قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> حب وعمل وأفيون
10- حب وعمل وأفيون
0081 - 0181
في أبريل سنة 0081 أتى كولردج إلى جراسمير بعد أن أكمل مهمته في جريدة مورننج بوست Morning Post ليقضي ثلاثة أسابيع مع آل وردزورث، فأخبرته دوروثي أنها وجدت مأوى جميلا له ولأسرته في منزل كبيريقال له جريتا هول Greta hall على بعد نحو ثلاثة أميال خارج كزويك Keswick وذهب كولردج ورأى البيت في عز الصيف ووجد في إحدى الغرف مكتبة تضم خمسمائة مجلد، كثير منها غلال ملائمة لطاحونته (المقصود ملائمة لمزاجه الفكري) فوقع عقد الإيجاربحماس · وفي أغسطس سنة1800 اصطحب زوجته سارة وابنه هارتلى من نذر ستوي Nether Stowey إلى منزلهم الجديد ، حيث وضعت ساره طفلا آخر أسموه درونت Derwent على اسم بحيرة ومجرى مائي قريب · وسرعان ما حل الشتاء فنبه الأسرة إلى خطئها فقد فاقم البرد والمطر من استعداد كولردج لمرض الربو والحمى الروماتيزمية ، كما أن ابتعاد الزوجة عن أقاربها عمَّق اكتئابها لأن زوجها كان غالبا ما يتركها وحيدة مرتحلاً ببدنه وفكره·
فكثيرا ما كان يتركها ليسير على قدميه ستة عشر ميلا إلى كزويك وجراسمير ليسعد بمناقشات وردزورث المثيرة، ورعاية دوروثي الودودة· ولم يكن وردزورث ودورثي ليسيرا في اتجاه الشمال كثيرا ليبهجا أيام كولردج· وفي نوفمبر سنة 0081 أقبلت سارة هتشنسون من جالوهل Gallow Hill لتمكث عدة شهور مع ماري ووليم ودوروثي في دوف كوتاج Dove Cottage وهناك تابع كولردج ملاحقته لها، وببساطة قاسية غير مقصودة اعترف لزوجته بحبه لسارة الثانية وطلب منها أن تأذن له بحبهما معا· ويوما فيوم ابتعدت عنه نفسيا منشغلة باهتماماتها كأم، وانكفأ هو على كتبه وتأملاته·
وحاول أن يكمل قصته الشعرية (كريستابل Christabel) التي كان قد بدأها في سنة 7971 لكنه لم يجد في نفسه حماسا أو إلهاما فتركها ولما تكتمل· وقد امتدح سكوت Scott وبايرون Byron هذه القصيدة في شكلها المخطوط رغم أنهما أخذا عليها بعض الهنات في الموضوع والوزن والحالة النفسية، وأخيرا (6181) طبعها الناشر مري Murray بتشجيع وحث من بايرون إنها بقايا لم تكتمل لأثر راح ما به من جمال يذوي·
وبعد عام في جريتا هول Greta Hall كانت صحة كولردج وميزاينته تنفد شيئا فشيئا وأحس أنه لن يستطيع الحياة شتاء آخر في منطقة البحيرات· وسعد لتلقيه دعوة للانضمام إلى هيئة تحرير المورننج بوست Morning Post وفي أكتوبر سنة 1081 ذهب إلى جراسمير Grasmere للوداع وفي التاسع من الشهر نفسه سارت معه دوروثي وماري إلى جريتا هول Greta Hall، وفي العاشر من الشهر نفسه غادر إلى لندن، أما دوروثي وماري فقد عادتا إلى جراسمير· وكتبت دوروثي في يومياتها لقد قضى كولردج يوما ممتعا ···
إن كل مشهد وكل صوت يذكرني به كرفيق عزيز عزيز·· لقد كنت مكتئبة ولا أستطيع الحديث لكنني أخيرا هوّنت على نفسي بالبكاء - قال وليم: يا له من انتحاب عصبي· ولم يكن الأمر كذلك، آه يالكثرة الأسباب التي تجعلني قلقة عليه!(35)·
وصل كرلردج إلى لندن وانشغل بالكتابة بجدية كاملة في كتاب (الزعماء) الذي كان يتمشى مع سياسة الجريدة (مورننج بوست) الأداة الرئيسية لحزب الأحرار (الهويج) - المعارض للوزارة، وإن كان مؤيداً للملكية (بكسر الميم)· لقد أدان الرق والتنظيم الإداري القابل للرشوة rotten boroughs (الذي كان يرسل بانتظام التورى - المحافظين - إلى البرلمان) وأدان الحكومة لرفضها السلام الذي عرضه نابليون (0081) وكاد يحطم بت Pitt بتحليلاته التي لا ترحم له كرجل دولة· وعلى أية حال فقد دافع عن الملكية (بكسر الميم) الشخصية كأساس ضروري لمجتمع متقدم ومنظم وساق الأدلة على أن الحكومة هي أفضل من يجعل سلطان كل فرد متناسبا مع ممتلكاته(45) لقد كانت كتاباته قوية ومؤثرة فزاد توزيع الجريدة كثيرا أثناء كتابته فيها(55)· لكن عاما من العمل الشاق أسهم في تدمير صحته· وعندما عاد إلى جريتا هول (2081) كان منهاراً صحيا ومعنويا - آلام بدنية، وانصراف عن الزوجة، وبُعد عن الحب وأصبح عبدا للأفيون· وكان قد بدأ في تناول الأفيون في سنة 1971، وهو في التاسعة عشر من عمره(65) لتهدئة أعصابه وتخفيف آلامه وجلب النوم ووقف ما حاق به من تدهور في القلب والرئتين· وعندما وافاه النوم المتقطع أخيرا اجتاحتة في أثنائه الأحلام المروعة (الكوابيس) التي أشار إليها في آلام النوم (3081)·
حشد شيطاني شرير،
خليط غريب من الرغبة والقرف،
أشياء كريهة وحشية يختلط بعضها ببعضها الآخر،
عواطف جامحة وهدير مثير،
وخجل، ورعب شامل(75)·
ويخبرنا في مذكراته عن بشر خياليين على سطح القمر إنهم مثل البشر على الأرض في كل شيء إلا أنهم يأكلون بمؤخراتهم (ألياتهم - جمع ألية) ويتبرزون (يتغوطون) في أفواههم ·· ولا يمارسون التقبيل كثيراً(85)· لقد كانت تعتريه الأحلام المزعجة (الكوابيس) مثل غالبنا، لكن أحلامه المزعجة هذه كانت حية جدا تكاد تكون حقيقية حتى إنه كان - في بعض الأحيان - يوقظ ساكني المنزل بصراخه(95)·
وربما فتحت له آلامه وما يتناوله من عقاقير آفاقا جديدة وأتاحت له صورا ذهنية ومدركات حسية وخيالات غير متاحة للعقل العادي، رغم أنها - أي هذه الأمراض وتلك العقاقير - كانت تشوش على أفكاره وتضعف إرادته· على أية حال فقد كان محصوله المعرفي لايبارى في جيله، فهو في هذا يفوق وردزورث بمراحل، فلم يكن وردزورث يستطيع أن يتحدث في غير قصائده، بينما كان الحوار مع كولردج - حتى في فترة تدهوره - يشمل موضوعات كثيرة ويتسم بالحيوية كونه شائقا حتى إنه ترك بصماته على كارليل Carlyle، وربما كان قادرا حتى على إلزام مدام دي ستيل Stael الصمت· وماجعله مبهورا بوردزورث هو أن هذا الأخير كان شديد التركيز لتحقيق هدفه، بالإضافة إلى قوة إرادته أما هو (كولردج) فكان - شيئا فشيئا - يحل الإرادة محل الرغبة، ويزيح الخيال ليحل محله الحقيقة· لقد كان تواضعه شديدا بشكل غريب لكنه كان واعيا بذاته بشكل مكثف مدركاً أنه يكاد يكون مهتما بكل الموضوعات (وهو في هذا مثل وردزورث ومثلنا) وكان في طويته معتزا بنفسه بشكل عدواني (يفوق الحد) وقد لفت الانتباه بأمانته والتزامه الخلقي الصارم ولامبالاته بالشهرة والمال، لكنه كان يتطلع إلى المكانة(06)· وانتحل عبارات الآخرين وأفكارهم بسعادة، واقترض المال وترك أصدقاءه ينفقون على زوجته وأولاده وربما أضعف الأفيون من قدرته على ممارسة الجنس·
وفي أبريل سنة 4081 راح يبحث عن تقليص آلامه التي ضاعفها الربو والحمى الروماتيزمية بالتوجه إلى شمس البحر المتوسط وهوائه فقبل مائة جنيه قرضا من وردزورث(16) وأبحر إلى مالطة التي كانت في ذلك الوقت معقلا للقوة البريطانية وإن كانت موضح نزاع· وأخذ معه أوقية (أونصة) من الأفيون الخام وخمس أوقيات (أونصات) من اللودانيوم (مستحضر أفيوني يسمى أحيانا صبغ الأفيون) وقد كتب عن الرحلة في مذكراته (يوم 31 مايو) دعاء يائس:
يا ربي العزيز! أعطني القوة أن أقوم بتجربة واحدة عميقة - إذا رسوت في جريرة مالطة، فلا يكون الجو متعباً طوال شهر واحد، وأن تكون الطبيعة هادئة ·· إنني عاشق رقيق القلب ولا أستطيع ممارسة الخطيئة دون إفلات من العاقبة، لكن آه إنني واهن جدا جدا منذ أيام طفولتي وحتى الآن، فلترحمني فلترحمني أيها الأب والرب(26)·
وفي نحو عام بدا وكأنه استعاد سيطرته على نفسه وفي يوليو تم تعيينه سكرتيرا خاصا لحاكم مالطة - السير إسكندر بول Ball، وفي يناير 5081 رقي إلى منصب السكرتير العام وهو منصب صلاحياته أكثر· لقد مارس عمله بجدية وأظهر براعة مدهشة في الحكم والتنفيذ· وبعد عام من الخدمة اعتراه إرهاق شديد، حتى إنه أسرف في تناول المخدرات، وغادر مالطة إلى صقلية وإيطاليا وعاد إلى إنجلترا (6081) وفي هذا الوقت أصبح أكثر اعتمادا على الأفيون، وكان يقاوم تأثيره المنوم بتناول البراندي·
وفي 62 أكتوبر 6081 قابل وردزورث في فندق في كندال Kendal، وكتبت دوروثي تحت هذا التاريخ لم أشعر أبدا قبل ذلك بصدمة مثل صدمتي عندما وقع عليه نظري، فمن النظرة الأولى وجدته سمينا جدا حتى إن عينيه بدتا غائرتين في وجهه المنتفخ والتألق الوحيد الذي بدا في عينيه للحظة كان تعبيرا مقدساً عن هدوء محياه(36) وذهب إلى كزويك Keswick ليطلب من زوجته الانفصال لكنها رفضت فتركها وأخذ معه ابنه درونت Drewent البالغ من العمر ست سنوات، وحول لزوجته الراتب السنوي الذي كان يتلقاه من ودجود(46) Wedgood لكن جوزياه ودجود سحب مساهمته في هذا الراتب السنوي في سنة 3181· وأخذت سوثي Southey التي استقرت في جريتا هول Greta Hall منذ سنة 3081 - على عاتقها رعاية أمرأة أخيه· وتغلب كولردج على أزمته بفضل هدية أرسلها له رفيقه في الإدمان دي كوينسي De Quincey، وقد أرسلها له دون أن ىحدد أنه هو مرسلها (أرسلها مجهولة المصدر) وبفضل المحاضرات التي ألقاها في المعهد الملكي Royal Institution في سنة 8081 و9081 و0181·
وفي هذا العام انتهت الصداقة الكبيرة التي كان أساسها تبادل الخبرات الشعرية· لقد توقفت عندما جف ينبوع الشعر عند كولردج بعد سنة 0081 بسبب وهن جسمه وتأثير الأفيون المنوم والنفور الزوجي وافتتانه بالفلسفة· وكان وردزورث قد شجع كولردج على ترك ربات الشعر، واقترح عليه كتابة النثر لأنه أقرب إلى عبقريته· وقد انزعج كولردج عندما علم أن آل وردزورث الثلاثة قد حذروا سارة هتشنسون من الاقتران به وبلغ الخلاف أشده عندما كتب وردزورث خطابا في 13 مايو 9081 يحذر فيه بول Poole من الارتباط كثيرا بالعمل في مجلة كولردج الجديدة (9081 - 01819) والتي تحمل عنوان الصديق The friend باعتباره - أي بول - أحد أعز أصدقاء كولردج وأقربهم إليه· كتب وردزورث: إن ما أقوله لك هو رأيي الذي لم أقدمه لك إلا بعد ترو وتفكير، وهو رأي قائم على أدلة وبراهين تعمقت طوال سنوات · وإن كولردج لايقدر ولا يستطيع ولايريد تنفيذ أي شيء مفيد لنفسه أو لأسرته أو للبشرية· فلا مواهبه ولا عبقريته ولا معلوماته الواسعة ستفيده في أي شيء، لقد خابت جميعا بسبب ما اعترى تفكيره من تشويش· والحقيقة أنه لم يعد لديه طاقة عقلية من أي نوع ولا هو قادر على تنفيذ أي عمل يحتمه الواجب أو الالتزام المعنوي(56) لقد كان هذا الرأي قاسيا متطرفا لكن وردزورث كان قد ذكر لكولردج الكثير في خطاب أرسله له منذ أسابيع قليلة سابقة(66)· وتفاقم الأمر سوءا عندما أخبر بازل مونتاجو Basil Montagu كولردج أن وردزورث نصحه بألا يدعه (أي يدع كولردج) يقيم معه بسبب إدمانه الشديد الذي جعله مزعجا لايطاق عندما كان يقيم في جراسمير(76) إلا أن وردزورث بعد ذلك أكد لكولردج أن مونتاجو أساء فهم كلماته، وتظاهر كولردج أنه اقتنع ولكن الخيوط بينهما كانت قد تقطعت واستحال وصلها وماتت الصداقة التاريخية·