قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> الشعراء الثوريون -> حب وثورة
12- حب وثورة
بايرون 8181 - 1281
احتفظ شيلي بذكريات مختلفة عن بايرون في لقائهما الأخير - طباعه الرقيقة، ومناقشاته الصريحة، وكرمه - ورضاؤه الواضح عن علاقاته الجنسية غير الشرعية بالخليلات والمومسات· فربما كانت النساء الإيطاليات اللائي كوّن معهن علاقات هن أحط النساء في العالم ··· لقد كان بايرون متآلف مع هذا النوع المنحط من النساء اللائي كان مسيّرو جوندولاته (القوارب التي تسير في قنوات البندقية) يلتقطونهنّ له· وكان يسمح للآباء والأمهات بمساومته على بناتهم··· لكن أعتقد أن شهرته كشاعر كبير ساعدته في ذلك(99)· وكان بايرون واعيا بتخليه عن الأخلاق الإنجليزية والذوق الإنجليزي· لقد كانت الأعراف الإنجليزية تجرمه (تعتبره خارجا على العرف والقانون) وقد رفضها هو بدوره· بل انه قال لأحد أصدقائه في سنة 9181: إنني مشمئز ومُتّعتُ من الحياة التي وصلت إليها في فينيسيا وسعيد بأن أدير ظهرى لها (001) وقد نجح بمساعدة تريزا جويشيولي Teresa Guiccioli وصبرها وإخلاصها·
لقد تقابلا للمرة الأولى عند قدومها من رافنا Ravenna إلى البندقية (فينيسيا) في أبريل سنة 9181 وكانت وقتها في التاسعة عشر من عمرها رقيقة الملامح وجميله وعابثة، تلقت تعليمها في دير، وكانت عاطفية دافئة القلب· وكان زوجها الكونت أليساندرو جويشيولي في الثامنة والخمسين قد تزوج مرتين قبلها وكان منشغلاً بأعماله غالبا· وقد جرى العرف تماما في الطبقة العليا الإيطالية على السماح للمرأة (الزوجة) في هذه الحال باتخاذ رفيق Cavalier Servente - شخص مهذب في خدمتها يكون تحت إمرتها يثير إعجابها ويسليها ويحرسها وتكافئه بتقبيل يدها أو بما هو أكثر في السر والكتمان إذا كان الزوج مشغولاً أو متعبا· ولم يكن من خطر كبير على الزوجة والرفيق بل إن الزوج في بعض الأحيان كان يقدر مساعدة هذا الرفيق Cavalieve Servente، وربما تعمد أن يتغيب بعض الوقت ليتيح لهما إتمام المراد· وعلى هذا شعرت الكونتيسة بأن من حقها أن تنجذب إلى الوجه الإنجليزي الوسيم ومناقشاته المثيرة وشفتيه الجذابتين، أو على حد قولها في وقت لاحق: إن ملامحه النبيلة الجميلة الرائعة، ونغمة صوته وطباعه وآلاف الأشياء الساحرة الفاتنة التي تحيط به - جعلته مختلفاً تماما عن كل من رأيتهم ومخلوقاً أسمى بكثير منهم، فكان من المستحيل ألا يفتنني وألا يترك تأثيرا عميقا في نفسي· فمنذ ذلك المساء كنت ألتقى به كل يوم خلال كل فترة إقامتي في البندقية(101) وانتهت أيام السعادة الطائشة هذه عندما أخذ الكونت زوجته تيريزا وعاد إلى رافنا Ravenna، فأرسل لها بايرون تعهدات بالبقاء على حبه، ففي 22 أبريل سنة 9181 مثلا أرسل إليها يقول: أؤكد لك أنك ستظلين حبي الأخير، فقبل أن أعرفك شعرت باهتمام بكثير من النسوة لكنني لم أرتبط بواحدة بعينها· أما الآن فأنا أحبك وليس في حياتي حب آخر لامرأة أخرى سواك على وفق ما نعلم فقد حفظ عهده· وفي الأول من يونيو غادر البندقية في عربته النابليونية الثقيلة (المقصود المشيدة على طراز عربة نابليون) متوجها إلى رافنا كسائح يبحث عن آثار دانتي Dante فرحبت به تيريزا، وكان زوجها الكونت لطيفا كيسا، وكتب بايرون إلى أحد أصدقائه: إنهم يجعلون للحب هنا مساحة كبيرة من وقتهم ولا يشوهون سمعة شخص إلا قليلا(201) وسمح له باصطحاب تيريزا إلى الميرا La Mira (إلى الجنوب من البندقية بسبعة أميال) حيث كانت له فيلا هناك، وهناك باشر معها الحب من كل موضع ولم يعقه إصابتها بداء البواسير(301) وانضمت إليهما أليجرا Allegra في الفيلا فجعلت جو المجموعة محترما· ووصل توم مور واستلم الآن من بايرون مخطوطة كتابه (حياتي ومغامراتي) التي أحدثت كثيرا من الفتن والاضطرابات بعد موت المؤلف· ومن الميرا La Mira أصطحب بايرون، تيريزا إلى البندقية حيث عاشت معه في قصره Palazzo Mocenigo وأتى والدها ليردها إلى جادة الصواب فأخذها معه إلى رافنا ومنع بايرون من الذهاب معها· وعند وصولها إلى رافنا سقطت مريضة، وكان مرضها شديدا لا ادعاء فيه حتى إن زوجها الكونت أسرع باستدعاء عشيقها (بايرون) الذي وصل في 42 ديسمبر سنة 9181 وبعد أن قام ببعض الجولات استقر في الطابق الثالث في قصر الكونت مقابل دفع إيجار· وأحضر معه في مقره الجديد قطتين وستة كلاب وحيوان الغرير badger وصقرا وغرابا مدجنا وقردا وثعلباً· وفي خضم هذه الحياة التي انشغل فيها بأمور مختلفة كتب سطورا كثيرة· في مؤلفه (دون جوان) وبعض مسرحيات عن دوقات (دوجات) البندقية غير قابلة للتمثيل على المسرح (مسرحيات ذهنية) ودراما جيدة عن سردانا بالوس Sardanapalus وفي يوليو سنة 1181 كتب (قابيل: سره Cain, A Mystery) ذلك العمل الذي به أصبح اسمه مكروها تماما، وموضع مقت شديد في إنجلترا·
المشهد الأول في هذا العمل يظهر آدم وحواء، وقابيل (قايين) وأخته التي هي زوجته في الوقت نفسه Adah، وهابيل وأخته التي هي زوجته في الوقت نفسه Zillah يستعدون للصلاة وتقديم الأضاحي لله (جيهوفاه أو ياهوفاه Jehovah) ووجه قابيل لوالديه بعض الأسئلة - وهي أسئلة تحير بايرون في مرحلة الدراسة: لم خلق الله الموت؟ إذا كانت حواء قد أكلت من شجرة المعرفة، فلم زرع الله هذه الشجرة المحرمة في مكان ظاهر بجنة عدن؟ ولم كان طلب المعرفة خطيئة؟ ولماذا أصدر الله قراره بأن يعمل الجميع وأن يصبح الموت مصير الأحياء عقابا على وجبة بسيطة تناولتها حواء؟ وظهر الشيطان (Lightbearer) Lucifer واعتلى خشبة المسرح - كما عند ميلتون - وأعلن نفسه متباهيا واحداً من تلك:
- الأرواح التي تجاسرت على النظر إلى وجه الطاغية (يقصد الله سبحانه وتعالى)
- الذي لا فناء له، ليقول له
- إن أفعاله الشريرة غير صالحة·
وتعود Adah (زوجة قابيل) لتطلب من قابيل الانضمام إلى العمل مع أهله في الحقل، لأنه أهمل ما يخصه من العمل في هذا اليوم وأنها قامت بعمله بدلاً عنه ، وهي تدعوه الآن لقضاء ساعة حب واستحمام· فوبّخها إبليس Lucifer بأن وصف لها الحب بأنه شرك أوطعم للإنجاب والتوالد وتنبأ لها بقرون من الكدح والنضال والمعاناة وبموت ينتظر الجموع التي ستنطلق للوجود من رحمها··· وأعد قابيل وهابيل مكانا (مذبحاً) لتقديم الأضحيات، فضحى هابيل بأول قطيعه، وقدم قابيل فاكهة، لكنه بدلا من أن يصلي ويدعو راح يسأل ثانية لم سمح الله بالشر؟ ونزلت نار متألقة من السماء أحرقت حمل هابيل (دليل قبول أضحيته)، وأطاحت ريح غاضبة بأضحية قابيل فألقتها إلى التراب فغضب وحاول تدمير مذبح (مكان تقديم الأضحية) هابيل فقاومه، فضربه قابيل فمات· ووبخ آدم حواء باعتبارها المصدر الأول للخطيئة فلعنت حواء قابيل لكن Adah (زوجة قابيل) دافعت عنه لا تلعنيه يا أمي، فهو أخي وزوجي ny betrothed وأمر آدم قابيل أن يرحل عنهم وألا يعود، فلحقت Adah بقابيل وعوقبت بمثل عقابه، ولأن هابيل مات ولم يكن له ولد، فإن كل البشر (كما استنتج بايرون) من ذرية قابيل ويحملون طباعه في غرائزهم، تلك الطباع المتمثلة في العنف والقتل والحرب· ويبدو قابيل مرات عديدة وكأنه طالب ملحد لم يقرأ سفر الجامعة في العهد القديم Ecclesiastes، ومع هذا ترقى هذه الدراما في بعض الأحيان إلى مستوى قريب من كتابات ميلتون القوية· وقد امتدح والتر سكوت هذا العمل، وكان بايرون قد أهداه إليه (كتب اسمه في صفحة الإهداء) وقال جوته (تكتب أيضا جيتة) لن نرى جمالا كجمال هذا العمل مرة ثانية في هذا العالم(401) ولاشك أنه كان قد فقد منظوره الأولمبي للحظات عندما قال هذا · أما في إنجلترا فقد أدى نشر هذا العمل إلى موجة من النقد الساخط والرعب· لقد اعتبره الإنجليز قابيل آخر بل اعتبروه قاتلا أسوأ منه - إنه يقتل العقيدة التي حمت آلاف الأجيال وساندتهم· وحذر الناشر مري اللورد بايرون من أنه يفقد بسرعة قراءه· والصورة التي رسمها بايرون لزوجة قابيل المخلصة Adah تقدم برهانا آخر على الجوانب العطوفة في شخصيته، لكن معاملته لأليجا وأمها تظهر قسوته· فالطفلة التي كانت سعيدة يوما ما بلغت الآن الرابعة من عمرها، وكانت تعسة لبعدها عن والديها، فأرسل بايرون يستدعيها إلى رافنا وحتى عندما أتت لم يستطع إلا بالكاد أن يطلب منها العيش معه ومع مجموعة حيواناته في قصر الرجل الذي أصبح معروفا بسطوته غير المريحة، وبعد تفكير طويل وضعها في دير في باجنا سافالو Bagnacavallo التي تبعد عن رافنا باثني عشر ميلا (في أول مارس 1281) وهناك سيكون لها - كما افترض - صداقات فتبتعد عن طريقه وتتلقى قدراً من التعليم، ولم يزعجه أن تصبح كاثوليكية بل العكس فقد شعر أنها ستصبح في مأساة إن نشأت بلا دين في إيطاليا، فكل النساء فيها (إيطاليا) كاثوليكيات متمسكات بالكاثوليكية حتى في علاقاتهن غير الشرعية· والأهم من كل هذا فإذا كان لابد للمرء أن يكون مسيحيا فالأفضل أن يسير في الطريق إلى منتهاه فيؤمن بما آمن به الدعاة الأوائل للمسيحية (الرسل Apostles) ويؤمن بالقداس والقديسين (الأولياء) ويصبح كاثوليكيا· لقد كتب في 3 أبريل سنة 1281 إنني أرغب أن تصبح أليجرا من الأروام الكاثوليك فدينهم أفضل الأديان (المقصود أفضل المذاهب المسيحية)(501) وعند ما أصبحت أليجرا مستعدة للزواج رأى أنها لن تجد صعوبة في الارتباط بالزوج المرتقب، وأنها سيخصص لها مبلغ 000،4 جنيه· وكان هذا ملائما لبايرون، ولكن عندما وصلت هذه الأخبار إلى كلير كليرمونت اعترضت وتأثرت عاطفيا على نحو مثير وطلبت من شيلي أن يعمل على إعادة إليجا إليها فذهب شيلي إلى رافنا ليرى أحوال أليجرا فاستقبله بايرون في 6 أغسطس 1281 بترحاب فكتب شيلي لزوجته إن اللورد بيرون في أطيب حال وابتهج لرؤياي وقد استعاد صحته تماما ويعيش حياة غير الحياة التي كان يعيشها في البندقية (فينيسيا)(601)· وقد أخبره بايرون أن الظروف السياسية سرعان ما ستجبره للانتقال إلى فلورنسا أو بيزا، وسيأخذ أليجرا معه وستكون - بذلك - قريبة من أمها، ورضي شيلي بذلك، وصرف اهتمامه إلى شيء سيصبح حالا أكثر تأثيرا بالنسبة إليه·
لقد أصابه الرعب (أي شيلي) عندما علم أن المربية إليز Elise - مربية أليجرا - التي كان قد طردها من خدمته في سنة 1281) قد أخبرت الـ Hoppners أنه كان على علاقة جنسية سرية بأم أليجرا حتى إن كلير قد وضعت له طفلا في فلورنسا وضعه فورا في ملجأ للّقطاء، وأكثر من هذا أن شيلي وكلير كانا يعاملان ماري بطريقة تدعو للخجل ووصل الأمر إلى حد أنه كان يضربها· فكتب الشاعر الذي اعترته الدهشة إلى ماري (في أغسطس) طالبا منها أن تكتب للـ Hoppners مكذبة هذه الأقاويل، فقبلت ماري لكنها أرسلت خطابها إلى شيلي ليوافق على ما ورد به، فأظهره لبايرون وعول عليه في تسليم هذا الخطاب للـ Hoppners واستاء شيلي إذ وجد أن بايرون كان يعلم بهذه الإشاعات وكان - فيما هو واضح - يصدقها· وبدأت الصداقة الشهيرة بينهما تبرد وزاد برودها عندما انتقل بايرون من رافنا إلى بيزا تاركاً أليجرا في ديرها·
هذا التغير كان نتيجة تفاعل الحب والثورة في إهاب واحد· ففي يوليو سنة 0281 استصدر والد تيريزا - الكونت رجيرو جامبا Ruggero Gamba من الإدارة الباباوية أمراً باباويا (فتوى) بانفصالها عن زوجها مع حصولها على نفقة منه شريطة أن تعيش مع والديها· فانتقلت إلى بيت والديها بناء على هذا، وكان بايرون لايزال يعيش في قصر جويشيولى Guriccioli فأصبح يزور أسرة جامبا Gamba بشكل متتابع، وابتهج لأنه وجد جامبا وابنه بيترو كانا زعيمين في حركة الكاربونارى Carbonari وهي تنظيم سري يعمل على الإطاحة بالحكم النمساوي في شمال إيطاليا والحكم الباباوي في وسطها وحكم البوربون في نابلي لمملكة الصقليتين (جنوب إيطاليا وجزيرة صقلية) وكان بايرون في (نبوءة دانتي) الصادرة سنة 9181 قد دعا الشعب الإيطالي أن يهب للتحرر من حكم الهبسبرج والبوربون· وفي سنة 0281 شكك الجواسيس النمساويين في أنه يدفع أموالا لشراء أسلحة للكاربوناري، ووضعت ملصقات ملكية في رافنا مطالبة بإعدامه(701)· وفي 42 فبراير سنة 1281 فشلت حركة العصيان المسلح التي قام بها الكاربوناري وهرب قادتها من المناطق الإيطالية الخاضعة للبوربون· وذهب الكونت جامبا وابنه إلى بيزا وسرعان مالحقت بهما تيريزا بناء على نصيحة بايرون، وفي الأول من نوفمبر سنة 1281 وصل بايرون إلى بيزا واستقر في الكازا لا نفرانشي the Casa Lanfranchi في الأرنو the Arno حيث كان شيلي قد استأجر بالفعل غرفا لاستقباله· والآن سيأتي المحك الأخير لصداقتهما·