قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> الشعراء الثوريون -> شيلي

11- شيلي:الذروة


9181 - 1281


في الفترة من وصول شيلي إلى روما (9181) حتى ارتباطه ثانية ببايرون في بيزا، كانت قصائده هي الأحداث الكبرى في حياته· وهذا لا يمنع أنه قبل هذه الفترة كانت هناك ومضات شعرية فائقة الجودة متناثرة هنا وهناك في قصيدته الطويلة (الملكة ماب) وبعد ذلك في عمله Oz ymandias (7181) وهو سونتة (قصيدة من أربعة عشر بيتا) الفكر المحكم والقوة الهائلة فالأبيات المكتوبة في التلال الإيجانية Euganean Hills (8181) كان ينقصها مثل هذا التركيز في الفكر والحبكة في الشكل والصياغة، والأبيات المكتوبة وهو في حال اكتئاب Dejection بالقرب من نابلي (8181) مغرقة في المرارة والتحسر على الذات إغراقا شديدا لا يدفع على المواساة (التعاطف مع كاتبها)، فالمرء لا يجب أن يحمل أحزانه وتظلماته في أكمامه· لكنه الآن بعد ثلاث سنين طلع علينا بروميثيوس المنطلق: (قصيدة إلى الريح الغربية) و(إلى طائر القبرة) و (السحاب) و (إبيسيكيدون Epipsychidion) وأدونيس Adonais· ونغفل هنا عمله (The Cenci) (9181) الذي حاول فيه - محققا بعض النجاح - أن ينافس جون وبستر وغيره من دراميي اليعاقبة في عصر إليزابث في قصصهم الدموية القاتمة التي تعج قتلا وغشياناً للمحارم·
وعلى وفق مقدمة المؤلف (لبروميثيوس المنطلق) فإنه كتبها في أعلى حمامات كاراكالا Caracalla في روما سنة 0281·
وكان قد تحدى مؤلفي العصر الإليزابيثي بعمله (the Cencl) أما الآن فإنه يخاطر بقفزة أبعد بطموحه لتحدي الكتاب الإغريق· ففي (بروميثيوس المقيد) نجد إيسخيلوس يظهر العارف سلفاً fore knower كثائر· وتم تقييد تيتان Titan إلى صخرة في القوقاز ليوحي للبشرية كثيرا جدا من شجرة المعرفة· وفي البقايا المفقودة من هذه الثلاثية - على وفق المرويات - فإن زيوس فقد الآن قلبه وحرر بروميثيوس وفك قيوده كما حرره من الصقر الذي كان ينقر كبده باستمرار بناء على أوامر إلهية، ينقر كبد بطلنا كما ينقر الشك في صلب اليقين· وتصور (الدراما الغنائية Lyrical Drama) كما أسماها شيلي زيوس كبوربوني عجوز فظ مسؤول بقسوة عن تعاسة البشر وانقلاب حال الدنيا· لقد أطاح به بروموثيوس بكل حماسة خريج أكسفورد الفاهم المستوعب الذي يستدعي الأساقفة لحضور جنازة الرب (المقصود هنا جنازة زيوس)· وهنا يظهر ندم تيتان على قسوة لعنته: إنني لا أرغب في أن يعاني كائن حي من الآلام(98) لقد عاد يباشر مهمته التي اختارها - أن يجلب الحكمة والحب للبشرية· وهنا نجد روح الأرض Earth تهلل سعيدة هاتفة باسمه: أنت أكثر من إله، فأنت حكيم ورحيم(09) خلال الفصل الأول نجد الحديث محتملا وقصائد الأرواح الحاضرة تدمدم بقوة جوهرية، متلألئة بكنايات واستعارات ومجازات حلوة وقصائد مقفاة متسقة - لكن الخطب - سواء كانت لاهوتية أم غير لاهوتية ليست هي روح الشعر ونوره، فبالخطب تصبح القصائد الغنائية كريهة، وبالخطب تفقد القصائد فتنتها وإغراءها عندما تهبط كالصخرة على القارئ بإسراف مربك· إن الجمال في هذه الحال يصبح مصدر إزعاج لا ينتهي! ففي كثير من شعر شيلي نجد عواطف متأججة دون سكون، وكلما تقدمنا في القراءة أحسسنا شيئا من الضعف في هذا الشعر وأحسسنا بكثير جدا من المشاعر إزاء أفعال درامية قليلة جدا، وكثير جدا من حالات القلوب ومجموعات الورود (تقول روح الأرض: إنني كقطرة ندى تموت· إن أسلوبه الشعري يمكن أن يكون لائقا جدا بالقصيدة الغنانية لكنه بطيء بالنسبة إلى الدراما، فكلمة الدراما تعني من بين ما تعني الفعل والحركة، وعلى هذا فعنوان عمله (الدراما الشعرية Lyrical Drama) ينطوي على تناقض (فالقصيدة تركز على المشاعر، والدراما تركز على الحركة مع عدم إغفال المشاعر)(19) وعلى العكس من (الدراما الشعرية) نجد أن (قصيدة للريح الغربية Ode to the West Wind) تثيرنا لأن ما بها من أفكار ومشاعر قد تمّ تكثيفها في سبعين بيتاً· لقد ركز في قصيدته على فكرة واحدة، ولم ينشر المشاعر والعواطف على نحو ضحل، ولم يتخم قصيدته على ما فيها من ثراء القوافي والعبارات - إن الفكرة التي تتحلق حولها القصيدة هي أن الربيع آت بما يحمله من نماء رغم ما يعترينا من سخط نفقد الأمل فيه في أثناء الشتاء· لقد راح شيلي يستخدم المجاز الراقي على نحو متكرر· لقد كان هذا المجاز معيناً له عند التعبير عن عالم آماله وأحلامه الذي بدا حطاما أمام قسوة التجارب لكنه راح يأمل أن تبقى أفكاره وتنتشر من خلال أشعاره slash النص: تعاويذ أشعاره كما تذرو الرياح الأوراق المتساقطة فتنشرها· وقد حدث هذا بالفعل· هذه القصيدة التي لامست ذروة الشعر راودت الشاعر فكرتها فكتب معظمها كما يقول لنا شيلي نفسه في غابة تطوق الأرنو the Arno بالقرب من فلورنسا، في يوم كانت الريح فيه عاصفة··· مما أدى إلى تجمع الضباب فخرت أمطار الخريف(29) لماذا غادر شيلي روما؟ إن هذا يرجع في جانب منه إلى أنه كان يريد أن ينفرد بنفسه لأنه لم يتحمل القرب من السياح البريطانيين الذين كان رأيهم فيه أنه زان ملحد لا شاعر كبير· كما أنه هو وماري قد أثر فيهما كثيرا موت ابنهما وليم (7 يناير 9181) ولم يتجاوز الرابعة من عمره· ولم يستطع الأب ولا الأم أن يفيق من هول فقدان طفليهما في غضون تسعة أشهر· لقـد ظهـر الشـعر الأشـيب فـي حاجـب شـيلي رغـم أنـه لـم يتجاوز السابعة والعشرين من عمره·
وبعد دفن وليم في المقبربة الإنجليزية في روما انتقلت الأسرة إلى ليفورنو Livorno - لوجوريا الأنجليكانية وعندما راح يتجول في حديقة هناك شعر بالألم -ربما كأي شاعر - لهروب الطيور طيراناً خوفاً من اقترابه -وقد فتن على نحو خاص بطائر من هذا السرب كان يغني في أثناء تحليقه ، فلما عاد الشاعر إلى غرفته ألف قصيدته (إلى طائر القبرة) من شكلها الأول بتفاعيلها السداسية hexameters المتتابعة، وسرعة وقعها· وهذه المقاطع الشعرية المرحة كان كل بيت شعري فيها عامراً بالمشاعر الدافئة، والفكر الجاف، في آن واحد· وفي الثاني من شهر اكتوبر 9181 انتقل شيلي وأسرته إلى فلورنسا حيث وضعت ماري مولودها الثالث الذي سرعان ما أطلقوا عليها اسم بيرسي Percy· وفي فلورنسا وجدت كلير كليرمونت وظيفة معلمة خصوصية فأعفت - أخيرا - شيلي من رعايتها· وفي 92 أكتوبر 0281 نقل أسرته إلى فندق تري بالازي Tre Palazzi في بيزا حيث ربما يكون قد قام بأغرب مغامراته على الإطلاق· ورغم مرضه المتكرر فإنه لم يفقد حساسيته إزاء الجنس الآخر· وعندما وجد امرأة لم تكن فقط جميلة وإنما كانت تعسة، انجذب إلى جمالها وتعاستها· لقد كانت إيميليا فيفياني فتاة من أسرة راقية وضعوها على غير رغبتها في دير بالقرب من بيزا لضمان احتفاظها بعذريتها حتى يتم تدبير زوج ثري لها· وكان شيلي وماري - وأحيانا كلير يذهبون لرؤيتها وقد فتنوا جميعا بملامحها الكلاسية، ومسلكها المتواضع وبساطتها الواثقة، ورأى الشاعر فيها مثالاً للمرأة فأصبحت محور أحلام يقظته وكتب بعض هذه الأحلام في عمله (Epipsychidion) بعنوان (إلى روح فريدة) نشرها دون توقيع في سنة 1281· ومن أبياتها المدهشة:
لم أتصور أن أرى قبل مماتي

مثل هذا الشباب المكتمل· أحبك

يا إميلي، رغم أن العالم سيواري هذا الحب بخجل لا قيمة له·

آه ليتني وأنت توأمان في رحم أم واحدة

أو تبادلنا قلبينا

او نكون شعاعين في أبدية واحدة

أو أن يكون أحدنا شرعا، والآخر حقيقة

إنني ملك يديك

إنني لا أملك نفسي، فأنا قطعة منك!

ومن هذا الانجذاب الصوفي العاشق إلى انجذاب آخر:
قرينة، أخت، ملك، دليل قدري

دربك بلا نجوم (المقصود نورك يكفي)

آه لقد تأخر حبك، فأنت سرعان ما صرت معبودتي·

ففي حقول الخلود لابد أن تعبدك روحي، تعبدك أنت أول ما تعبد

يا ذات الحضور القدسي··

من الواضح أن ابن الثمانية والعشرين عاما كان في حالة انجذاب ومثالية، فقوانيننا ومعنوياتنا (أخلاقنا) لا يمكن أن تنظم تماما غددنا (تحكم نزواتنا) وإذا كان امرؤ عبقريا أو شاعرا فلا بد أن يجد خلاصا أو راحة في عمل أو فن· وفي هذه الحال كان العلاج أو الخلاص عن طريق قصيدة تتأرحج بين اللامعقول والتفوق (الامتياز):
سيأتي اليوم الذي ستطيرين فيه معي···

فالسفينة في المرفأ الآن،

والرياح تهب فوق حافة الجبل·· تهب ملوحة·

ليأخذهم إلى جزيرة في بحرإيجة الأزرق:
انها جزيرة بين السماء والهواء والأرض والبحر

جزيرة معلقه وسط السكون

هذه الجزيرة وهذا البيت هما ملكي وإنني أعدك

أن تكوني سيدة العزلة والانفراد·

وهناك ستكون هي حبه وسيكون هو حبها:
ستختلط أنفاسنا، وسيتضام صدرانا

وستخفق عروقنا معا وستلتقي شفاهنا ببلاغة أقوى من بلاغة الكلمات

تلتقي لتطفئ لظى الروح التي تحترق بينها

والينابيع الفوارة في عمق أعماق خلايانا

إنني متلهف· إنني أغرق· إنني أهتز نشوة·

لقد انتهيت!(39)·

أيمكن أن تكون هذه هي سهل شيلي؟ مسكينة ماري، لقد تركها لطفلتها بيرسي وأحلامها فلم تلحظ هذا السيل العرم لفترة· وفي هذه الأثناء تبدد الحلم فتزوجت إيميليا(49) وعدل شيلي عن خطيئته الشجية وراحت ماري تداوي أساها بفهم أمومي·
وعندما سمع بموت كيتس (مات في 32 فبراير 1281) دفعه هذا للارتقاء بشعره، وربما لم يهتم كثيرا من أجل Endymion لكن النقد القاسي الذي حيت به الدورية ربع السنوية Quarterly Review جهود كيتس العظيمة، أغضبت شيلي كثيرا فاستلهم الموزية (إحدى إلاهات الشعر عند اليونان) لتلهمة ترنيمة جنائزية (قصيدة رثاء) مناسبة· وفي 11 يونيو كتب لناشره في لندن: انتهيت من كتابة قصيدتي أدونيس Adonais وستسلمها حالا· قد لا يتقبلها العامة كثيرا لكنها ربما كانت أفضل أعمالي(59) وقد اختار شكلاً لهذه القصيدة الشكل الصعب الذي أخذ به الشاعر سبنسر والذي استخدمه مؤخرا جدا مع تحسين في نسق القوافي الشاعر بايرون في قصيدته (رحلة شايلد هارولد) وتعامل شيلي مع قصيدة الرثاء (النص: القداس المقام لراحة الميت) بكل عناية النحات الذي ينحت نصبا تذكاريا لصديق، لكن متطلبات الشكل الشعري الصارم (الوزن والقافية) أعطت لبعض الأبيات الشعرية طابعا مصطنعا· وقد بلغ عدد أبيات القصيدة خمسة وخمسين بيتا (مقطعا)· وقد افترضت القصيدة بعجلة أن النقد (الظالم) قتل كيتس، ودعا الشاعر المتفجع أن تحل لعنة كاللعنة التي أصابت قابيل على من طعن هذا الصدر البريء لكن تشريح جثة كيتس أظهر أنه مات بمرض السل الحاد(69)· ورحب شيلي في مقاطعه الشعرية الأخيرة في هذه القصيدة، بأن يموت، ففي الموت راحته لأنه سيلتقي بالميت الحي (المقصود كيتس):
-يبقى الواحد the One، ويتغير كثيرون ويمضون،
فنور الله Heaven يشرق دائما، وظلال الأرض تطير،

والحياة كقبة مزدانة بكثير من الزجاج الملون

تلقي ظلالها على شعاع الأبدية الأبيض فتغير لونه

حتى يسحقها الموت فيهشمها

أيها الموت إن كان هذا ما تطلبه

فلم تتوان! لم تتراجع! لم تحزن قلبي؟

آمالك ذهبت آنفا ونزعت من كل الأشياء هنا

لقد غادرتنا (فارقتنا) ولا بد أن تفارق أنت الآن···

إن أدونيس يناديك· آه! أسرع إلينا

لا تدع الحياة أكثر من هذا تفرّق ما يمكن أن يجمعه الموت··

لقد حملت دكانة وخوفا وبعدا

بينما روح أدونيس كالنجم

تهدينا إلى طريق الخالد الباقي·· إلى طريق الله(79)·

وكأنما كان كيتس يجيبه بأبياته الشعرية التي لا تنسى:
الآن أكثر من أي وقت، يبدو شيئا نفيسا أن تموت،

أن تتوقف أنفاسك في منتصف الليل بلا ألم،

بينما أنت تدفع روحك خارجك

في نشوة ما بعدها نشوة، وانجذاب يفوق الوصف(89)·



صفحة رقم : 14678