قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> قصيدة رومانسية في جريسمير

9- قصيدة رومانسية في جريسمير


0081 - 3081


احتفظت لنا دوروثي في يومياتها في جريسمير في الفترة من 41 مايو 0081 إلى 61 يناير 3081 بتفاصيل شغلت 051 صفحة تمكننا من معرفة الحياة اليومية للأخ والأخت - والتي أصبحت باختصار فيما بعد حياة أخ وأخت وزوجة في آن واحد· ولم يكن مناخ جراسمير صحيا: فالمطر والثلج يكادان يسقطان يوميا· وبرد الشتاء بما يصاحبه من ثلوج قد يعاود الظهور في يونيو أو يوليو(63)· لقد كانت الأيام المشمسة تمثل - لندرتها - بهجة غامرة، وكان ظهور القمر بين الحين والحين إلهاما وتجليا· وكان المنزل يدفأ بإشعال الفحم في المستوقد ولكن دوروثي ذكرت أنني لم اكن أستطيع النوم بسبب شدة البرد وقسوته
لقد اعتبرا مسألة المناخ هذه مسألة مفروضة وتصرفا إزاءها على نحو رُواقي، وكانا ممتنين للربيع وهوادة الأمطار لقد كانت السماء تمطر باعتدال وبشكل لطيف· هذه العبارة تكررت مرارا في يوميات دوروثي· وورد فيها أيضا أنه في بعض الأحيان كانت جريسمير تبدو جميلة جمالا يكاد يذيب القلب(73)·
وكانا يسيران مسافات طويلة، معاً، أو فرادى وأحيانا كانا يقطعان ميلا إلى أمبلسيد Ambleside حيث مقر البريد، وأحيانا كانا يقطعان رحلة تستغرق نصف يوم إلى كزويك keswieck بعد استقرار كولردج بها· وبدا ورد زورت راضيا بزواجه من أخته إذ كان يدعوها:
رفيقة وحدتي في مسيرتي،

أملي وفرحتي وأختي وصديقتي،

وأحيانا أعز عليّ من هذا كله إن كان

العقل يدرك ما هو أعز من ذلك، أوكان،

في قلب الحب، ما هو أعز·

وفي وقت تأخر حتى سنة 2081 (عام زواجه) كان يشير إليها بعبارة (حبي)(83) وكانت راضية بدعوتها له (أخي اللطيف)(93)·
لقد أصبح دخلها الآن أربعين جنيها أما هو فدخله سبعون جنيها بالإضافة إلى مبالغ ضئيلة متقطعة تصل إلى حوالي 041 جنيها (005،3؟ دولار) وهذا هو كل دخلهما السنوي· وكان عندهما خادم أو خادمان، ذلك لأن الفقر كان منتشرا جدا حتى إن نسوة كثيرات بل ورجالا من غير المتزوجين كانوا راغبين في أداء عمل مقابل المأوى والطعام··
وكان الشاعر وأخته يرتديان ملابس بسيطة: دوروثي كانت ترتدي عباءة عادة ما تكون من صنعها هي، بل إنها عادة ما كانت تصنع حذاءها(04) أما وليم وردزورث فكان يرتدي ملابس فلاح أو ملابس مستعملة أرسلها له أصدقاؤه(14)·
وكان لديهما حديقة خضراوات، وكانا أحيانا يصطادان الأسماك من البحيرة· وأكثر من هذا فقد ورد في يوميات دوروثي: لقد كنت أصنع كعكة الفاكهة والحلوى(24) الخبز والحلوى(34) الحلوى والكعك(44)· لقد كانت تدلل وليم ·
لقد كان وليم يعمل أيضا: فقد خصص شطراً من كل يوم عادي للتأليف، وعادة ما كان يؤلف في أثناء سيره منفردا فإذا ما عاد أملى على دوروثي· وكان أيضا يقطع الأخشاب ويعزق أرض الحديقة ويزرعها كان وليم يطهر المجرى المائي اللازم(54) مثل المجرى اللازم حفره في الجليد للتخلص من صرف المرحاض· وبالإضافة إلى هذا كانت دوروثي تخمر الجعة (64) وكنا نستعير بعض الزجاجات لتعبئة الرُّم (شراب مسكر)(74) ورغم تناول وليم للخضراوات فقد كان يعاني من البواسير(84) وبعد سنة 5081 أصبح يعاني من ضعف الإبصار والأرق فكان على دوروثي في كثير من الأمسيات أن تقرأ له حتى ينام(94)·
وفجأة اضطربت تلك الأيام بسبب المال والزواج· ففي 42 مايو سنة 2081 توفي سير جيمس لوثر James Lowther إيرل لونسديل Lonsdale تاركا ثروثه ولقبه لابن أخيه - السير وليم لوثر الذي رتب دفع المبالغ المدين بها السير جيمس لورثة جون وردزورث· وكان من الواضح أنه قد جرى تقسيم أربعة آلاف جنيه بين الأطفال ورغم أن نصيبي وليم ودوروثي لم يتم دفعه حتى سنة 3081 فإن وليم شعر أن توقعاته المعقولة تدعم تقدمه لطلب الزواج من ماري هتشنسون لكن ذكرى أنيت فالون Annette VaIon راحت تعتمل في وعيه· ألا يجب عليه الكشف عن علاقته بها قبل أن يطلب من ماري الاقتران به؟ وفي التاسع من يوليو غادرا جالوهل Gallow Hill استقلتهما عربة إلى لندن· لقد أخذ بروعة المدينة كما بدت له في الصباح الباكر من جسر وستمنستر Westminster Bridge· وألف وردزورث واحدة من سونيتاته (السونيتة قصيدة من أربعة عشر بيتا) الخالدة - ليس على وجه البسيطة ما هو أجمل من ذلك(05) وواصلا طريقهما إلى دوفر Dover واستقلتهما سفينة نقل البريد عبر القنال وفي 13 يوليو وجدا أنيت Annette ابنتها كارولين ذات الأعوام التسعة في انتظارهما في كاليه Calais· ولا ندري ما توصلا إليه من اتفاق، وكل ما نعرفه أنه بعد 41 سنة، عندما تزوجت كارولين، كانت حالة وردزورث وقتها منتعشة خصص لها راتبا سنويا مقداره 03 جنيها (057 دولار)· ومكث الأربعة في كاليه Calais مدة أربعة أسابيع حيث راحوا يسيرون على شاطئ البحر في وفاق ظاهر· ونسج وردزورث قصيدة (سونيتة) أخرى رائعة:
إنها أمسية جميلة، هادئة وسمحة

الزمن القدسي هادئ كراهبة

كتم أنفاسه لفرط الوقار·

وانتهى بالدعاء لكارولين· وفي 92 أغسطس غادر وردزورث ودوروثي إلى دوفر ولندن· ومن الواضح أنه لم يكن في عجلة من أمره فلم يعد الأخ ولا أخته إلى جالوهل Gallow Hill حتى 42 سبتمبر·
وفي 4 أكتوبر 2081 تزوج وليم وماري ولم تتلق العروس هدايا لأن أقاربها لم يكونوا موافقين على زواجها منه(15) أما دوروثي التي كانت قد كتبت في يومياتها مؤخرا عن وليم أنه (عشيقها) فلم تستطع أن تثق في قدرتها على حضور مراسم زواجه فقد كانت مشاعرها مهتاجة تكاد لا تستطيع السيطرة عليها(25) فصعدت السلم وهي لا تكاد تحس بما حولها حتى دعتها سارة هتشنسون قائلة إنهما عادا من الكنيسة· كان هذا - كما ذكرت في يومياتها - بعد الظهر - فاضطرت إلى انتزاع نفسها من سريرها وتحركت لا تدري كيف ··· وهي لا تكاد تحمل نفسها حتى قابلت حبيبي وليم فارتميت على صدره، فقام هو وجون هتشنسون باقتيادي إلى البيت وهناك مكثت لأرحب بعزيزتي ماري·
وفي هذا اليوم نفسه بدأ الشاعر وزوجته وأخته رحلة طويلة إلى جراسمير Grasmere في عربة خفيفة تجرها خيول· وبالتدريج كيّفت دوروثي نفسها للعيش كثالثة ثلاثة وسرعان ما تعلمت أن تحب ماري كأخت وصديقة حميمة· بالإضافة إلى ذلك فقد جلبت ماري إلى بيت الزوجية دخلها السنوي البالغ عشرين جنيها· وعندما وصل مبلغ لوثر Lowther الآنف ذكره أخيرا ارتقت أحوال الأسرة فنعمت بالرفاهية البورجوازية، وأصبح وليم وطنيا غيورا وأُدرج اسمه في قائمة متطوعي جراسمير Grasmere للدفاع المدني عن إنجلترا ضد نابليون·
ومن أناشيده الرعوية الرومانسية التي تعد من أجمل قصائده (إلى فراشة To a Butterfly) وأقوى سونيتاته (ميلتون)، أما قصيدته (الثبات والاستقلال) فتعكس نزعته إلى الحزن الشديد، وبين عامي 3081 و 6081 ظهر أشهر أعماله (إعلانات الخلود من ذكريات الطفولة الباكرة) فقلما تكون هناك فنتازيا فلسفية جرى التعبير عنها بمثل هذا الجمال·
لقد بدأت بملاحظة كىئبة عن إعتام عينيه:
أدور قدر مايمكن

ليلا أونهارا

فالأشياء التي كنت أراها لم أعد أراها الآن·

ترى لم تخبو كلما تقدم بنا السن؟

ميلادنا ليس سوى نومٍ ونسيان،

فروحنا التي تشب معنا ونجم حياتنا،

لابد أن يخبوا (يغربا) في مكانٍ ما،

لقد أتت روحنا من بعد قَصِي

ليست من المجهول تماما

وليست من العري الكامل

لكننا أتينا من مؤخرات سحب الجلال

من الرب الذي هو سكننا

فالفردوس حولنا في مرحلة طفولتنا

وتبدأ ظلال السجن تدرك الصبي النامي،

لكنه يمسك النور، وحيثما ينساب النور

يراه في لحظات سعادته ومرحه

وأخيرا يدرك الانسان أنه يتلاشى،

ويذوب في وضح النهار·

ومن ثم يحيى الشاعر الطفل باعتباره:
أنت أفضل فيلسوف، فأنت لاتزال تحتفظ

بتراثك ···

بل وعندما نبلغ من العمر مبلغا يكون لدينا وعي غائم بهذا الأفق الضائع:
الهواجس الشاحبة للخلق

تتحلق حول عوالم غير مؤكدة ··،

تلقي أرواحنا نظرة على هذا البحر الخالد

الذي ألقى بنا هنا

أيمكن في لحظة أن نرحل إلى هناك،

ونرى ألعاب الأطفال على الشاطئ،

ونسمع أصوات الأمواج الجليلة مرة أخرى؟

تلك إنثر وبولوجيا كُسيت كساء لاهوتيا: الطفل لايزال حيوانا يسعد بحريته وأطرافه وعواطفه الحيوانية، ينفض أي كساء وأية قيود وأي حظر، يتطلع إلى الحرية في الحياة الحيوانية والحركة في الحقول أو الغابات أو البحار أو الهواء وشيئا فشيئا يفقد - بامتعاض - تلك الحريات كلما تقدم به السن وكلما أصبح شابا يعيش في ظل الحضارة· لكن وردزورث لم يرد أن يكون كذلك، لقد راح يتذكر فيثاغورث وراح يأمل أن يجد فيه جسرا يعبر منه إلى عقيدته أيام الطفولة (عقيدة الطفولة أو إيمانها) إن الرجل الهرم يبحث عن رحم لمشاعره كالرحم الذي أتى به إلى الحياة·



صفحة رقم : 14660