قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> آخر ما قاله وردزورث
16- آخر ما قاله وردزورث
5181 - 0581
الشعر للشباب، وقد عاش وردزورث ثمانين عاما ومات كشاعر في نحو سنة 7081 وعندما كان عمره 73 سنة ألف أنثى الظبي البيضاء في ريلستون The White Doe of Rylstone· وفي هذا الوقت كان والتر سكوت قد نشر (أنشودة آخر المغنين The Lay of the Last Minstrel) (5081)، وقد أثارت حسد وردزورث لأسلوبها المزهر فاستخدم الوزن نفسه لكتابة أنشودة من تأليفه - قصيدة قصصية غنائية عن الحروب الدينية في شمال إنجلترا في السنة الثانية عشرة من حكم إليزابث الأولى· إن أسرة كاملة تقريبا - أب وثمانية أبناء - قد هلكت في معركة واحدة· إميلى Emily - الأخت التي ظلت على قيد الحياة - قضت ما تبقى لها من الحياة في حالة حداد، وكانت أنثى الظبي البيضاء تأتيها كل يوم لتعزيها وكانت تصحبها كل سبت لزيارة قبر أخيها الصغير في ساحة كنيسة بولتون وعندما ماتت إميلى ظلت أنثى الظبي البيضاء تقوم بهذه الرحلة الأسبوعية وحدها من رايلستون إلى بولتون وتظل إلى جوار القبر حتى تنتهي صلوات السبت sabbath في الكنيسة ثم تعود بهدوء قاطعة الغابات والمجاري المائية إلى مأواها في رايلستون· إنها حكاية جميلة حكاها بطريقة جميلة ورائعة ومؤثرة·
وكان هذا العمل هو آخر انتصار أدبي لوردزورث، بصرف النظر عن بعض السونيتات Sonnets (السونيتة قصيدة تتألف من أربعة عشر بيتا) التي عبر فيها عن مشاعره بأقل قدر من الإثارة - وفيما عدا ذلك - لم يقدم للشعر جديدا آخر· وبعد أن بلغ الخمسين بدا حكيما، طويلا، رزينا متدثرا بعباءة تقيه البرد الشديد وأصبح شعره مهوشا ورأسه مطأطأ وعيناه غائرتين مغرقتين في التأمل كما لو كان بعد أن رأى شيلى Shelly وبايرون ينتقلان من الطفولة إلى الانجذاب الصوفي إلى الموت - راح ينتظر الآن - بهدوء - دوره راضيا أن ترك من الآثار الأدبية ما هو أكثر خلودا من المدن المثالية (اليوطوبيات ) أو الأشعار الساخرة·
لقد كان في فضائله نقص فقد تحدث عن ذاته كثيرا· لقد كتب هازلت إن ميلتون هو وثنه الأكبر أو بتعبير آخر هو إلهه الزائف، وكان أحيانا يجد الجرأة لمقارنة نفسه به(611) وقد قبل المديح كأمر لا يمكن تجنبه وكان يكره النقد ويعتبره جحودا، وكان يحب إنشاد شعره وقد لاحظ ذلك - بخبث - إمرسون Emerson الذي زاره في سنة 3381، لكنه كان قد قال في مقدمة سنة 5181 إن قصائده قد ألفت لتقرأ بصوت عال والحقيقة أنها كانت قصائد تحوي من الموسيقا قدرا يساوي ما تحويه من معان، والقصيدة في حاجة إلى قيثارة·
وبطبيعة الحال كان اتجاهه المحافظ يزداد كلما تقدم به السن· إنها ميزة التقدم في السن، وربما كان واجب الأعوام أن تجعل المرء محافظا· وإذا كان بايرون وشيلى لم يعترفا بهذا فربما لأنهما ماتا وهما لا يزالان في حالة جنون الشباب· لقد أدى تدهور الثورة الفرنسية من الدستور إلى الفوضى إلى تحفظ وردزورث إلى حد ما، كما أن وحشية الثورة الصناعية بدت على نحو ما مرضية لمشاعره؛ ذلك أن شيئا لطيفا ومفيدا قد لحق بإنجلترا بإحلال عمال المصانع محل الحرس الوطني المكون من فرسان غلاظ شداد من طبقة صغار مالكي الأرض، ذلك الحرس الذي أنشئ سنة 1671· وفي سنة 5081 أصبح - عن طريق الشراء أو تلقي الهبات - مالكا لعدة عقارات متواضعة، وكان كمالك للأرض مستعدا للتعاطف مع فكرة (الرّيع) أو (عوائد الأرض) كأساس للنظام الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي· وقد عارض الحركة الإصلاحية كخطة تبناها أصحاب المصانع لخفض أسعار الغلال، وبالتالي أجور العمال بإبطال (قوانين الغلال Corn Laws) وكذلك الرسوم الجمركية العالية التي تفوق استيراد الغلال من الخارج·
وقد أصبح وردزورث الذي كان طوال سنوات عديدة معجبا بأفكار جودون - أصبح الآن يرفص دعوة جودون للفردية (الحرية الفردية Free individualism) على أساس أن الأفراد لا يمكنهم العيش إلا من خلال وحدة اجتماعية (إلا من خلال جماعة) لا يمكنها الاستمرار إلا من خلال الاحترام العام للتقاليد والملكية والقانون· وبعد سنة 5181 أيد الحكومة في كل إجراءاتها القمعية، ووصف بأنه ارتد عن مبدأ الحرية· وتمسك بموقفه ولخص تشخيصه لحال العصر قائلا: العالم يجري بجنون معتقدا أن شفاءه من شروره لا يكون إلا بالتغيرات السياسية والعلاجات السياسية والحلول السياسية، بينما الشرور العظمى - وهي الحضارة والرق والبؤس - تكمن عميقة في قلوب البشر ولا علاج لها إلا بالتمسك بالفضيلة وأهداب الدين(711)·
وعلى هذا فقد دعا الشعب الإنجليزي مناشدا لدعم الكنيسة الإنجليزية وكتب (1281) مقطوعات شعرية دينية بلغت سبعا وأربعين مقطوعة (سونيتات) تناول فيها جانبا من جوانب التاريخ الإنجليزي، نقلنا فيها إلى أبطال إنجليز لم يعد أحد يذكرهم، وأثار في قرائه الدهشة· على وفق ما قاله هنري كراب روبنسون، فإن وردزورث قال إنه سيبذل دمه عند الضرورة للدفاع عن الكنيسة القائمة (الإنجليزية) ولم يهتم بالضحكات الصاخبة التي قهقهها الآخرون ذاكرين أنه سبق أن اعترف أنه لايدري متى كان تابعا لكنيسة في بلاده(811)·
ونحن لا نعرف أنه بحث عن سلواه في أحضان الدين عندما بدأ عالم الحب حوله ينهار· في سنة 9281 عانت دوروثي من حصاة في الكلى مما أدى إلى ضعف صحتها وانهيار روحها المعنوية باستمرار· وتعرض جهازها العصبي للتلف، وبعد سنة 5381 لم تعد تستطيع تحريك ساقها، ولم تعد تتذكر إلا الأحداث البعيدة التي مضى عليها زمن طويل، وقصائد أخيها التي كانت - لاتزال - تستطيع إنشادها· وظلت قعيدة طوال العشرين سنة التالية بلا معين وأطبق عليها الجنون، وكانت تجلس صامتة على مقعد قرب المدفأة منتظرة الموت صابرة· وفي سنة 5381 ماتت ساره هتشنسون، وتُرِك وردزورث مع زوجته ماري للعناية بأخته وأولاده· وفي سنة 7381 كان لديه الجلد الكافي للقيام بجولة طوال ستة أشهر في فرنسا وإيطاليا مع روبنسون ذي الشخصية المؤثرة·
وتوفي في 32 أبريل 0581 ودفن بين من مات من جيرانه في باحة كنيسة جراسمير· وعاشت دوروثي (أخته) بعد موته خمس سنوات صابرة تعينها ماري التي أصبحت الآن شبه عمياء· وماتت ماري سنة 9581 عن عمر يناهز التاسعة والثمانين ، وبعد عمر طويل أدت فيه واجباتها بإخلاص· ولا بد أن وردزورث كان يتحلى بصفات أعظم من كونه شاعرا كبيرا لأنه احتفظ بحب امرأتين - من هذا النوع - أخلصتا له دوما· - ومثلهما في ملايين البيوت - لا بد من تذكرهما كلمحة من ملامح صورة إنجلترا·