قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> الشعراء الثوريون -> إجازة سويسرية
8- إجازة سويسرية
بايرون وشيلي 6181
اختار شيلي وكذلك بايرون، دون اتفاق سابق، سويسرا لتكون ملاذا لهما، واختارا جنيف لتكون مركزا لنشاطهما· ووصلت جماعة شيلي في 51 مايو واتخذت لها محل إقامة في ضاحية سيشيرون Secheron· أما بايرون وبطانته فاستقلتهما في أوستد مركبة فخمة كان قد أمر بتشييدها بتكلفة خمسمائه جنيه على نمط مركبة كان يستخدمها نابليون واستولى عليها أعداؤه في جناب Genappe بعد هزيمته في واترلو· لقد كان بها سرير ومكتبة وكل مايلزم لتناول الطعام· وقام بايرون يجولة خاصة في أرض المعركة (واترلو) وتفقد ما تخلف عنها، وربما يكون قد ألف في بروكسل هذه الليلة المقاطع الشعرية من 12 إلى 82 وهي المقاطع الأكثر خلودا في النشيد الثالث في (رحلة شيلد هارولد Childe Harold Pilgrimage) وفي 52 مايو وصل إلى فندق دنجلتير d,Angleterre الواقع على بعد ميل إلى الشمال من قلب جنيف، فطلب منه موظف الاستقبال كتابة سنّه فكتب مائة واكتشفت كلير كليرمونت التي كانت مشرفة بمراجعة أسماء الواصلين فأرسلت إليه تواسيه لكبر سنه واقترحت عليه اللقاء· وفي 72 مايو أتى ليلتقي بشيلي وماري وكلير فكان هذا أول لقاء بين الشاعرين· وكان بايرون قد قرأ (الملكة ماب) فامتدح القدرة الشعرية لكنه صمت تأدبا فيما يتعلق بالجانب السياسي الذي تنطوي عليه، فقد كان من الصعب أن يتوقع من شاب في الرابعة والعشرين أن يفهم فضائل الأرستقراطية - رغم أنهما ربما اتفقا على أهمية التوريث· وأخيرا اعتبر شيلي أن لورد بايرون أرقى منه شعرا·
وفي 4 يوليو استأجر بيتا في مونتاليجر Montallegre التي تبعد عن جنيف بميلين، وتقع على الشاطئ الجنوبي لبحيرة جنيف· في 7 يوليو استأجر بايرون فيلا ديوداتي Diodati التي لا تبعد عن شيلي سوى بمسيرة عشر دقائق، واشتركا معا في استئجارقارب صغير وغالبا ما كانت الأسرتان تبحران فيه معاً في البحيرة كما كانا يقضيان الأمسيات في النقاش والمسامرة في فيلا ديوداتي· وهناك، في 41 يوليو، اقترح بايرون أن يكتب كل واحد منهم قصة عن الأشباح· وحاول كل منهم وفشلوا إلا ماري التي كانت في التاسعة عشرة من عمرها فقد ألفت واحدة من أشهر الروايات في القرن التاسع عشر· هي: فرانكنشتين أو برومثيوس المعاصر Frankenstein,or the Modern Prometheus وتم نشرها في سنة 8181 وكتب شيلي مقدمة لها· وقد طرحت القصة - من بين أمور أخرى كثيرة - قضيتين غاية في الأهمية، ماتزالان محل اهتمام: أيمكن للعلم أن يخلق الحياة؟ وهل يمكنه تسخير قوته لمنع الشر بنفس مقدرته على إزجاء الخير؟
واقترح بايرون أيضا أن يقوم هو وشيلي بالطواف بقاربهما المتواضع حول البحيرة وأن يتوقفا عند النقاط التاريخية خاصة التي حققت شهرة بسبب كتاب ورسو (Julie, ou La Nouvelle He,loise) ووافق شيلي رغم أنه لم يكن قد تعلم السباحة· وانطلقا في 22 يونيو واستغرق منهما الوصول إلى مليري Meillerie (في سافوي) يومين، وهناك تطلعا إلى البقعة التي افترق فيها سان - برو Saint - Preux عن جولي (كما ورد في الرواية أي أن هذه الأسماء وردت في الرواية وليس لها بالضرورة حقيقة تاريخية) وحيث - كما هو مفترض - نقش اسمها على الصخر· وواصلا الرحلة فتعرضا لعاصفة مفاجئة وغمرت الأمواج بشكل متكرر مقدمة القارب مهددة بقلبه رأساً على عقب، وقد تذكر بايرون بعد ذلك ما حدث لقد خلعت معطفي وطلبت منه أن يفعل الشيء نفسه وأن يمسك بالمجداف وأخبرته أنني أظن··· أنه يمكنني إنقاذه إذا لم يقاوم إذا أمسكت به··· فأجاب ببرود شديد أنه ليست لديه فكرة عن إمكانية إنقاذه وأن كل ما يمكنني عمله هو إنقاذ نفسي وتوسل ألا يزعجني(97)·
واستقر القارب ونزل الشاعران إلى البر واستراحا، وفي صباح اليوم التالي زارا شيلون Chilon والقلعة التي كان فرانسوا دي بونيفار de Bonnevard قد سجن فيها (0351 - 6351)، بأمر من دوق لوزان· وفي كلارنز Clarens كان شيلي يمسك بيده رواية روسو ليسترشد بها - لقد سار الشاعران على الأرض التي أصبحت جديرة بالذكر كمقدس للرومانسية الفرنسية· وفي 72 يونيو وصلا بقاربهما إلى أوشي Ouchy مرفأ لوزان، وفي هذه الليلة كتب بايرون سجين شيلون Prisoner of Chillon كما كتب مقاطع شعرية عن روسو في (شيلد هارولد Childe Harold) وفي 82 يوليو زار الشاعران منزلاً في لوزان كتب فيه جيبون كتابه (انهيار الإمبراطورية الرومانية وسقوطها)· وفي أول يوليو عاد الجوالان إلى مونتاليجو وديوداتي· وفي غضون الأسبوعين التاليين كتب بايرون النشيد الثالث في رحلة شيلد هارولد Childe Harold,s Pilgrimage ونسخت كلير كليرمونت نسخة منها فقد عرفت الآن إحدى لحظات السعادة القليلة في حياتها·
لقد كان قدرها أن يصاحبها سوء الحظ، فقد أدى إخلاصها لبايرون إلى إثارة الأقاويل في سويسرا لدرجة مؤذية: لقد كان هناك اتهام بأن الشاعرين كانا يعيشان مع الأختين في علاقات مشتركة غير شرعية، وسمى بعض الخياليين بايرون وشيلي بالشيطانين المتجسدين، وأصيبت سيدة إنجليزية تقوم برحلة في سويسرا، بالإغماء عندما ظهر بايرون في صالون مدام دي ستيل في كوبت(08)· وربما أسهمت هذه الأقاويل في تصميم بايرون على إنهاء علاقته بكلير· لقد طلب من شيلي ألا يسمح لها بالقدوم إلى فيلا ديوداتي مرة ثانية· وكانت كلير في ذلك الوقت حاملاً من بايرون، وكانت في شهر حملها الثالث، فطلبت أن يسمح لها بزيارة واحدة أخرى لكن تم إثناؤها عن عزمها· وفي 42 يوليو أخذ شيلي كلا من كلير وماري في رحلة إلى شامونكس Chamonix في سافوي· وفشلوا في هذا اليوم في محاولتهم الوصول إلى المير دي جلاس the Mer - de - Glace لكنهما نجحا في اليوم التالي· وعند عودتهما إلى سويسرا توقفا عند دير شارتيز Charteuse في مونتنفير Montenvers· وكتب تحت توقيعه في دفتر الزيارات - وقد أثارته مظاهر التدين - كتب باللغة اليونانية: إنني أحب البشر، وديموقراطي وملحد(18) وعندما زار بايرون بعد ذلك بفترة وجيزة المكان نفسه محا الكلمة الدالة على الإلحاد خوفاً من أن تستخدم في غير صالح شيلي في إنجلترا· وقد كان(28)· وفي 9 أغسطس غادر شيلي وماري وكلير سويسوا قاصدين إنجلترا، وأعطى بايرون، مخطوطة (سجين شيلون) والنشيد الثالث والرابع من (شيلد هارولد) لشيلي كي يسلمها للناشر جون مري· أما شيلي نفسه فقد كان مشغولا مع ماري وكلير فلم يحضر سوى (ترنيمة جمال الفكر) وقصيدة Mount Blanc: (أبيات كتبت في قصيدته (وادي شامونىكس Chamonix)· وهذه القصيدة تكاد تكون مرتبكة كنهيرات الجليد التي تهبط ملتفة حول المنحدرات الجبلية في المير دي جلاس Mer - de - Glace· فقد وجد شيلي انطباعاته عديدة ومتباينة حتى إنه كان غير قادر على التعبير عنها بوضوح بأي شكل من الاشكال وفكر برهة من الزمن في الكتلة الشاهقة مخاطبا إله الطبيعة كما تصوره وردزورث لكنه عاد مرة أخرى إلى الشعور بالكثافة الباردة تاركاً كل الأمور لأحكام البشر· وتظهر أيضا في قصيدته (ترنيمة جمال الفكر) بعض تأثيرات وردزورث لكن سرعان ما زوى إعلان شيلي بالخلود لقد عبر عن دهشته لوجود الظلمة جنبا إلى جنب مع النور، والشر جنبا إلى جنب مع الخير، وراح يحلم بخلاص الإنسان بتنمية إحساسه بالجمال وتعميقه وتوسيع مداه، ومتابعة الإحساس بالجمال في الفكر والعمل كما نتابعه في الشكل والبدن:
- لقد نذرت نفسي··
- لك·· ألم أف بنذري؟
- ليس من فرح أزال عن جبيني التقطيب
- فلا أمل لدي أن تتحرري
- فمن هذا العالم، من عبوديته المظلمة
- يمكنك التعبير عما لم تستطع هذه الكلمات التعبير عنه
- يا للفتنة المدهشة!(38)
وأخيراً كان على محاولات وردزورث، وبايرون، وشيلي أن تجد صديقا خيرا في طبيعة هوت أمام الحياد الهادئ، فاستسلم وردزورث لكنيسة إنجلترا، واستسلم بايرون وشيلي لليأس·