قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> سوثي1803
15- سوثي
1803- 1843
وفي هذه الأثناء - في كل من جريتا هول ولندن - كان سوثي يعول زوجته إديث Edith وبناته الخمس (ولدن في الفترة من 4081 و2181) وابنه - الذي أحبه حبا يفوق الوصف، والذي وافته منيته سنة 6181 وهو في العاشرة من عمره· كان سوثي ينفق على كل هؤلاء من حصاد كتاباته المتقنة - لكنها غير ملهمة· وبعد انتقال كولردج إلى مالطة تولى سوثي رعاية أولاده (أي أولاد كولردج) وزوجته· وحتى وردزوث كان أحيانا يعتمد عليه: فعندما فقد أخو وليم في البحر (1805) اضطربت الأسرة في جراسمير· فأرسل وردزورث خطابا إلى سوثي متوسلا إليه أن يأتي ويساعده لبث الطمأنينة في دوروثي وماري· واستجاب سوثي، وكان رحيما رفيقا جدا: إذ كبت دوروثي: لقد كان ودودا حتى إنني أحببته في وقت من الأوقات· لقد بكى معنا وأبدى حزنه لحزننا، لذا أظن أنني لا بد أن أحبه دائما(011)·
وعبثا حاولوا إثناءه عن التسرع في الكتابة· فكتب ملحمة شعرية في إثر ملحمة، لاقت جميعا الفشل، فكرس نفسه للنثر فكانت النتائج أفضل، ونشر في سنة 7081 (خطابات من إنجلترا لدون مانويل ألفاريز إسبريلا Letters from England by Don Manuel Alvatez Esprlella) ووضع على لسان هذا الإسباني المتخيل شجباً عنيفا لتشغيل الأطفال والأحوال الأخرى السائدة في المصانع البريطانية:
إنني أجد الجرأة الكافية لأتساءل عن أحوال هؤلاء البشر الذين يعملون في ظل هذه الأحوال الرهيبة، وأجد··· أنه نتيجة جمع مثل هذه الأعداد من الجنسين بشكل يتنافى تماما مع مبادئ الدين والأخلاق، لابد أن يكون هناك تهتك وخلاعة وفساد، ورجال سكيرون ونساء منحلات، ومهما كانت الأجور التي يحصلون عليها مرتفعة، فإن قصر نظرهم سرعان ما يجعلهم في حالة عوز· وإن على المحافظات (الدوائر) التي هي غير قادرة على حمايتهم كأطفال، أن تقدم لهم العون في حالة المرض الناتج عن أسلوب حياتهم، وفي حالة العجز والشيخوخة(111) وكان ما انتهى إليه هذا الأرستقراطي فيما يتعلق بالاقتصاد البريطاني هو أنه في التجارة - ربما أكثر مما في الحرب - يعتبر البشر والدواب - في الأساس - مجرد آلات، ويتم التضحية بهم دون أي وخز من ضمير(211)·
وسرعان ما أدرك سوثي أنه لن يستطيع العيش من حصاد كتاباته فقد وجد نفسه عاجزا عن إعالة من يعولهم خاصة زمن الحرب، إلا إذا تبنى اتجاها أكثر محافظة، وتم هذا التغير بسهولة بسبب إعانة حكومية قوامها 061 جنيهاً في السنة (7081) وبسبب دعوة للمساهمة بتقديم مقالات بشكل منتطم لمجلة حزب المحافظين (التوري) ربع السنوية Tory Quarterly Review· وفي سنة 3181 رفع من شأن نفسه كمؤلف وكوطني بإصداره كتابا عن حياة نلسون Life of Nelson فكان كتابا واضحا وحيويا يتضح فيه أثر البحث الجاد، وكتبه بأسلوب القرن الثامن عشر، بسيطا واضحا وسهلا يحمل القارئ رغم انحياز المؤلف الطبيعي للتعاطف مع نلسون بطلاً ومع بريطاينا وطنا· أما عن افتتان نلسون بإمّا هاملتون Emma Hamilton فلم يتناوله المؤلف سوى في فقرة واحدة·
وقد حزن بايرون Byron وشيلي Shelley وهازلت Hazlitt عندما بدأ سوثي يحط من شأن الشعر بقبوله جائزة إنجلترا Laureateship og England· وكان شأن هذه الجائزة قد انحط عندما قدمها بت Pitt في سنة 0971 لهنري بي Pye قاضي السلام الغامض· وعند موت بي Pye (3181) عرضت الحكومة المنصب على والتر سكوت Scott فرفضه وأوصى به لسوثي وقبل سوثي فكوفئ بزيادة معاشه السنوي إلى ثلاثمائة جنيه وعلق وردزورث الذي كان يجب أن يحصل على هذا التعيين بلطف قائلا: إن لدى سوثي عالما صغيرا يقوم على أكتافه(311)·
أما بايرون الذي أدان سوثي أخيرا بكلمات هي وسط بين التجريح والعفو فقد راح يتحدث عنه بشكل طيب بعد لقائه في دار هولندا Holland House في سبتمبر 3181: إنه أفضل من رأيت من الشعراء منظرا(411) وذكر لتوماس مور Moore: إنه رجل ذو موهبة ·· لطيف المعشر ·· نثره يتسم بالكمال(511) لكن حرص سوثي على إرضاء ذوي المال والسلطة جعل بايرون يشن عليه حربا علنية في سنة 8181، وتمت القطيعة الكاملة مع الجميع عندما استطاعت مجموعة من هؤلاء الثوار الحصول على مخطوطة مسرحية (وات تيلور Wat tyler) وهي دراما راديكالية كان سوثي قد كتبها في سنة 4971 وتركها مخطوطة لم يطبعها وقاموا بنشرها - سعداء بما فعلوا - في سنة 7181·
وعاد سوثي إلى جريتا هول ومكتبته وزوجته التي كانت قد اقتربت من الجنون أكثر من مرة، وفي سنة 4381 فقدت عقلها تماماً وماتت في سنة 7381· أما سوثي نفسه فقد تخلى عن معركته مع المناوئين له في سنة 4381، ومن ثم جعل وردزورث أميرا للشعراء رغم معارضته هو نفسه (أي وردزورث) وقد حظي هذا التعيين بموافقة عالمية·