قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> على الهامش

14- على الهامش


كان شارلز لامب (5771 - 4381) واحداً من عدة أرواح قلقة ومؤثرة جعلتهم مؤلفاتهم أجدر بالتناول في فترة ما بعد سنة 5181، لكننا تناولناه في فترتنا هذه التي نتناولها الآن لأنه دخل بشكل حميم في حياة شعراء منطقة البحيرة· فقد كان لامب واحداً من أقرب أصدقاء كولردج في لندن· لقد تعارفا كرفيقي دراسة في مدرسة مستشفى يسوع، وفي هذه المدرسة لم يتفوق لامب بسبب ما يعانيه من تلعثم شديد· وغادر المدرسة في الرابعة عشرة من عمره ليعول نفسه، وفي السابعة عشرة عين محاسبا في مؤسسة الهند الشرقية وظل في هذه الوظيفة حتى أحيل للتقاعد في الخمسين من عمره·
وشهدت حياته سلسلة من حالات الجنون فقد قضى هو نفسه ستة أسابيع في مصحة للأمراض العقلية (5971 - 6971)، وفي سنة 6971 قتلت أخته ماري آن Ann (4671 - 7471) - في نوبة جنون شديدة - أمها، وبسبب جنونها ظلت ماري محتجزة في مصحة الأمراض العقلية عدة فترات، لكن لأن لامب Lamb لم يكن يرغب في الزواج فقد جعلها تقيم معه حتى وفاته· وقد شفيت ماري من جنونها بدرجة كانت تكفي لتشاركه في كتابة (حكايات من شكسبير Tales from Shakespeare) (7081)· أما عمله الوحيد الذي أنجزه بمفرده فهو (مقالات إليا Essays of Elia) (0281 - 5281) وفيه تجلى أسلوبه العبقري ووقاره وفنه الذي أوحى بواحدة من أكثر الشخصيات المحببة في هذا العصر غير المفرط في تسامحه·
وفي سنة 7971 - وكان لايزال متأثرا بالمآسي التي واجهها في العام السابق - قبل دعوة من كولردج لزيارته في نذر ستوي Nether Stowey· وكان لا يكاد يتكلم - بسبب تلعثمه - عندما يكون في مواجهة شاعرين (كولردج، ووردزورث) يباري كل منهما الآخر في ذرابة اللسان· وبعد ذلك بخمس سنوات زار مع أخته عائلة كولردج في جريتا هول Greta Hall، وذكر لامب أنه تلقاهم بفيض من الكرم يفوق الوصف(601) ورغم أنه هو نفسه ظل شكوكيا حتى آخر عمره إلا أنه لم يسمح أبداً لتجاوزات كولردج اللاهوتية أن تتغلغل إليه رغم تأثره به ورغم إعجابه الشديد به·
ويضم المتحف الفني للفنون The National Portrait Gallery (المفهوم أنه متحف مقتصر على رسوم الأشخاص) رسما مؤثرا ولطيفا للامب Lamb إلى جوار صديقه وليم هازلت (7871 - 0381) الذي كان أبرع النقاد وأكثرهم حيوية في عصره· وقد زار هازلت كولردج سنة 8971· كما زاره مرة أخرى في جريتا هول في سنة 3081· وفي المناسبة الثانية انضم إليهما وردزورث وهناك راح ثلاثتهم يتناقشون فيما إذا كان الله God موجودا· وكان وليم بالي Paley - كما رأينا - قد دافع مؤخرا عن وجوده بأدلة من التصميمات الهندسية والفنية، وقد رفض هازلت هذه الأدلة، أما وردزورث فاتخذ موقفا وسطا مؤكدا أن الله ليس موجودا خارج الكون، يوجّهه من مكان قصي وإنما هو كامن فيه إنّه حياة الكون وعقله· وفي هذه الزيارة أثار هازلت غضب الجيران باغتصابه تلميذة، وخوفا من القبض عليه أو حدوث ما هو أسوأ هرب إلى جراسمير حيث آواه وردزورث هناك طوال ليلة، وفي الصباح قدم له مبلغا من المال ليسافر إلى لندن·
وعندما عاد كولردج ووردزورث وهاجما الثورة وأدانا نابليون في قصيدة هجاء شديدة اعتبرهما هازلت متراجعين عن أفكار آمنا بها يوماً، وكتب أربعة مجلدات عن (حياة نابليون بونابرت 8281 - 0381) مدافعا عن وجهات نظر نابليون· وفي هذه الأثناء كان معروفا كناقد من خلال محاضراته (0281) عن الدراما في العصر الإليزابيثي وكتابه عن (روح العصر - 5281) ولم يكن وردزورث سعيدا بهجومه على مدرسة البساطة في الأدب أو على حد تعبير وردزورث (Peasant school)(701)· لقد أحب الشاعر العجوز أكثر توماس دي كونسي (5871 - 9581) الذي كان يبدي إعجابه به بشكل مستمر· لقد كان توماس عبقريا فيما يرى لأنه نبَّه بريطانيا في سنة 1281 بمؤلفه Confessions of an English Opium Eater أي (اعترافات إنجليزي يتعاطى الأفيون)·
لقد كانت بدايته كولد معجزة يتحدث اليونانية الكلاسية بطلاقة وهو في الخامسة عشرة من عمره، وأنهى الدراسة في المدرسة بسرعة وانتقل إلى أكسفورد حيث كانت خطاه أسرع من خطى أقرانه (المقصود أنه كان أكثر تفوقا) ولابد أنه اندهش مبتهجاً بالبساطة الخلابة التي صيغت بها الأشعار الغنائية Lyrical Ballads وفي مايو سنة 3081 كتب إلى وردزورث خطابا ربما أدار رأس الشاعر المتفرد·
ليس هناك ما يغريني بصداقتك أكثر - فيما أظن - مما يغري كل من قرأ Lyrical Ballads وأحس بها كما أحس· إن محصلة البهجة التي أحسست بها من ثماني قصائد أو تسع استطعت الحصول عليها جعلت العالم يبدو مقصراً تقصيراً لا حد له عن إدراك ما يعنيه هذان المجلدان الفاتنان - إن اسمك سيرتبط معي إلى الأبد بمشاهد الطبيعة الجميلة ··· أي زعم يمكنني من ادعاء القدرة على مرافقة جماعة فيها مثلك تشع عبقرية وسناء فائقين؟·
وأضاف أن وردزورث لن يجد أبداً أحدا أكثر استعدادا ·· للتضحية حتى بحياته (مثله) لتحقيق مصالحك وسعادتك وكان رد وردزورث ينطوي على توجيهات رقيقة، فقد كتب له إنني لا أقدر على منح صداقتي (لأحد) فهذا ليس في يدي· إنها هبة لا يستطيع الإنسان تقديمها ··· فالصداقة الصحيحة والحقة تتكون بمرور الوقت وتحكمها الظروف· إنها ستزهو كالزهور البرية إن كانت الظروف حولها ملائمة، فإن لم يحدث هذا فعبثا البحث عنها· وحاول أن يثني الشاب عن مراسلته بشكل منتظم فقال له إنني أكثر الناس كسلاً في هذا العالم وأكثرهم عزوفاً عن كتابة الخطابات لكنه أضاف قائلا: وسأكون سعيداً جدا حقا أن أراك في جراسمير(801)·
ورغم حرارة دي كوانسي De Quincy ورغبته في لقاء وردزورث، فإنه لم يقبل الدعوة إلا بعد ثلاث سنوات، وعندما أصبح منزل وردزورث على مرأىً منه فقد الشجاعة وكأنما هو حاج واهن يقترب من روما، فرجع ولم يواصل رحلته للقاء وردزورث، ولكن في سنة 7081 وفي بريستول قبل كولردج دعوته لمرافقة زوجته (زوجة كولردج) وأولاده إلى كزويك Keswick، وفي الطريق توقف معه عند منزل وردزورث، والآن، وأخيرا رأى دي كوانسي، الشاعر وردزورث رأي العين، كما كان على بروننج Browning أن يرى شيلي Shelley· قال دي كوانسي: رأيته كومضة نور· إنه رجل أقرب إلى الطول· مد يده وحياني مرحبا ترحيبا ودوداً جداً(901)·



صفحة رقم : 14665