قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> الشعراء الثوريون -> التطور الثاني

7- التطور الثاني


شيلي 2181 - 6181


بدا شيلي خلال كل جولاته لا يفكر في تدبير مورد رزق له· ربما كان يشارك وردزورث نظرته في أن الشعر لا شريك له وأنه لا بد من إعفاء الشاعر من العمل أو الاهتمامات التي قد تخنق الشعر في دمه· ولم يكن يرى تناقضا بين دعوته للمساواة في الحقوق في ظل جمهورية وجهوده في الحصول على نصيبه من الثروة التي وقفها جده على أبيه· وقد أضاف إلى المبلغ السنوي الذي خصصه له والداه مبلغاً آخر فقد باع للمرابين حقه الذي سيحصل عليه بعد وفاة والده، ففي سنة 3181 تقاضى 006 جنيه نقدا مقابل تنازله عن ألفي جنيه من ميراثه المتوقع·
وربما شجع المرابين على ذلك هشاشة بنيانه، والأمراض التي كانت تعاوده دوما· فالآلام الدائمة التي كانت تعتري جنبه الأيسر (كما ذكرت زوجته الثانية) كانت تؤثر في أعصابه فتحيله حساساً حساسية شديدة، وتجعل نظرته للحياة مختلفة عن نظرة إنسان سليم الصحة· لقد كان يعاني من الاضطراب والقلق إلى حد كبير وكان أقرب ما يكون إلى الاستثارة وكانت قدرته على التحمل دوما يتسع مداها، حتى يكون لطيفا مع الآخرين متذرعاً بالصبر(86)·
وظن أن بمقدوره تخفيف آلامه بتناول وجبات نباتية، وتمسك بهذا الأمل بناء على تجارب وصفها جون نيوتن في كتابه عودة للطبيعة أو دفاع عن الرجيم النباتي (1181)· وثبت على هذه الفكرة فأصبح هو وهاريت نباتيين في سنة 2181· وفي سنة 3181 تحمس لما أسمته زوجته (النظام الفيثاغورسي)(96) فأقحمه في تعليقاته على قصيدة (الملكة ماب) ودعا إليه:
إنني أناشد كل الذين يحبون السعادة والحقيقة أن يجربوا بشكل مناسب النظام النباتي (الاكتفاء بأكل ما هو نباتي)·· إنني أدعوهم لهذا بحق ما هو مقدس في آمالنا لصالح الجنس البشري··· فالوجبات النباتية والماء النقي لا تسببان أمراضاً بدنية أو عقلية (نفسية)، بل إنه لا يوجد مرض إلا ويسكنه هذا العلاج الناجع (الماء والنبات) فيتحول الضعف إلى قوة ويتحول المرض إلى صحة(07)·
وفي مطبوع (الدفاع عن الوجبات الطبيعية Vindication of Natural Deit) (3181) عزا الدوافع الشريرة للبشر ومعظم الحروب للوجبات التي تحتوي على لحوم ودعا إلى ترك التجارة والصناعة والعودة للزراعة:
عندما نأخذ بالنظام الطبيعي لن نكون بحاجة إلى بهار الهند ولا نبيذ البرتغال وإسبانيا وفرنسا وماديرا···· إن روح الأمة التي ستبادر بقيادة هذا الإصلاح العظيم ستصبح - لا إرادياً - زراعية· فالتجارة بكل آثامها وأنانيتها ستنهار تدريجيا، ومزيد من العادات الطبيعية سيتمخض عنها طباع أكثر دماثة(17)·
وأدت ظروف غريبة متتابعة نتجت عن نباتيته (مذهبه في الاقتصار على تناول ما هو نباتي) إلى دمار زواجه الأول· فبسبب إعجابه بجون نيوتن قابل أخت زوجته (أي أخت زوجة جون نيوتن) السيدة جون بوينتون John Boynton النباتية الجمهورية، الجذابة رغم شعرها الأبيض، والقادرة على إجراء مناقشات تنم عن علم وثقافة بالغتين· وفي يونيو سنة 3181 وضعت هاريت مولودة جميلة أسماها شيلي (يانث) وفي هذا الصيف انتقل بزوجته وابنته والأخت إليزا إلى براكنل وهو مكان جميل يبعد عن لندن بثلاثين ميلا· وبعد ذلك بفترة يسيرة استأجرت السيدة بوينتون منزلاً هناك وجمعت حولها المهاجرين الفرنسيين (الذين تركوا فرنسا بسبب الثورة الفرنسية) والراديكاليين الإنجليز الذين كانت آراؤهم في الحكم والتشريع تعجب شيلي· وزادت فترات افتراقه عن هاريت وابنته يانث وإليزا فقد كان يذهب للاستمتاع بصحبة السيدة بوينتون وأصدقائها وابنتها المتزوجة·
ولم تعد علاقته بزوجته حميمة تماما كما كانت إذ يعدو أنه بدأ يشعر بشيء من التأخر في تطورها الفكري، كما أنها راحت تنشغل بابنتها انشغالا شديدا، ولم تعد تهتم بالسياسة بل راحت تهتم كثيرا بالمسرات والملابس الجميلة، وقد اشترى من أجلها عربة غالية الثمن، وفي هذه الفترة الحرجة تلقى في 62 مايو 3181 من والده مايفيد أنه (شيلي) إذا لم يتراجع عن إلحاده atheism ويعتذر لعميد كليته في أكسفورد، فإنه (أي الوالد) سيحرمه من الميراث ويمنع عنه كل مساعدة مالية وكان شيلي قد استدان مقدماً على حساب الثروة التي ستأتيه بعد ذلك (استدان في 4 أغسطس3181) وذعرت هاريت وأختها إليزا· أحقا لاتستحق باريس إقامة قداس؟! (المقصود أن هذه الأحوال ومثلها مبرر كاف لقيام الثورة الفرنسية) ورفض شيلي التراجع عن آرائه وواصل سهراته المسائية التي تقيمها السيدة بوينتون· وأرسل جودون مايفيد أن دائنيه يهددون بالقبض عليه وطلب المساعدة· وفي يونيو سنة 4181 انتقلت هاريت وابنتها إلى باث Bath متوقعة أن يلحق بها زوجها بسرعة، لكن شيلي ذهب إلى لندن واستأجر غرفة في شارع فليت وحاول أن يجمع مالاً لصالح جودون وكان غالبا ما يتناول غداءه على مائدة هذا الفيلسوف في شارع سكينر Skinner، وهناك التقى بماري جودون·
لقد كان دفاعها عن حقوق المرأة دفاعا طيبا لكن لم يلق قبولا على نطاق واسع، وكان شبابها الغض وعقلها النشيط· ووجهها الشاحب المفكر وإعجابها الذي لم ينته بشيلي - كبيرا جدا بالنسبة لشاعر لازال شابا في الحادية والعشرين من عمره· ومرة أخرى اختلطت الشفقه بالرغبة· وكان طالما سمع عن ماري ولستونكرافت وكتابها المثير للانتباه، وها هي ابنتها التي لم تكن سعيدة بحياتها مع زوجة أبيها القاسية، تذهب كثيرا لتجلس وحيدة بجوار قبر أمها· وهنا شعر شيلى معها بتآلف نفسي وعقلي ووجدها أرقى عقلا وألطف روحا من هاريت، وفي غضون أسبوع بدا له أنه يحس إزاءها بعاطفة قوية لم يألفها من قبل· وفي 6 يوليو طلب من جودون يد ابنته، واعتبر الفيلسون المندهش هذا الطلب فسقا منه فمنعه من دخول بيته، ووضع ماري في رعاية زوجته (زوجة أبيها)(27)·
وبعد ذلك وجد توماس لف بيكوك الشاعر يكاد يكون مهتاجا في غرفته بشارع فليت·لاشيء كالذي رأيته سبق لي أن قرأته في الحكايات أو التاريخ· لاشيء يقدم صورة أوضح للمفاجأة والعنف وعدم الاستقرار·· والوجد ··· أكثر من الصورة التي وجدته عليها عندما دعاني لآتيه من الريف··· لقد كانت عيناه كالدم وشعره مهوشا وثيابه غير مهندمة·· وأحضر زجاجة من اللودانيوم (مستخضر أفيوني) وقال: لن أفارق هذه(37)·
ورغم كل هذه العراقيل رتب شيلي الأمر ليقابل ماري عند قبر أمها وخفف اعتراضها بأن أخبرها أن هاريت لم تكن مخلصة وأنها كانت تخونه مع المدعو السيد (مستر) ريان(47) M.r Ryan واستمر لفترة ينكر أبوته للطفل الذي تحمله هاريت في بطنها الآن (في وقت لاحق زعم أنه ابنه)· وأنكرت اتهامه وأيدها أصدقاء شيلي: بيكوك، وهوج، وتريلاوني، ومتعهد نشر كتبه هوكهام· وقد رفض جودون في وقت لاحق هذه التهمة(57)· وكتب شيلي إلى هاريت (وكانت لاتزال في باث) وطلب منها القدوم إلى لندن فأتت في 41 يوليو 4181 إلى بيت والدها فزارها الشاعر هناك ووجدها مريضة بشكل خطر، فطلب منها أن توافق على الانفصال عنه لكنها رفضت وعندما عاد إلى غرفته كتب لها خطابا محموما يقترح فيه عليها نوعاً من الاتفاق:
يا أعز صديقة:
رغم أنني كنت منهكاً عندما التقينا ورغم أننا سنلتقي غدا في الساعة الثانية عشرة، فإنني لم أستطع منع نفسي من الكتابة لك· لقد أصبحت هادئا وأكثر سعادة بسبب تأكيداتك··· لهذا يا عزيزتي هاريت فإنني أشكرك من أعماق روحي· ربما كان هذا أعظم ما تلقيت من بركة على يديك· لقد كرهت النهار في وضحه وكرهت - بعمق - حتى وجودي· لقد عشت على أمل أن تمنحيني السعادة، والعزاء لما أنا فيه، ولم يخب أملي· إنني أكرر لك (صدقيني فأنا مخلص فيما أقول) أن ارتباطي بك لم تنفك عراه، بل إنني مقتنع أنه قد أصبح أعمق وأكثر ديمومة فهو الآن أقل عرضة لتقلبات الهوى والنزوات· فارتباطنا لم يكن ارتباط هوى ونزوة، بل لقد كانت الصداقة هي أساسه، وعلى هذا الأساس كبرت هذه الصداقة وقويت، فأنت لم تملئي قلبي بمشاعر المعاناة··· ألن أكون أكثر من صديق؟ آه·· سأكون أكثر من أخ، فأنا والد ابنتك الحبيبة لكلينا···
إن أردت الدفع لأصحاب المصارف قبل أن أراك، فإن هوكهام سيعطيك كل الشيكات·
وداعا· أحضري معك طفلتي الحبيبة الحلوة، فلا بد أنني سأكن لها حبا للأبد من أجلك·
المخلص والمحب دوما
?· ب· شيلي(67)
وروت هاريت
وروت هاريت الأمور من وجهة نظرها في خطاب إلى كاترين نُوجِنْت مؤرّخ في 02 نوفمبر سنة 4181:
··· إن ماري مصرة على اغتصابه··· لقد ألهبت خياله باصطحابه إلى قبر أمها كل يوم وبمداومة الحديث عن أمها حتى أخبرته أخيرا أنها تموت فيه حبا··· فلم لا نعيش جميعا معا؟ هكذا سألته ماري· أنا كأخته وهي كزوجته؟ وكان من الغباء أن اعتقد بإمكان هذا، فأرسل يطلبني ثم أقام في باث Bath· يمكنك تصور شعوري بعد افتضاح هذا الأمر· لقد لازمت الفراش طوال أسبوعين ولم أستطع إنجاز شيء· لقد توسل إليّ أن نعيش··· وها أنا يا صديقتي العزيزة في انتظار أن أضع طفلاً في هذا العام المحزن· وفي الشهر القادم سأكون حبيسة المخاض، ولن يكون قريباً مني·
هـ· شيلي(77)
وقدم لنا جودون بعض التفاصيل في خطاب أرسله إلى جون تايلور مؤرخ في 72 أغسطس سنة 4181:
لقد كنت أثق فيه (أي شيلي) إلى أقصى درجة فقد عرفته سريع التأثر بالمشاعر النبيلة· لقد كان رجلاً متزوجاً عاش بسعادة مع زوجته طوال ثلاث سنين··· وفي 62 يونيو (وكان يوم أحد) اصطحب ماري وأختها جين كليرمونت إلى قبر أم ماري··· وهناك يبدو أن فكرة غير تقية راودته· لقد فكر في اغتصابها، فخانني بعد أن ائتمنته، وهجر زوجته··· وفي السادس من يوليو، وكان يوم الأربعاء·· وصل به الجنون حدا جعله يفضي إليّ بما يعتزمه وطلب موافقتي، فتجادلت معه··· فوعدني في لحظة وهو في غاية التأثر بالتخلي عن حبه الآثم·· لكن الاثنين خدعاني، ففي ليلة 72 يوليو هربت ماري وأختها جين من بيتي وفي الصباح وجدت خطابا يخبرانني فيه بفعلتهما(87)·
وكانت جين كليرمونت أختا غير شقيقة لماري فهي ابنة زوجة جودون الثانية من زوجها السابق· وكان اسمها الأصلي كلارا ماري جين، لكنها كانت تفضل أن ينادوها كلارا ثم أصبح اسمها كلير(Claire أو Clare)· ولدت في 72 أبريل 8971، وقد بلغت الآن السادسة عشرة من عمرها، وكانت صالحة للزواج بشكل واضح· لقد كانت موهوبة وحساسة ومعتزة بنفسها ولم تكن مرتاحة لسلطة أمها المرعبة وطباعها الثائرة، وكان زوج أمها مفلساً ومنشغلاً بدرجة لم تمكنه من تعويضها بأي قدر من الحب، فطلبت من ماري وشيلي أن يأخذاها معهما· وقد كان، ففي 82 يوليو سنة 4181 هرب ثلاثتهم من لندن إلى دوفر ومنها إلى فرنسا·
وفي 02 أغسطس وصلوا إلى لوسيرن، فلم يجد شيلي أية رسائل في انتظاره ولم يأته مال من لندن، ولم يكن معه سوى ثمانية وعشرين جنيهاً، فأخبر رفيقتيه وهو حزين بضرورة العودة إلى إنجلترا لتدبير المسائل المالية· فاستقلتهما عربة ثم قارب وأسرعا للشمال، وفي 31 سبتمبر سنة 4181 كانوا - مرة ثانية - في لندن· ومكث طوال اثني عشر شهرا مختبئا من دائنيه، بل واقترض أموالاً أخرى ليطعم نفسه وماري وكلير وجودون الذي كان لايزال يرفض رؤيته لكنه رحب بالمساعدة المالية· وفي هذه الأثناء وضعت هاريت مولودها الثاني، وأسمته شارلز، ووضعت ماري مولودها الأول وليم· وأوت كلير إلى مخدع بايرون· وأخيرا مات جد شاعرنا تاركا ثروة لوالد شيلي الذي أصبح الآن هو السير تيموثي شيلي - تقدر بثمانين ألف جنيه· لقد أصبح شيلي الآن وارثا، لكن والده لم يعترف بذلك · لقد عرض عليه التنازل عن حقوقه مقابل مبلغ سنوي قدره ألف جنيه فوافق، فجعل شيلي مائتين منها كل عام لهاريت، وفي 4 مايو 6181 غادر الشاعر وماري ووليم وكلير مرة أخرى قاصدين دوفر ومنها إلى فرنسا، وكان بايرون - قبلهم بتسعة أيام قد نفض عن قدميه تراب إنجلترا·



صفحة رقم : 14674