قصة الحضارة -> عصر نابليون -> ملوك أوروبا في مواجهة التحدي -> أيبيريا -> إسبانيا

2- إسبانيا


كانت إسبانيا لاتزال تعيش أجواء العصور الوسطى· لقد كانت دولة ذائبة في عشق الرب، تزدحم كاتدرائياتها المهيبة، ويقوم أبناؤها بالحج إلى المزارات المقدسة، دولة مكتظة برجال الدين، أنست إلى الغفران الذي تمنحه الكنيسة الكاثوليكية، تخشى محاكم التفتيش وتوقرها، وكان الإسبان يخرِّون ركعا سجدا في الطرقات عندما يمر أعضاء محاكم التفيتس في موكبهم المهيب· كما كان الإسبان يضعون في اعتبارهم قبل أي شيء آخر أن يكون الرب God حاضراً في كل بيت من بيوتهم يرعى أطفالهم ويحفظ عذرية بناتهم ويثيب في النهاية بالفردوس بعد اختبار مرهق اسمه الحياة· وقد وجد جورج بورو Borrow بعد ذلك بجيل >أن جهل الجماهير كان فظيعاً< على الأقل في ليون Leon >لدرجة أن التمائم المطبوعة ضد الشيطان وأعوانه، والتمائم التي تبعد النحس، كانت تباع علناً في المحلات وكانت تلقى رواجا كبيرا(4)< وقد انتهى نابليون الذي كان لايزال ابنا لحركة التنوير إلى أن >دور الفلاحين الإسبان وإسهامهم في الحضارة الأوربية أقل حتى من دور الفلاحين الروس(5)<· لقد عبر نابليون عن ذلك بينما هو يوقع الكونكوردات (الوفاق) مع الكنيسة الكاثوليكية· ومع هذا فقد كان الفلاح الإسباني - كما شهد لورد بايرون يستطيع >أن يكون فخورا معتزا بنفسه كأكثر الدوقات نبالة(6)<·
وكاد يكون التعليم مقصورا على البورجوازية والنبلاء· وكانت معرفة القراءة والكتابة تمثل حداً فاصلا، فحتى الهيدالجوات hidalgos (من طبقة النبلاء الدنيا) قلما كان الواحد منهم يستطيع قراءة كتاب· وكانت الطبقة الحاكمة تتخوف من الطباعة(7)، وعلى أية حال لم يكن محو الأمية مطلوبا في ظل الاقتصاد الإسباني الموجود آنئذ· وكانت بعض المدن التجارية مثل قادش Cadiz وأشبيلية مزدهرة، وقد اعتبر اللورد بايرون قادش >أجمل مدن أوربا<(8) في سنة 9081· وكانت هناك بعض المراكز الصناعية المزدهرة، فقد ظلت توليدو Toledo مشهورة بسيوفها(9) لكن طبيعة البلاد الجبلية الوعرة لم تجعل غير ثلثها فقط هو الذي يمكن زراعته بمردود اقتصادي، وكانت الطرق والقنوات (الترع) قليلة جدا، ووعرة وتنقصها الصيانة كما كان المرور فيها يستلزم رسوما تفرضها الولايات أو السيد الإقطاعي، لدرجة أن الناس وجدوا أنه من الأرخص استيراد القمح من إنتاجه محليا(01)· لقد راح الفلاحون - وقد أوهنت التربة التي لا تصلح للزراعة إلا بشق النفس - من عزائهم راحوا يفخرون بحياة البطالة الواضحة بدلاً من انتظار نتائج الكدح في تربة ليس نتاجها مؤكدا· ووجد أهل المدن سعادتهم في تهريب البضائع أكثر مما وجدوها في العمل الذي لايتقاضون لقاءه أجوراً مجزية· وكان يجثم فوق أنفاس الحياة الاقتصادية ضرائب تزداد أكثر مما يزداد الدخل وجهاز شرطة فاسد وطبقة موظفين متزايدة، وحكومة منحطة (فاسدة)·
ورغم هذه الصعوبات فقد ظلت روح الأمة العالية، يشد أزرها تراث فيرديناند وإيزابيلا، وفيليب الثاني، وتراث فيلاسكويز Velaisquez وموريلو Murillo، ويشد أزرها زيادة ثروة الإمبراطورية الإسبانية في الأمريكتين والشرق الأقصى، تلك الثروة الهائلة التي كانت إمكانية زيادتها أمراً متوقعا· وحقق الفن الإسباني شهرة ضارعت الفن الإيطالي والهولندي· لقد جمعت الأمة الإسبانية - الآن - كنوزها الفنية - رسماً ونحتا في متحف دل برادو Museo del Prado الذي شيده في مدريد (5871 - 9181) خوان دي فيلانوفا Juan de Vilanueva ومعاونوه ومن أتوا بعده· وفي هذا المتحف توجد الأعمال العظيمة الخالدة لسيد رسامي العصر فرانسسكو جوز دي جويا Francisco Jose de Giya Y Lucientes (6471 - 8281) وقد وصلتنا صورة لهذا الرسام رسمها له فيسنت لوبيزي بورتانا Vicente Lopez Y Portana وهي صورة تظهره عنيدا متصلباً مما يتوافق مع الروح المتجهمة التي أظهر فيها (في رسومه) الحرب بكل وحشيتها وقسوتها الدموية، ومما يتوافق مع رجل أحب بلاده لكنه في الوقت نفسه كان يحتقر ملكها· لقد انتعش الأدب الإسباني بفضل حافزين، أوّلهما الثقافة الكاثوليكية، وثانيهما التنوير الفرنسي، واستمر هذا الانتعاش حتى عندما استهلكت الحروب الأهلية والحروب الخارجية الأمة الإسبانية· فالقس الجزويتي (اليسوعي) خوان فرانسسكو دي ماسدو Juan Francisco de Masdeu أصدر على مراحل بدءا من سنة 3871 إلى سنة 5081 كتابه المهم عن تاريخ الثقافة الإسبانية Historia Critica de Espana Y de la Crltura Espanola تناول فيه التاريخ بشكل تكاملي إذ خلط التاريخ الثقافي في سياق التاريخ الحضاري العام(11)· وتلقى خوان أنتونيو لورنت Juan Antonio Llorente - الذي كان سكرتيرا عاما لمحكمة التفتيش الإسبانية (الكاثوليكية) من 9871 إلى 1081 - من جوزيف بونابرت (9081) تكليفا بكتابة تاريخ هذه المؤسسة (محكمة التفتيش)، ووجد خوان أن كتابة هذا التاريخ في باريس سيكون أكثر أمناً، فكتبه بالفرنسية في الفترة بين عامي 7181 و 8181· ولم يكن ازدهار النثر والشعر الذي كان غرة في جبين عصر شارلز الثالث قد ذبل تماما عند موته: فقد واصل جاسبار ملشور دي جوفيلانوس Gaspar Melchor de Jovellanos (4471 - 1181) دوره كصوت معبر عن الليبرالية في التعليم ونظم الحكم، وظل ليندرو فرناندز دي مورتين Leandro Fernandez de Mortain (0671 - 8281) يتسوّد على خشبة المسرح بمسرحياته الضاحكة (كوميدياته) التي ضمنت له لقب (موليير إسبانيا)، وخلال حرب التحرير (8081 - 4181) راح مانويل جوزي كوانتانا Manuel Jose Quantana والقس خوان نيكازيو جاليجو Juan Nicasio Gallego يفيضان أشعارا حماسية لتأجيج نيران الثورة على الفرنسيين·
لقد تأثر معظم الكتاب الإسبان الرواد بالأفكار الفرنسية سواء في مجال الفكر الخالص أو التحرر السياسي، لقد تفرنس هؤلاء الكتاب تماما كما تفرنس الماسونيون· حدث هذا رغم النضال الإسباني للتحرر من الاحتلال الفرنسي· لقد استنكروا إضعاف الملكية لمجالس الأقاليم (المحافظات) تلك المجالس المحلية التي كان لها دور في وقت من الأوقات في المحافظة على أسبانيا حيّة في مختلف أنحائها· لقد هلّلوا للثورة الفرنسية ورحّبوا بنابليون كمتحدٍ يدفع اسبانيا لتخليص نفسها من الارستقراطية الاقطاعية والكنيسة ذات الصبغة الوسيطية (كنيسة العصور الوسطى) والحكومة التي لا تتسم بالكفاءة· ولندع مؤرخا أسبانيا متمكنا يقدم لنا لحنا جنائزيا حزينا ومتسما بالقوة يتناول فيه الأسرة الحاكمة الإسبانية المحتضرة:
>في سنة 8081، وعندما كانت أسرة البوربون الحاكمة في فرنسا تسير نحو الهاوية - يمكننا أن نلخص الوضغ السياسي والاجتماعي في أسبانيا كالتالي: أرستقراطية فقدت احترامها للملوك، فقد كان رجال الحاشية على نحو خاص لا يوقرون ملوكهم· وسياسات فاسدة يقوم عليها سياسيون تحركهم العداوات الشخصية، ويملأهم الخوف والتردد· وكانت الطبقات العليا تعوزها الوطنية لا يحركها سوى الجشع والهوى· وكانت الآمال المحمومة للجماهير تتحلق حول أمير (هو فرديناند) أثبت بالفعل أنه حقود يميل للانتقام وأنه أمير زائف· وأخيرا ظهر التأثير العميق في دوائر الأدب والفكر، لأفكار الموسوعيين (الأنسيكلو بيديين) الفرنسيين والثورة الفرنسية(21)<·
وقد وصفنا في فصل سابق انهيار العرش الإسباني وتفسخه من وجهة نظر نابليون: لقد سمح شارل الرابع (حكم من 8871 إلى 8081) لزوجته ماريا لويزا Luisa وعشيقها جودوي Godoy أن يسلباه صلاحيات الحكم، وراح الأمير فرديناند الوريث الظاهر يناور لعزل أبيه، وحارب أنصار جودوي أنصار الأمير فرديناند، وغرقت مدريد وما حولها في حالة من الفوضى· ووجد نابليون في هذه الفرضى فرصة لضم كل شبه الجزيرة الأيبيرية للحكم الفرنسي ليحكم بها الحصار القاري (المضاد) في وجه البضائع والنفوذ البريطانيين· لقد أرسل نابليون مورا Murat والجيش الفرنسي الثاني إلى أسبانيا بتعليمات مؤداها إعادة النظام إلى أسبانيا· ودخل مورا Murat مدريد (32 مارس 8081) وقمع العصيان المسلح المعروف بعصيان الثاني من مايو historic Dos de Mayo· وفي هذه الأثناء دعا نابليون كلاً من شارلز الرابع وفرديناند للالتقاء به في بايون Bayonne في فرنسا بالقرب من الحدود الإسبانية· وأرهب نابليون الأمير وأجبره على إعادة العرش لوالده، ثم حث نابليون الأب على التنازل عن العرش لصالح من يعينه هو (أي يعينه نابليون) ووعد نابليون بالاعتراف بالكاثوليكية كدين رسمي وحمايتها كدين وطني لأسبانيا· وأمر نابليون أخاه جوزيف بالقدوم ليكون ملكاً على أسبانيا· ولم يكن جوزيف راغباً في القدوم لكنه أتى على مضض وتسلم من نابليون دستورا جديدا لأسبانيا منح فيه الإسبان كثيرا مما كان يطمح إليه الليبراليون الإسبان، لكنه - أي الدستور - طلب منهم أن يكونوا على علاقة طيبة بالكنيسة· وتولى جوزيف مهامه الجديدة غير سعيد بها، وعاد نابليون إلى باريس سعيدا بابتلاع أسبانيا غير واضع في اعتباره الجماهير الإسبانية وولنجتون Wellingtom·



صفحة رقم : 14687