قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> الشعراء الثوريون -> التباين

13- التباين


لقد كان كل من الشاعرين قد وصل الآن إلى ذروة تطوره· لقد كان على الأكبر سنا منهما أن ينظم بعض القصائد في عمله (دون جوان) التي اشتملت على عداء مرير لإنجلترا، عداء لم يكن حتى الغاليون (الفرنسيون) يستسيغونه· وكان علمه The vision of Judgment (اكتوبر 1281) يمثل هجاء لا يرحم لكن سبق سوثي (صثي Southey) بعمله A vision of Judgment (أبريل 1281) قد حرض على الثأر منه (من بايرون) بإطلاق زعيم المدرسة الشيطانية في الشعر الإنجليزي عليه (على بايرون) وقد هوى عليه بايرون بنقده الماهر الساخر· وفي مؤلفاته الأخيرة هذه ابتعد بايرون عن روح (شايلد هارولد) الرومانسية والانقباض والمرارة، ليتخذ موقفاً أكثر كلاسية متجها نحو العقل والمنطق وروح الفكاهة، وإن كان لايزال ينقصه الاعتدال· وتظهر خطاباته - خاصة تلك التي أرساها إلى الناشر مري - نضجاً أكثر لأنها تحتوي على نقد ساخر ينطوي على نقد ذاتي وتفحص لأعماله كما لو أنه اكتشف أن التواضع يفتح الباب للحكمة· لقد كان متواضعا فيما يتعلق بشعره إنني أضع الشعر أو الشعراء في مرتبة فكرية سامية· وقد يبدو هذا انحيازا لكنه رأيي الحقيقي··· إنني أفضل المواهب العملية - مواهب الحرب في مجلس الشيوخ أو حتى في مجال العلم - فتلك أفضل من تأملات الحالمين الذين لا يملكون إلا الحلم(801)· وقد امتدح شيلي إنساناً لكنه فكر كثيرا في شعره كفانتازيا طفولية Childish fantasy· وكان تواقا لتقييمه كإنسان أكثر من تقويمة شاعراً، وكان واعيا - بشكل مؤلم - بمظهره، وكان يفضل الركوب على المشي لأن إصابة قدمه اليمنى كانت تصرف النظر عن وجهه الوسيم، وكان موقفه من الطعام متذبذبا متغيراً فطورا يفرط في الطعام وطورا يقوم بحمية، ففي سنة 8081 كان وزنه 491 رطلا (وطوله خمس أقدام وثماني بوصات ونصف البوصة)، وفي سنة 2181 تدنى وزنه ليصبح 721رطلا وفي سنة 8181 أصبح سمينا وبلغ وزنه 202رطلا· وكان فخورا بإنجازاته الجنسية وكان يرسل تقارير إحصائية بعدد هذه الإنجازات لأصدقائه· وكان عاطفيا وغالبا ما يفلت زمام مشاعره منه· وكان متألقا من الناحية العقلية لكنه لم يكن مستقرا· قال جوته (جيته) في لحظة من اللحظات يصبح بايرون طفلا(901)·
أما من الناحية الدينية فقد بدأ كلفنياً (من أتباع مذهب كلفن البروتستنتي) ففي عمله [شايلد هارولد] تحدث عن الباباوية كبرتستنطي متحمس باعتبارها (زانية بابلية)(011) وفي سني العشرين قرأ الفلسفة فأحب سبينوزا وفضل عليه هيوم وأعلن أنا لا أنكر شيئا لكنني أتشكك في كل شيء(111) وفي سنة 1181 كتب إليه صديق من مذهب مسيحي يقال له مذهب المهتدين: أنا لا أدري ماذا أفعل بالخلود الذي تقول عنه· وبعد ذلك بعشر سنوات كتب: أعتقد أنني لا أشك كثيرا في خلود الروح(211) وفي إيطاليا تأثر بمن حوله وما حوله وبدأ يفكر في الكاثوليكية، وعندما حضر صلاة التجسد (أو صلاة التبشير) تطلع إلى حالة السلام (الصفاء) التي بدت للحظات تخيم على حياة أهل إيطاليا جميعا، وكتب طالما تمنيت أن أكون قد ولدت كاثوليكيا(311) وفي أواخر حياته (3281) راح يتحدث - كما كان يتحدث في صباه - عن الله، وعن القضاء والقدر وكون الإنسان لا يملك من أمره شيئا(411)· وعندما كان في مرحلة المراهقة فقد عقيدته الدينية ولم يجد قيما ومعنويات يرتمي في أحضانها في أدب أو فلسفة وبالتالي لم يجد وازعا يقاوم حواسه وعواطفه ورغباته، وكان عقله المتحرر وفكره المتقلب يجدان أسبابا حافزة للاستسلام لرغباته ولم تتكشف له فحوى حكمة القيود التي فرضها المجتمع· ومن الظاهر أنه كبح ميوله للشذوذ الجنسي وعوضّ منها بالصداقات الحميمة المخلصة بل لقد استسلم لمفاتن أخته، وفي ديوانه (شايلد هارولد) يخبرنا بجسارة عن حبه:
لواحدة ذات صدر ناهد

ارتبط صدره بصدرها برباط أقوى

من الارتباط بالكنيسة ( أو أقوى من رباط تعقده الكنيسة)(511)

وعندما أدانه المجتمع الإنجليزي لإطلاقه العنان لشهواته أو لفشله في إخفائها، أعلن الحرب على النفاق الإنجليزي أو بعبارة أخرى تظاهر الإنجليز بالفضيلة، وراح يهجو الطبقات العليا المكونة من قبيلتين قويتين وأدان استغلال أصحاب المصانع للعمال، بل ودعا أحيانا للثورة:
يحمي الله الملك والملوك

لأنه إن لم يفعل، أشك أن يستمر البشر!

أظن أنني أسمع طائرا صغيرا يغني قائلا:

سيغدو الشعب - عما قريب - أقوى··

وكذا سواد الناس

الكل أخيرا سيتخلى عن العمل الزائف··

سأقول سعيدا: ياللتعاسة!

إذا لم أدرك هذه الثورة

فيمكنني وحدي أن أنقذ العالم من دنس جهنم(611)·

وعلى أية حال فإنه لم يكن ميالاً للديموقراطية فلم يكن يثق في الجماهير وكان يخشى أن تؤدي الثورة إلى دكتاتورية أسوأ من دكتاتورية الملك أو البرلمان· وكان يرى بعض المزايا في حكم الأرستقراطيين بالمولد ويتطلع إلى أرستقراطية نظيفة عاقلة مدربة تتسم بالكفاءة· فلم ينس أنه هو نفسه لورد فسرعان ما عارض رفع الكلفة والمساواة فقد كان يعرف أن وجود مسافة أو حدود في العلاقات الاجتماعية يُضفى سحراً عليها· وتغيرت نظرته لنابليون مع مرور الأحداث مادام نابليون قد توج نفسه إمبراطورا وسلّح نفسه بالألقاب فقد رآه بايرون خير صيغة وسطية بين الملوك والجماهير· لقد كان بايرون يدعو أن ينتصر نابليون على كل ملوك أوربا حتى عندما كان نابليون يغزو إسبانيا وروسيا دون مبرر واضح، وقد وبخ الإمبراطور المهزوم (نابليون) لتنازله عن العرش بدلاً من أن ينتحر لكن عندما عاد نابليون من إلبا Elba عاد الشاعر (بايرون) يدعو له بالنصر ثانية على كل أعدائه المتحالفين ضده · وبعد ست سنوات عندما سمع بموت نابليون حزن حزنا شديدا لقد كانت الإطاحة به سهما أصاب رأسي فمنذ مات أصبحنا عبيداً للأغبياء(711)·
لقد كان بايرون خليطا مربكا من الأخطاء والفضائل، ففي حال غضبه يصبح فظا قاسيا، وفي أحواله العادية نجده ودودا متحفظا كريما· لقد كان يعطي أصدقاءه بكرم غير محسوب، فقد نقل إلى روبرت دالاس حق نشر (حق المؤلف في النشر) وكان هذا الحق يساوي ألف جنيه، ودفع ألف أخرى لفرانسيس هودجسون فأنقذه بذلك من الإفلاس، ووصفته تيريزا جويشيولي التي كانت تراه تقريبا كل يوم بأنه ملك (بفتح اللام) حقيقي(811)· لقد كان - أكثر من كولردج بكثير - كبير ملائكة محطم يحمل في جسمه ميراثا من الصدوع، وضحها وكان خلاصه منها بالجرأة وكتابة الشعر بوفرة وقوة الفكر الثوري مما دفع جوته العجوز إلى وصفه بأنه أعظم عبقرية أدبية في قرننا(911)·
وبالمقارنة فقد كان شيلي ملكا (بفتح اللام) غير مؤثر ذا طابع تاريخي، لكننا لانستطيع أن نقول إنه غير مؤثر تماما فمن هو القائل إن أوراق الشجر ستتبعثر عند تجسد أشعاره· لم يضع بعض البذور لتنمو في جو التسامح الديني وتحرر المرأة وانتصار العلم وقيام التكنولوجيا وتألق الفلسفة وامتداد الحقوق الدستورية وإصلاح البرلمان مما جعل القرن التاسع عشر قرنا مدهشا؟
وكان شيلي ملكا (بفتح اللام) بشريا تماما، فقد كان له جسد استسلم لطلباته على الأقل من خلال إغوائه زوجتين على الهروب معه، دعنا من الحديث عن إيميليا فيفاني· لقد كان نحيلا معتل الجسد، يعاني ألما دائما في ظهره· وكان بطبيعة الحال مفرط الحساسية - ربما أكثر من بايرون - للمثيرات الداخلية والخارجية فلنتذكر خطابه المؤرخ في 61 يناير 1281 لكلير كليرمونت: أنت تسألينني أين أجد المتعة؟ إن الريح والنور والهواء ورائحة الورد تؤثر في وتثير عواطفي(021) وكان مثلنا جميعا معجباً بنفسه على نحو خاص· لقد اعترف لجودون (82 يناير 2181) يبدو أن إفراطي في الأنا لاينضب له معين(121) وعندما أخذ ماري جودون، وطلب من زوجتة هاريت أن تصبح علاقته بها مجرد علاقة الأخ بأخته، فإنه كان يبحث عن إرضاء شهواته مثله في ذلك مثل أي كائن معرض للموت، وبرر الأمر لنفسه بأنه هاريت أقل من ماري اتفاقا معه في فلسفته وأفكاره· وكان له رأي متواضع في شعره (لم يكن شاعراً مغرورا) إذ كان يصنف أشعاره في رتبة أدنى من أشعار بايرون· وكان مخلصاً متحفظا في صداقته إلى النهاية· لقد كتب بايرون مخبرا الناشر مري بوفاة شيلي لقد كنتم جميعا قساة ومخطئين في حق شيلي، فقد كان - بلا استثناء - أقل من عرفت أنانية أو بعبارة أخرى أفضل الأنانيين الذين عرفتهم· إنني لم أعرفه بهيمة ترتدي ثياب البشر مقارنة بالآخرين(221) وذكرهوج Hogg الشاعر بأنه غريب الأطوار ينسى واجباته ووعوده، يستغرق في التأمل والتفكير فينسي الزمان والمكان(321)· وهو بشكل عام غير عملي لكن ليس من السهل خداعه في أمور المال، ولم يتخل عن حقوقه الموروثه قبل نضال شديد·
وكان متوتر الأعصاب شديد الاستثارة مما يحول بينه وبين أن يكون مفكراً هادئا، وكانت تنقصه روح الفكاهة عند مناقشة أفكاره، وكان مغرماً دوماً بالخيال، فكان يهرب من الواقع إلى أحلام اليقظة· لقد اقترح أن نتخلص من الملوك والمحامين ورجال الدين، وأن نتحول إلى الحياة النباتية - مكتفين بتناول النباتات ممتنعين عن تناول اللحوم، كما كان يدعو لتخليص العلاقات الجنسية للبشر من كل القيود· إنه يرى أن كل هذه الأمور والقيود طارئة ليس لها أساس في طبيعة الإنسان ولا في ماضيه البيولوجي· لقد قالت أرملته المخلصة كان شيلي يعتقد أن البشر لا يجب أن يتطلعوا إلا للقضاء على الشر··· لقد احتفى بهذا الرأي احتفاء بالغا(421)· وكاد يهمل التاريخ إلا أنه كان يرى الإغريق مثاليين ولكنه كان يجهل أن الأغريق مارسوا الاسترقاق
ونحن نميل إلى المبالغة في بساطة شيلي لأننا ننسى أن الموت عاجله فلم يتركه يعيش حتى مرحلة النضج - لقد عرفنا بايرون وشيلي وهما لما يصلا بعد إلى مرحلة النضج فوصلا إلى قلوبنا كشاعرين رومانسيين كانا مفيدين جدا للحركة الرومانسية في إنجلترا، أما لو أنهما عاشا حتى الستين لكان من المحتمل أن يكونا مواطنين محافظين، وفي هذه الحال ربما كانت مكانتهما في التاريخ أكثر تواضعا، لكن موتهما المبكر جعلهما علمين في عالم الرومانسية·
الإ أن شيلي كان حقيقة قد أصبح بالفعل وهو في الثامنة والعشرين معتدلا، ففي سنة 0281 كتب مقالاً جوهريا بعنوان نظرة فلسفية للاصلاح نشره بعد كتابته بعام، أعلن فيه أن الشعراء الفلاسفة هم مشرعو العالم غير المعترف بهم(521)· الشعراء لأنهم صوت الخيال يأتون بأفكار جديدة تدحض كثيرا من السخافات السائدة، وهذه الأفكار الجديدة تثير في وقت من الأوقات الناس وتحفزهم إلى التجربة والتقدم· والفلاسفة لأنهم يخضعون القضايا الاجتماعية للفكر العقلي الهادئ، وينظرون إليها بمنظور السنين· وكان شيلي - مثله في ذلك مثل بايرون والإنسانيين - ساخطا لأحوال العمال في مصانع إنجلترا، كما كان مستاء من البرود الذي تعامل به مالتوس في كتاباته مع مشكلة السكان وطريقة ضبطها بينما (أي مالتوس) ترك الأجور ليحكمها قانون العرض والطلب(621)· وأدان البروتستنطية والكاثوليكية معا لفشلهما في إضفاء روح المسيح على العلاقة بين الأغنياء والفقراء(721)· واقترح فرض ضريبة على الأثرياء لسداد الدين الوطني الذي تتطلب فوائده السنوية الباهظة فرض ضرائب ثقيلة على العامة(821)· وأشار إلى أن زيادة السكان فيما بين 9861 و 9181 قد أخل بالتناسب بين المصوتين Voters وغير المصوتين مما جعل انتخاب أعضاء البرلمان قاصرا على أقلية صغيرة، وهذا يعني من الناحية العملية حرمان الشعب من حق الاقتراع(921)· وقد غفر لأرستقراطية ملاك الأراضي لأنها تجذرت بمرور الزمن وأصبحت راسخة من الناحية القانونية (ربما بالنظر إلى مستقبل آل شيلي) وكان يبارك انتقال الثروة بطرق معتدلة، لكنه كان يحتقر البلوتوقراسية (حكم طبقة الأثرياء) ممثلة في التجار وأصحاب المصانع والماليين(031)· وامتعض من آراء مكيافيلي التي تعفي الحكومة من الالتزام بالأخلاق: فالسياسات في الواقع هي أخلاق الأمم(131) ودافع عن الثورة الفرنسية وامتدح حكومة نابليون القنصلية وتبرأ من نابليون عندما توج نفسه إمبراطورا وحزن لهزيمة فرنسا في واترلو(23)·
ولم يجد كتاب شيلي (دفاع عن الشعر) الذي كتبه سنة 1281 ناشرا حتى سنة 0481· وهنا وجدنا الشاعر الذي نفى نفسه الآن يسقط الفلاسفة، ويعلي من شأن الشعراء باعتبارهم مشرعي العالم الأكثرين رقيا(331)· ولقد عبر عن رأيه هذا الذي اطمأن إليه في مقدمة (بروميثيوس المنطلق): كتاب عصرنا العظماء هم الذين يواكبون (أويسبقون إلى) بعض التغيرات التي لا يمكن تصورها في نظامنا الاجتماعي أو في الأفكار والآراء المرتبطة به· إن لدينا أسبابا معقولة لقولنا هذا· فسحابة العقل تفرغ ضياءها المتجمع· والتوازن بين المؤسسات institutions والآراء·يعود الآن أو لنقل إنه على وشك العودة(431)· لكنه عاد الآن ليضيف: سيكون عصرنا عصراً خالدا بسبب إنجازاته الفكرية، فنحن نعيش وسط فلاسفة على شاكلة كانط وفيتشة وهيجل وشلنج وجودون وشـعراء مـن أمثـال جوتـه (جتيـة) وشـيلر، ووردزورث، وكولـردج وبايـرون وشـيلي فاقــوا كل من تقدموامنذ النضال الوطني الأخير للمطالبة بالحريات المدنية والتحرر الديني·(2461)(531)·
وعلى النقيض من ذلك وجدنا شيلي يقلل من شأن دور العلم في إعادة تشكيل الأفكار والمؤسسات، وكان العلم قد بدأ بالفعل في تحقيق دوره في هذا المجال· لقد حذر من ترك التقدم العلمي يسبق التطور الأدبي والفلسفي - فالعلم ليس أكثر من أداة لتحسين أدواتنا tools بينما التطور الأدبي والفلسفة هو غايتنا(631)· وإلا زاد ثراء الأقلية الماهرة وأدى ذلك إلى زيادة تركز الثروة والسلطة(731)·
لقد انتقل استياء شيلي من أمور حميه المالية إلى فلسفة جودون· وقد استكشف شيلي كتابات أفلاطون من جديد (كان قد ترجم جانبا من حواراته) وانتقل من الاتجاه الطبيعي إلى التفسير الروحي للطبيعة والحياة· إنه الآن يشك في هيمنة العقل وقدرته المطلقة وفقد حماسه للإلحاد· وكلما اقترب من سن الثلاثين· وجدناه يتوقف عن مهاجمة الأمور الغيبية في الدين· إنه الآن يفكر في أن الطبيعة هي الشكل الخارجي أو الظاهري لروح (جوهر) داخلي، وتفكيره على هذا النحو يشبه كثيرا تفكير وردزورث الشاب (في هذه النقطة)· ولابد أن يكون هناك نوع من الخلود فالقوة الحيوية (الروح) في الفرد تنتقل بعد موته إلى شكل أو كيان آخر لكنها لاتموت(831)·



صفحة رقم : 14680