قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> الشعراء الثوريون -> الرحلة الكبرى
2- الرحلة الكبرى
بايرون 9081 - 1181
لم تكن رحلة - من الناحية التقليدية - هائلة: فقد كانت إنجلترا في حالة حرب، وكان نابليون يحكم فرنسا وبلجيكا وهولندا وألمانيا وإيطاليا، لذا فقد قضى بايرون معظم العامين اللذين استغرقتهما رحلته في ألبانيا واليونان وتركيا، وقد تركت هذه الرحلة أثرا مهما في سياساته وفي وجهات نظره عن النساء والزواج بل وأثرت في موته· لقد خلف ديونا مقدارها 000،31 جنيه إسترليني وراءه (المقصود قبل أن يبدأ رحلته) واصطحب معه أربعة من الخدم· لقد وجد لشبونة فقيرة مسلوبة القوة ولم تكن حرب شبه الجزيزة الأيبيرية مبررا كافيا لهذه الحال، وبدا كل الناس عدوانيين فكان بايرون يحمل مسدسيه أينما ذهب· وانتقل ركبه على ظهور الخيل إلى أشبيلية وقادش ومنها - على ظهر فرقاطة بريطانية - إلى جبل طارق (وهناك أعفى كل خدمه ما عدا خادمه الخصوصي متولي أمور ملابسه وليم فلتشر) ومن جبل طارق اتجه إلى مالطة حيث أحب السيدة سبنسر سمث (1 - 81 سبتمبر 9081)، وتصرف بشكل مناف للذوق حتى إن القبطان البريطاني علق على تهوره وعدم كياسته· فتحداه بايرون مع تلميح ادعائي سخيف طالما أن السفينة التي عليّ أن أركبها لا بد أن تبحر على أول تغير في اتجاه الريح، فإن الإبحار في الساعة السادسة غدا هو الوقت المناسب تماما، فهذا أدعى لترتيب أشغالنا بشكل أفضل وأسرع واعتذر القبطان عن عدم تنفيذ ذلك· وفي 91 سبتمبر غادر بايرون وهوبهوس على السفينة سبيدر Spider (الكلمة تعني العنكبوت أو المقلاة) وبعد أن ظلت مبحرة طوال أسبوع وصلت إلى باتراس Patras· فنزلا إلى الشاطئ فورا لمجرد وضع أقدامهما على تربة اليونان، لكن في الليلة نفسها عاودا ركوب السفينة (سبيدر) وأبحرت السفينة متجاوزة ميسولونجي Missolonghi وبينيلوب الملحقة بإيثاكا Penelopes Ithaca نزلا إلى الشاطئ في بريفيرا Preveza بالقرب من أكتيوم Actium التي شهدت معركة تحدد فيها مصير أنطونيو وكليوباترا· ومن هنا اتجها شمالا على ظهور الخيل خلال إبيروس Epirus ودخل ألبانيا التي كان التركي المرعب علي باشا يحكم من عاصمتها - بالسيف والأوامر - كل ألبانيا وإبيروس، وقد رحب ببايرون ترحيبا يليق بلورد بريطاني لأنه (كما قال للشاعر) عرف أنه ذو أصل نبيل لصغر يديه وأذنيه·
وفي 32 أكتوبر عاد بايرون ورفاقه· وفي 72 من الشهر نفسه وصلا إلى يانينا Janina عاصمة إبيروس· وهناك بدأ يسجل انطباعاته عن الرحلة في (Childe Harold Pilgrimage) على شكل سيرة ذاتية· وفي 3 نوفمبر ارتحلت المجموعة جنوبا حتى ما يعرف اليوم باسم إيتوليا Aetolia في حماية حرس الباشا من المرتزقة الألبانيين، وكان كل واحد من هذا الحرس بارعاً في القتل والسرقة· وقد أحبوا سيدهم الجديد (المقصود لورد بايرون) وكان أحد أسباب ذلك أنه بدا لهم غير هياّب من الموت· وعندما أصابت الحمى بايرون هددوا الطبيب بالقتل إذا مات مريضه، ففر الطبيب وشفي بايرون· وفي 12 نوفمبر استقلت المجموعة سفينة نقلتهم من ميسولونجي Missolonghi إلى باتراس Patras وتقدموا يصحبهم حرس جديد على ظهور الخيول في البلوبونيز وأتيكا Attica (في اليونان الحالية) ورأوا دلفي Delphi وثيبز Thebes ودخلوا أثينا في يوم الكريسماس 9081· وكان لابد أن يمر على الرحالتين يوم حافل بالأفراح والأحزان معا· عظمة الآثار القديمة، والدمار الذي لحق بالبلاد حديثا، وعدم الترحيب الشديد بالحكم التركي، فاليونانيون كانوا يوما شعبا فخورا معتزا بنفسه وأصبحوا الآن وقد نزلوا من علياء مجدهم السياسي والفكري ورضوا بحكم الأيام· لقد كان هذا مدعاة لتسلية هوبهوس لكنه أحزن بايرون الذي تجسدت فيه روح الاستقلال، والفخر بالعرق·
وعلى أية حال فقد كانت نساء اليونان جميلات، عيونهم سوداء مثيرات، خضوعهن (استسلامهن) لطيف· وقد سكن بايرون وهوبهوس عند الأرملة ماكرى Macri التي تولت خدمتهما، وكان لديها ثلاث بنات كلهن دون الخامسة عشرة· الفاسقة الصغيرة تعلمت أن تحسّ إزاءهم بعاطفة أبهجتهما وذكرتهما بحبهما أيام براءتهما الأولى· إنها تريزا البالغة من العمر اثنتي عشرة سنة وهي التي علّمته التحية الشجية: يا حياة حياتي، أنا أحبك Zoe mou sas agabo وقد كتب أغنيته الشهيرة مستوحيا أفكارها من هذه الكلمات: ياعذراء أثينا، هل سنفترق ! أعيدي إليّ قلبي! وفي 91 يناير 0181 انطلق بايرون وهوبهوس مع خادم ودليل ورجلين للعناية بالخيول لزيارة واحد من أكثر المشاهد إلهاما في اليونان، واستغرق انتقالهم راكبين أربعة أيام لكن الغاية تبرر الوسيلة: لقد أصبحوا على مرأى الأعمدة الباقية من معبد بوسيدون (النص temple to Poseidon) في الماضي البطولي على قُنةَّ جبل سونيوم Sunium Promontorium (Cape Colonna) لتخبر البحارة أنهم وصلوا بلاد الإغريق· ومما يذكر أن مشاهد هذا الكمال القدسي المتناثرة ومنظر بحر إيجه الذي يبدو على البعد هادئا ناعما، كل ذلك أوحى للشاعر بتأليف قصيدته (جزر اليونان) التي أدرجها أخيرا في النشيد الثالث في عمله (دون جوان)· ومن سونيوم Sunium تستغرق المسافة إلى الماراثون ثلاثة أيام فقط على ظهور الخيل، وفي الماراثون تحركت قريحة الشاعر بالأبيات المشهورة التالية:
- الجبال تُطل على الماراثون،
- والماراثون يُطل على البحر،
- ورحت أسلّي نفسي هناك ساعة وحدي،
- وحلمت أن تعود اليونان حرة
- تقف على جثت الفرس (المقصود الأتراك)
- إنني لا أُطيق أن أكون عبدا·
وفي 5 مارس غادر بايرون وهوبهوس أثينا واستقلتهما سفينة إنجليزية (البايلادز Pylades) قاصدين سميرنا Smyrna، وأجبروا هناك على الانتظار شهرا حيث أكمل الشاعر النشيد الثاني في مؤلفه الشعري (شايلد هارولد Childe Harold )· وقام برحلة جانبية استغرقت ثلاثة أيام إلى إفسوس Ephesus واستوحى خرائب (آثار) مدينة شهدت أوج الحضارات الثلاث - الإغريق، والمسيحية والإسلام (النص: الديانة المحمدية)· ولاحظ هوبهوس أن انحلال الأديان الثلاثة يقدم هناك من وجهة نظر واحدة(7)·
وفي 11 أبريل عبروا (الشاعر وهوبهوس ومن معهما) على الفرقاطة سالست Salsette إلى القسطنطينية (المقصود إستانبول)، وأدت الرياح القاسية والموانع الدبلوماسية للإبقاء على السفينة طوال أسبوعين راسية على الجانب الأسيوي من الدردنيل، ووطئ بايرون وهوبهوس سهل طروادة Troad Plain على أمل أن يكون قد غطى عظام هومر Homers Ilium ولكن شليمان Schliemann لم يكن قد ولد بعد· وفي 51 أبريل قام بايرون والضابط البحري الإنجليزي - الليفتنانت وليم إكنهيد بالانتقال عبر الهيليسبونت Hellespont إلى الجانب الأوربي، وحاولا العودة سباحة لكنها عانيا من شدة التيار وبرودة الماء· وفي 3 مايو حاولا مرة ثانية وعبرا من سيستوس Sestos في الجانب الأوربي من تركيا إلى أبيدوس Abydos في آسيا الصغرى· وأنجز إكنهيد Ekenhead قطع المسافة في 56 دقيقة أما بايرون فأنجزها في سبعين دقيقة، وكان طول القناة في هذا الموضع (المقصود القناة الموصلة بين البر والأسيوى والبر الأوربي) ميلا واحدا فقط، لكن التيارات المائية أجبرتها على السباحة أكثر من أربعة أميال(8)·
ووصل السائحان إلى القسطنطينية (المقصود إستانبول) في 21 مايو وأثارت المساجد إعجابهما وغادراها في 41 يوليو وفي السابع عشر من الشهر نفسه رست سفينتهما في مرفأ زي 'Zea في جزيرة كوس Koes، وهناك افترقا فتابع هوبهوس طريقه إلى لندن واستقل بايرون وفلتشر قارب آخر متجها إلى باتراس Patras· ومرة أخرى عبر الطريق البري إلى أثينا· وهناك راح بايرون يواصل بحثه الطويل عن الفروق بين النساء (الفوارق الأنثوية)· لقد تباهى بغزواته (المفهوم طبعا غزواته النسائية) وأصيب بالسيلان، وسار سراعا في طريق الاكتئاب، ففي 62 نوفمبر كتب إلى هوبهوس: لقد رأيت العالم الآن ··· وذقت كل أنواع اللذة·· ليس لي من أمل آخر· وربما بدأت في التفكير في أفضل طريقة للخروج من هذا العالم ·· آمل أن أستطيع أن أجد بعضاً من نبات الشوكران (نبات سام) الذي حصل عليه سقراط(9) وفي يناير سنة 1181 استأجر غرف لإقامته وإقامة بعض خدمه في دير كابوشن Capuchin عند سفح الأكروبوليس وراح يحلم بالسلام (النفسي) الذي تتيحه الحياة في دير·
وفي 22 أبريل غادر أثينا لآخر مرة ومكث شهرا في مالطة ثم واصل رحلته عائدا إلى إنجلترا التي وصلها في 41 يوليو بعد عامين واثني عشر يوما من مغادرتها، وبينما كان منشغلا بتجديد عقوده في لندن تلقى خبر وفاة أمه عن عمر يناهز السادسة والأربعين، فاندفع متجها إلى مبنى دير نيوستيد Newstead، وقضى الليل جالساً في الظلام إلى جوار جثمان أمه وعندما توسّلت إليه الخادمة أن يترك الجثمان ويعود إلى غرفته رفض قائلا: لم يكن لدي إلا صديق وحيد في العالم إنها أمي· وقد فارقتني! وكان قد قال عبارة قريبة من هذه ونقشها على قبر كلبه (من نيو فوندلاند) بوتسوين Boatswain الذي مات في نوفمبر سنة 8081 ودفن في سرداب بحديقة الدير:
للتذكير ببقايا صديق أقمت هذا الشاهد، فلم يكن لي إلا صديق واحد - انه يرقد هنا· وفي أغسطس سنة 1181 سجل وصية لوقف مبنى الدير على ابن عمه جورج بايرون، وخصص منحاً لخدمه، وترك توجيهات تنفذ عند دفنه أريد أن يدفن جسدي في قبو في حديقة نيوستيد دون أية شعائر أو صلوات وألا ينقش على شاهد القبر أي شيء سـوى الذي هو مدفون فيه(01) وبعد أن رتب الأمور المتعلقة بموته اتجه إلى لندن لمواصلة غزواته·