المصانع، ولاحظ كولردج الحماقات والوقاحات والتبذير والتطرف الذي أعقب الرخاء الذي حل بنا والذي لم يسبق لنا أن شهدناه، كما لاحظ الممارسات العمياء والولع الأعمى بالمضاربات على مستوى التجارة العالمية بما في ذلك من مخاطر غير واضحة ومفاسد لقد تفجَّع بسبب احتمال تعرض الاقتصاد الجديد لهزات دورية تؤدي إلى انهيار عام ومعاناة يشرب الجميع كأسها(77)·
وأوصى ببعض الإصلاحات الأساسية ضرورة خضوع أصحاب المصانع للقوانين العامة(87) خاصة فيما يتعلق بتشغيل الأطفال، ولابد أن تعترف الدولة أن أهدافها الإيجابية، هي: 1- أن تجعل مصادر الرزق ووسائل الإعاشة أكثر يسرا لكل فرد· 2- أن تؤمن لكل المواطنين آمالهم في تحسين أحوالهم وأحوال أبنائهم· 3- تطوير القيم الضرورية لإنسانية المواطن - كمخلوق عاقل(97) ودعا إلى إنشاء منظمات (نقابات) تضم رؤساء كل العاملين في كل الحرف لدراسة المشاكل الاجتماعية من منظور فلسفي ولتقديم توصيات للجماعة، ولابد أن تمول الدولة هذه الطوائف الوطنية national churchs(08)·
وأنهى كولردج كتابه (عظات غير دينية Lay Sermon) بأن رضخ للاهوتيين معترفاً بأنه ليست هناك عظة أو حكمة علمانية خالصة أو بتعبير آخر ليست هناك حكمة خالية من البعد الديني يمكنها أن تحل مشاكل البشرية(18) فلا يستطيع إلا الدين الغيبي (الفوق طبيعي) والنظام الأخلاقي الذي قدمه الله للبشر أن يواجه الشر الموروث في نفوس البشر، فالشر من شيم النفوس لدرجة أن الذكاء البشري وحده لايعتبر كافيا لجعل الإرادة البشرية مبرأة من العيوب(28)· لقد دعا إلى العودة بتواضع إلى الدين وإلى الاعتقاد الكامل في يسوع كرب مات لتخليص البشرية(38) وفي 5181slash6181 ألف (أو أملى) فقرات عن حياتي الأدبية وآرائي Sktches of my Literary Life &opinions لتكون أساساً لكتابة سيرته الذاتية· ولم يكمل هذا المجلد (سيرته الذاتية) ونشر (فقرات عن حياتي الأدبية وآرائي) في سنة 7181 بعنوان (ترجمة أدبية Biographia Literaria) التي تعد الآن أكثر مصادرنا أهمية عن فكر كولردج في مجالي الأدب والفلسفة· إنه كتاب متماسك وواضح بشكل ملحوظ رغم أنه كتب غالبه خلال فترة قنوط وجزع بسبب إدمانه الأفيون وتراكم ديونه، وعدم قدرته على تقديم المال اللازم لتعليم أبنائه· لقد بدأ بالتبرؤ من علم النفس الترابطي associationis Psychology الذي كان مفتوناً به في وقت من الأوقات· لقد رفض فكرة أن الفكر كله ما هو إلا نتيجة آلية (أوتومايتكية) للحواس (للإحساس)، فالإحساس - كما أصبح يعتقد - يعطينا مجرد مواد خامة تقوم النفس - التذكر، والمقارنة، والفردية المستمرة - بإعادة تكييفها لتصبح خيالا خلاقا وفكرا موجها ذا هدف، وفعلا واعيا· فكل تجاربنا - واعية أوغير واعية - مسجلة في الذاكرة التي هي مخزن يستقي منه العقل - بوعي أوبغير وعي - المادة اللازمة لتفسير التجربة (الخبرة) الحالية، ولتنوير الخيارات الحالية (أي التي تعين الفرد على الاختيار من بين متعددات كثيرة) وهنا - بطبيعة الحال - نجد كولردج يتبع خطى كانط Kant· إن الشهور العشرة التي قضاها في ألمانيا لم تحوله فقط من شاعر إلى فيلسوف وإنما من جبري determinist كإسبينوزا Spinoza إلى نصير لحرية الإرادة مثل كانط free - will Kantian وهنا اعترف اعترافا كاملا بدينه (المقصود اعترف لمن هو مدين له بفكره الجديد) كتابات الحكيم المشهور حكيم كونيجسبرج Konigsberg أكثر من أي كتابات أخرى، تلك الكتابات التي كانت في وقت من الأوقات قد أنعشت تفكيري ونظمته(48) ومن أفكار كانط Kant تقدم كولردج إلى فكرة فيشته Fichte عن النفس وإعلاء مقامها باعتبارها الحقيقة الوحيدة المعروفة بشكل مباشر، ومن ثم جاس خلال أفكار هيجل (الديالكتيك الهيجلي) بين الفكرة ونقيضها، والوحدة بين الطبيعة والنفس، إلى أفكار شلنج Schelling عن خضوع الطبيعة للنفس أوتبعيتها لها، باعتبارهما - أي الطبيعة والنفس - وجهان لحقيقة واحدة إلا أن الطبيعة - على أية حال - تعمل بلا وعي، بينما يعمـل العقـل بشـكل واع ويصـل إلـى أسـمى درجات التعبير من خلال الخلق العبقري الواعي· لقد اقتبس كولردج بانطلاق كامل من شلنج Schelling إلا أنه غالباً ما كان يهمل ذكر مصادره(85)· لكنه اعترف بشكل عام بمن هو مدين لهم بأفكاره وأضاف قائلا : بالنسبة إلي يكفيني سعادة وشرفا إن نجحت في نقل فكر شلنج بشكل واضح إلى أهل بلدي(68)·
والأحد عشر فصلا الأخيرة من كتابه الآنف ذكره (ترجمه أدبية ·· Biographia) تقدم مناقشة فلسفية للأدب باعتباره إفرازا للخيال، وقد ميز بين الوهم fancy والخيال، فالوهم فانتازيا (أو خيال جامح) كما في حالة حورية الماء (المخلوق البحري الذي له جسد امرأة ورأس سمكة) بينما الخيال (كتب كولردج الكلمة بحروف كبيرة slash كابيتال هكذا IMaGINaTion) فهو توحيد واع بين أجزاء لتشكل كلا جديدا كما في حالة حبكة الرواية، وتصنيف كتاب، وخلق عمل فني أو صياغة نتائج العلوم في نسق (نظام) فلسفي· هذا التصور (أو الإدراك) يصبح أداة لفهم - ونقد - أي قصيدة أو كتاب أو رسم أوسيمفونية أو تمثال أو عمارة؛ إلى أي مدى استطاع الشاعر أو الفنان أن يجعل مكونات عمله متناسقة أو بعبارة أخرى إلى أي مدى استطاع أن يصل بين الأجزاء بالأجزاء الأخرى المرتبطة بها أو ذات الصلة بها، لتحقيق معنى العمل ككل ولتجعله متماسكاً في كل واحد؟ إلى أي مدى نجح المنشئ في هذا وإلى أي مدى فشل؟ وفي هذه الصفحات قدم لنا كولردج الأساس الفلسفي للحركة الرومانسية في الأدب والفن·
وقد أنهى كتابه الآنف ذكره بنقد حاد لفلسفة وردزورث، وطريقته الشعرية· هل حقيقة أن أسمى فلسفة في الحياة يمكن أن يجدها المرء في طرائق التفكير عند أبسط الناس؟ أحقا أن لغة هؤلاء البسطاء هي أفضل وسيلة شعرية؟ أليس هناك فارق جوهري بين الشعر والنثر؟ في كل هذه النقاط وجه كولردج نقده لوردزورث بشكل دمث لكنه حاد ومؤثر· وانتهى أخيرا بما يفيد ولاءه وتقديره لحكيم جراسمير كأعظم شاعرمنذ ميلتون(78) Milton·



صفحة رقم : 14662