قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> الشعراء الثوريون -> التطور الأول

6- التطور الأول


شيلي 1181 - 2181


استأجر شيلي وهوج مسكنا في 51 شارع بولاند Poland st وأتى والد شيلي - الذي كان في لندن لحضور جلسات البرلمان - إليهما وطلب منهما التراجع عن آرائهما فلما وجد ابنه متمسكا بموقفه أمره بالانفصال عن هوج لما له من تأثير شرير عليه وأن يعود إلى بيت الأسرة ويمكن هناك في رعاية شخص سيعينه الأب وعليه الاستماع لتعاليمه وتوجيهاته، ورفض شيلي فتركهما الأب غاضبا يائسا· لقد اعترف بقدرات شيلي وكان يتطلع لتبوئه مكانا مرموقاً في البرلمان· وترك هوج لندن قاصدا يورك لدراسة القانون وسرعان مانفد ما كان مع شيلي من مال وراحت أخواته اللاتي كن يدرسن في مدرسة مسز فننج Mrs. Fenningصs School في محافظة (دائرة) كلافام Claphan يرسلن له ما يحصلن عليه من مصروف· وفي شهر مايو رق قلب أبيه فسمح له بمئتي جنيه استرليني في العام·
وكان من بين زميلات أخواته في (كلافام) فتاة في السادسة عشرة من عمرها هي هاريت وستبروك، وهي ابنة مالك ثري لحانة في ميدان جروسفينور· وعندما التقت ببيرسي فتنت بنسبه وبراعته في اللغة واتساع دائرة دراساته وسحر آرائه الفاتنة، وسرعان ما آمنت مثله أن الرب قد مات وأن القوانين إزعاج غير ضروري· وقرأت بشغف النصوص الثائرة التي أعارها إياها، والكلاسيات المترجمة التي تعكس حضارة رائعة، لم تسمع أبداً أن المسيح أتى بمثلها· ودعته لبيتها· وكتب شيلي إلى هوج في مايو سنة 1181 إنني أقضي معظم وقتي في منزل الآنسة وستبروك إنها تقرأ المعجم الفلسفي لفولتير(15) Dictionnaire Philosophique وعندما اكتشفت زميلاتها أن صديقها ملحد atheist قاطعنها باعتبارها قد شمت بالفعل ريح جهنم وعندما ضبط معها خطاب منه تم فصلها· وفي بدايات شهر أغسطس كتب شيلي إلى هوج: أبوها يضطهدها بشكل مرعب لإجبارها على الذهاب إلى المدرسة لقد طلبت نصيحتي، فنصحتها بالمقاومة وحاولت في الوقت نفسه أن أطوع السيد وستبروك، لكن دون جدوى! ونتيجة نصيحتي لها جعلت حمايتها على كاهلي(25) ثم تناول نتائج هذا فقال في خطابه لقد أصبحت أخيرا مرتبطة بي وخائفة ألا أبادلها موقفها··· من غير الممكن أن أبتعد عن إنسانة لها مثل هذه المشاعر، لقد قررت أن أربط مصيري بمصيرها(35) ومن الواضح أنه عرض عليها الارتباط بعلاقات حب حرة لكنها رفضت فلما اقترح عليها الزواج وافقت لكن والدها رفض· وفي 52 أغسطس هرب العاشقان واستقلتهما مركبة إلى أدنبره Edinburgh وتزوجا على وفق طقوس الكنيسة الإسكتلندية في 82 أغسطس 1181 واستسلم أبوها للأمر الواقع وخصص لها مبلغاً سنويا مقداره 002 جنيه· وأتت أختها الكبرى إليزا Eliza لتعيش معها في يورك (اعترف شيلي أنه كان صفر اليدين) وكان شيلي ينفق من ميزانية الأسرة، وذكر أن إليزا كانت تحتفظ بالميزانية المشتركة في أحد جيوبها لتخرج منها عند الطلب(45) ولم يكن شيلي سعيدا تماما بالإشراف المالي لإليزا لكنه كان يجد عزاءه في مرونة هاريت وانصياعها له· لقد كتب في وقت لاحق إلى جودون: إن زوجتي تشاركني أفكاري ومشاعري(55)·
ومكثت هاريت وإليزا - غير بعيدتين عن هوج - في يورك، بينما ذهب شيلي إلى لندن ليلين من عريكة والده الذي كان قد أوقف دعمه المالي له بعد أن سمع بزواجه من هاريت، وبعد أن تودد الشاعر إليه عاد فسمح به لكنه منعه (أي منع ابنه) من دخول منزل الأسرة، وعاد شيلي إلى يورك ووجد أن صديقه العزيز هوج كان قد حاول اغتصاب زوجته هاريت· إنها لم تقل لزوجها شيئا عن هذه المحاولة لكن هوج هو الذي اعترف وطلب الغفران ورحل· وفي نوفمبر غادر الثلاثة (الشاعر وإليزا وهاريت) إلى كزويك Keswick حيث تعرف شيلي على الشاعر سوثي Southey (ترد أحيانا في الكتابات العربية: صثي) الذي كتب في 4 يناير 2181 يوجد هنا رجل هو مثل قرين لي· إنه كشبحي· إنه يشبهني تماما عندما كنت في سنة 4971 ·· لقد قلت له إن الفرق الوحيد بيننا أنه في التاسعة عشرة من عمره وأنا في السابعة والثلاثين(65) ووجد شيلي أن سوثي شخص لطيف وكريم وراح يقرأ شعره بلذة· وبعد ذلك بأيام قلائل كتب: إن سوثي يفكر بطريقة أسمى من الطريقة التي أفكر بها·· ولابد أن أعترف أنني عندما أراه في أسرته يبدو أكثر ما يكون سناء وبهاء··· كيف أزعجه العالم وأفسدته العادات، إن قلبي يتمزق عندما أفكر فيما آل إليه(75)·
ووجد بعض التسلية والمتعة عند قراءة كتاب جودون (العدالة السياسية)· وعندما علم أن هذا المؤلف الذي كان ذات يوم فيلسوفا مشهورا أصبح يعيش الآن فقيرا في الظل، كتب خطاب إعجاب: لقد سجلت اسمك في قائمة العظماء الذين وافتهم المنية· لقد شعرت بالأسف لأن عظمة وجودك قد فارقت عالمنا الأرضي· ولم يكن الأمر كذلك· فأنت ستظل حيا وإنني أعتقد جازما أنك تخطط لرفاهية الجنس البشري· إنني لم أدخل إلا لتوي في معترك التفاعلات البشرية ومع هذا فمشاعري وتفكيري تواصلا مع مشاعرك وأفكارك·· إنني شاب وشغوف بقضايا الفلسفة والحقيقة·· عندما آتي إلى لندن سأبحث عنك· إنني مقتنع أنني أستطيع المثول أمامك مع أنني غير جدير بصداقتك·
وداعا· سأكون متشوقا لتلقي إجابتك(85)· وفقد رد جودون، لكن يمكننا الحكم على فحواه من خطابه المؤرخ في مارس 2181: على قدر ما أستطيع التغلغل في شخصيتك فإنني مقتنع أن فيك جملة من الصفات الحميده بشكل غير عادي، وإن كانت لا تخلو من بعض العيوب· وهذه العيوب تحدث دوما وبشكل أساسي نتيجة كونك لازلت صغيرا جدا، وأنك لست مقتنعا قناعة كافية بهذا ونصح شيلي ألا ينشركل ما يعن له، وإن نشر شيئا من هذا النوع ألا يضع اسمه عليه فحياة الإنسان الذي ينشر ويوقع ستكون سلسلة من التراجعات(95)·
وكان شيلي بالفعل يطبق هذا بالاحتفاظ بمخطوطات مؤلفاته أو يطبعها طبعات خاصة (محدودة) وأول تآليفه المهمة (Queen Mab) كنت قد كتبتها وأنا في الثامنة عشرة من عمري - وأجرؤ على القول أنني كتبتها بحماس كاف وروح عاليه - لكنني··· لم أكن أنوي نشرها(06) وفي سنة 0181 كان لايزال مولعا بالمثقفين والمفكرين الفرنسيين لقد قدم لقصيدته (Queen Mab) بشعار فولتير الغاضب Ecrasez l infame! واستعار أفكارا كثيرة من كتاب فولني Volney Les Ruines, ou Meditations sur les revolutions des Empires (1971) في مطلع القصيدة الآنف ذكرها نجد يانث Ianthe العذراء نائمة· وفي الحلم نجد الملكة ماب (وهي جنية) تهبط عليها من السماء وتصعد بها إلى النجوم وتطلب منها أن تتأمل من هذا المنظور ماضي الأرض وحاضرها ومستقبلها فمرت أمام عينيها إمبراطوريات الماضي متتابعة - مصر وتدمر واليهودية والإغريق والرومان··· وعند الانتقال إلى الحاضر صورت الملكة ماب ملكاً (من الواضح أن المقصود هو الوصي على العرش) هو في الحقيقة عبد لنهمه الشديد(16) ودهشت لأن أحدا من البؤساء الذين يجوّعهم بينما هو متخم لم يرفع ذراعه للإطاحة به من فوق عرشه· فأطلقت حكمها الذي أصبح الآن مشهورا:
- الرجل
- ذو الروح الفاضلة العفيفة لا يأمر ولا يؤمر
- فالسلطة كالطاعون المدمر،
- تلوث كل ما تمسه(26)·
وكانت الملكة ماب تكره أيضا التجارة وتكره آدم سميث: إن اتساق وسعادة شخص يستسلم لثروة الأمم يتمثلان في أن كل شيء للبيع حتى الحب(36)· وصورت لها أيضا إحراق ملحد مما أرعب البكر يانث Ianthe فواستها الملكة بأن أكدت لها أنه لا وجود لله There,s no God(46) ودخل أهاسويروس Ahasuerus اليهودي الجوال وراح يوبخ الله God كما ورد في سفر التكوين (السفر الأول من التوارة) لأنه عاقب بليون رجل وامرأة وطفل عبر آلاف السنين من أجل خطيئة غير مفهومة (خطيئة غامضة) ارتكبتها امرأة واحدة(56)· (ربما وجد بايرون هنا أفكار أوحت له عمله قابيل Cain، وكان شيلي قد أرسل بصفة شخصية نسخة من عمله - ملكة ماب)· وأخيرا صورت الملكة ماب (الجنية) مستقبلا زاهرا: الحب بلا قانون· السجون خالية ولا لزوم لها· لا بغاء· الموت بلا ألم· وعندئذ أمرت يانث Ianthe بالعودة إلى الأرض لتبشر بإنجيل الحب العالمي، وكان لديها إيمان غير واهن بانتصار هذا الحب· واستيقظت يانث Ianthe· إنها قصيدة قوية رغم فكرها الصبياني ورغم أسلوبها عالي النبرة في بعض المواضع (المقصود الأسلوب المنمق أو الطنان رغم بساطة المعنى)· وعلى أية حال فقد كان هذا عملا لافتا للنظر لفتى في الثامنة عشرة من عمره· وعندما تم نشر (الملكة ماب) في سنة 1281 دون موافقة الشاعر رحب بها الراديكاليون في إنجلترا باعتبارها تمثل حلمهم وخلال عشرين عاما ظهرت منها أربع عشرة طبعة غير مرخص بها(66)· وبعد أن مكث شيلي وهاريت في أيرلندا (فبراير - مارس 2181) حيث عمل ببطوله محايدة لصالح قضايا الكاثوليكية والبروليتاريا، انتقل إلى ويلز· وهناك فجع وزوجته بمناظر الفقر السائدة فاتجها إلى لندن ليؤسسا صندوقا لجمع الأموال لصالح أهل ويلز· وانتهز هذه الفرصة لتقديم احترامه لجودون الذي سره أن تتزاور أسرتاهما كثيرا· وبعد زيارات قصيرة متكررة لأيرلندا وويلز استقر الزوجان الشابان (شيلي وهاريت) في لندن· وهناك أعاد شيلي وهاريت مراسم زواجهما على وفق طقوس كنيسة إنجلترا ليضمنا شرعية أي ابن يرزقانه ليكون وريثا شرعيا، وكان هذا في 42 مارس سنة 4181· وكان شيلي قبل ذلك ببعض الوقت قد كتب لها قصيدة يجدد فيها حبه وعهده بمناسبة عيد ميلادها:
- هاريت، دعي الموت يدمر كل الروابط الزائلة،
- أما رباطنا فلن يتمزق أبدا،
- فالفضيلة والحب، راسخان صامدان
- وكذا الحرية والإخلاص والنقاء،
- فروحي مكرسة لك في هذه الحياة(76)·



صفحة رقم : 14673