قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> الشعراء الثوريون -> قافلة فقدت بريقها
الفصل الثاني والعشرون
الشُّعراء الثوريّون
1788- 1824
1- قافلة فقدت بريقها
6601 - 9081
كي نفهم بايرون لابد أن نُعرّف ببعض التفاصيل تاريخ أجداده وطبيعتهم الذين تجري دماؤهم - كالحمّى المتقطعة - في عروقه· إن بعضاً من هذه الدماء - كاسمه - قد تعود إلى فرنسا، فالتاريخ يذكر لنا عديداً من آل بيرون Birons في فرنسا، وقد ذكر بايرون نفسه متفاخراً في (دون جوان) (النشيد 01 slash البيت 63) أحد جدوده - ردولفس دي بورو Burun الذي قدم إلى إنجلترا في ركاب وليم الفاتح· وفي القرن الثاني عشر أصبح آل بورو Buruns هم آل بايرون Byron (أي تغير نطق الاسم ليتماشى مع طبيعة اللغة الإنجليزية أو الأسماء الإنجليزية)، وعمل السير جون بايرون في خدمة هنري الثامن بإخلاص حتى أن الملك عندما حل الأديرة نقل إليه نظير مبلغ ضئيل ملكية دير (أسس في نحو 0711) والأراضي التابعة له، ودير راهبات نيوستيد Newstede·· في زمام نوتنجهام(1) ولعب آل بايرون بعد ذلك أدوارا صغرى في التاريخ الإنجليزي وأيدوا أسرة ستيوارت المالكة وتبعوا شارلز الثاني في المنفى وصادرت الحكومة منهم مبنى دير نيوستيد، واستعادوه بعد عودة الملك للعرش وخدم وليم عم والد الشاعر- لورد بايرون الخامس (2271 - 8971) في البحرية، وكان وسيما طائشا وأطلق علىه اسم اللورد الشقي أو اللورد الشرير إذ عاش حياة الخلاعة في مبنى الدير الآنف ذكره وأتلف كثيرا من ثروته وقتل قريبه وليم شورث Chaworth في مبارزه مرتجلة (لم يُعد لها) في غرفة مظلمة بأحد الفنادق، فتم إرساله إلى القلعة بتهمة القتل وحاكمه مجلس اللوردات (5671) الذي قرر أنه ليس مذنبا كقاتل عمدا وإنما هو مذنب بالقتل غير العمد فعاد إلى مبنى الدير وعاش في عزلة كئيبة حتى وافته منيته·
وقد أصبح أخوه جون بايرون (3271 - 6871) ضابط صف بحري وتعرض لجنوح سفينته ونشر سرداً قصصيا عن جنوح السفينة استقى منه حفيده مشاهد حية في (دون جوان)· وقد دار جون - كقبطان للسفينة دولفين - حول الكرة الأرضية· وأخيرا عاد لموطنه في غرب إنجلترا وعرف باسم (الملاح العاشق) لأنه كان يحتفظ بزوجة أو خليلة في كل ميناء·
وكان ابنه الأكبر الكابتن جون بايرون (6571 - 1971) وهو والد شاعرنا الذي نتناوله الآن· قد مارس كثيرا من الأعمال الشريرة في سنوات عمره البالغة خمسا وثلاثين سنة حتى عُرف بجاك المجنون· وبعد أن خدم في المستعمرات الأمريكية قضى بعض الوقت في لندن وجعل خليلاته يدفعن ديونه· وفي سنة 8771 فرَّ مع مرليزة كارمارثن Carmarthen فطلقها زوجها المركيز، وتزوجها القبطان بايرون ونعم بثروتها وأنجبت له ثلاثة أبناء كان منهم أوجستالاي Angusta Leigh الأخت غير الشقيقة لشاعرنا، وأحيانا خليلته·
وفي سنة 4871 ماتت لادي كارمارثن·وبعد ذلك بعام تزوج الأرمل الأنيق من فتاة إسكتلندية في العشرين من عمرها ولها دخل يبلغ 000،32 جنيه إسترليني - إنها كاترين جوردون الجيتية of Gight، وكانت متكبرة جدا وتعود شجرة نسبها إلى ملك سكوتلندا جيمس الأول· وعندما حملت بشاعرنا أورثته التميز والقلق: فرنسي الأصل، عاصف الشخصية أو بتعبير آخر ذو طبيعة عاصفة ميال للنهب والقتل والعداوة، وكانت الأم نفسها مزيجا من الحب العنيف والكراهية· لقد أنفقت على زوجها الذي بدد ثروتها ثم هجرها ثم على ابنها الوحيد الذي غمرته بعواطفها فأصبح لفرط الدلال كالطفل الكسيح· قال شيلدهارولد لا بُد أن يعرف المرأ الثمرة التي تثمرها شجرة هذه بذورها(2)·
ولد جورج جوردون بايرون في لندن في 22 يناير 8871، ولحق بقدمه اليمنى تشوّه عند الولادة بسبب ليّة للداخل مع رفع الكعب لأعلى، وكان يمكن معالجة هذا الخلل بتدليك يدوي يوميا لكن الأم لم يكن لديها صبر ولاطاقة على هذا بالإضافة إلى أن هذا قد يبدو للطفل قسوة مقصودة كما أن الأطباء لم يكونوا ميالين لنصيحتها لهذا العمل العلاجي وفي سن الثامنة، تحسنت القدم المصابة كثيرا حتى أصبح الصبي يستطيع لبس الحذاء المعتاد فوق حذاء داخلي مصمم لموازنة الاعوجاج والتقليل من أثره· وفي الحياة العامة، وفي أثناء ممارسة الألعاب الرياضية اتسم بالرشاقة رغم عرجته لكنه لم يكن يستطيع عبور قاعة الاستقبال دون أن يحس بألم وفي شبابه كان يغضب بشدة عند أي إشارة لعاهته· وقد ساعد هذا على جعله حساسا، وربما حثه هذا على تحقيق انتصارات في مجال السباحة والتودد للنساء والشعر، فربما يصرف هذا النظر عن إعاقته·
وفي سنة 9871 انتقلت الأم مع ابنها إلى أبردين Aberdeen، وبعد ذلك بعام هرب زوجها إلى فرنسا حيث مات في سنة 1971 معدما فاجرا· ولم يكن قد ترك إلا قليلا من ثروة زوجته التي بذلت قصارى جهدها لتعليمه تعليما يليق بلورد· وكانت تصفه أوصافاً تنم عن حبها الشديد له عندما كان في السادسة من عمره (إنه ولد لطيف يمشي ويجري كأي ولد آخر)(3) وفي السابعة دخل مدرسة أبردين الإعدادية حيث تلقى أساسا طيبا في اللغة اللاتينية وعن طريق مزيد من التعليم وكثير من الأسفار في اليونان وآسيا الصغرى وإيطاليا أصبح عاشقا للآداب اللاتينية واليونانية لدرجة أن الدارسين للآداب الكلاسية هم وحدهم الذين يمكنهم فهم الاقتباسات والإشارات التاريخية التي بثها في عمله (دون جوان)· لقد أحب بايرون التاريخ - مبرّأ من الوطنية والميثولوجيا - كحقيقة - لا حقيقة سواها - عن الإنسان - أما شيلي Shelley فقد أنكره وكان لا يرتاح للتاريخ·
وفي سنة 8971 مات عم والده اللورد الشقي أو الشرير الآنف ذكره في نيوستيد تاركا لقب البارون لابنه البالغ من العمر عشرة أعوام، ومبنى الدير و 0023 أكر (فدان إنجليزي) وديونه (أي ديون اللورد الشقي)، وكان هذا لا يكفي إلا لتمكين الأرملة من الانتقال من أبردين إلى مبنى الدير لتعيش هناك مستمتعة بمزايا الطبقة الوسطى· لقد أرسلت الصبي إلى مدرسة في دلوش Dulwich، وفي سنة 1081 أرسلته إلى مدرسة ثانوية داخلية مشهورة في هارو Harrow على بعد أحد عشر ميلا من لندن· وفيها بَشِم العبادات المملة التي كان يفرضها الطلاب الأكابر سنا على الطلاب الأصاغر سنا، وعندما أصبح هو نفسه كرجل من الطبقة العليا - يتحتم عليه القيام بهذه العبادات، أداها بحماس· وكان طالبا قلقا يكره النظام ويحب التهريج ويهمل الواجبات المدرسية لكنه قرأ كثيرا من الكتب غالبها جيد، بل وقرأ بيكون ولوك Locke وهيوم Hnme وبيركيلي Berkeley· وكان من الواضح أنه فقد عقيدته الدينية لأن أحد رفاق دراسته وصفه بأنه ملحد ملعون(4)· وفي السابعة عشرة من عمره التحق بكلية التثليث Trinity College في كامبردج، وهناك أقام في جناح مكلف به خدم وكلب كما اتخذ له رفيقاً غير متزن يشاركه السكن وتعامل مع العاهرات والأطباء وكان بين الحين والحين يبحث عن خدمات متميزة في لندن· وفي إجازة قضاها في بريتون Brighton (8081) كان معه فتاة متنكرة في شكل صبي، لكنه طور في كامبردج ما أسماه حبا شديدا وعاطفة قوية - رغم نقائها though Pure لشاب وسيم(5)· وقد أقام صداقات دائمة بسبب مرحه وحيوته وكرمه، وكان أفضل هذه الصداقات هي صداقته مع جون كام هوبهوس Hobhouse الذي كان يسبقه في الدراسة بعامين إلا أنه ساهم في ضبط حياة بايرون غير المنضبطة في بعض الأحيان· فقد كان الشاعر الشاب (بايرون) يبدو على وشك تدمير نفسه بتحرره (المقصود عدم انضباطه الخلقي) فلم يكن ذكاؤه بقادر على أن يحل محل المحاذير الدينية التي لم يعد يأخذ بها·
وفي يونيو سنة 7081 - وكان قد بلغ التاسعة عشرة من عمره· ونشر ديوان ساعات من الكسل بقلم جورج جوردون ولورد بايرون، الصغير· وذهب إلى لندن لترتيب أن يحظى ديوانه بتعليقات طيبة وقد حيته دورية مستخلصات أدنبره (عدد يناير 8081) بتعليقات ساخرة· لقد سخرت من العنوان كعنوان يليق بالنثر لا بالشعر، وانتقدت المؤلف واعتبرت ذكر اسمه مقرونا بغيره هو نوع من الاعتذار، فلم لا ينتظر هذا اللورد المراهق الوقت المناسب للنشر عندما يصبح أكثر نضجا· وبلغ الحادية والعشرين من عمره في 22 يناير 9081، ودفع ديونه الملحة وانغمس في المقامرة وشغل مقعده في مجلس اللوردات وعانى كثيرا بسبب الصمت الذي ينصح به العضو الجديد (المبتدئ) لكن بعد ثلاثة أيام شن هجوما على ناقدي كتابه في دورية (English Bards & Scotch Revivewers) لقد شن هجوما حادا وحيويا وكأنما هو يحاكي - بل ويضارع - بيانات البابا· لقد سخر من الحركة الرومانسية الوجدانية (التي أصبح بعد ذلك رائدها) ودعا للعودة إلى الروح الرجولية والأسلوب الكلاسي اللذين سادا في عصر أوغسطس Augustan Age:
- سوف تؤمن بملتون ودريدن والبابا،
- ولن تُعلي من شأن وردزورث وكلردج وسوثي،····
- إننا نعلم من هوراس إن هوميروس ينام أحياناً،
- ونشعر بدونه أن وردزورث أحيانا يستيقظ (يظل يقظان - والمقصود أنه نائم عادة)(6)·
وبعد أن حصل بايرون على درجة الماجستير في كمبردج صادق الملاكمين وتعلم تحاشي الضربات وأخذ دورة عملية أخرى في حياة الليل في لندن، وأبحر في 2 يوليو 9081 مع هوبهوس إلى لشبونة وتطلع للشرق·