قصة الحضارة -> عصر نابليون -> ملوك أوروبا في مواجهة التحدي -> أيبيريا -> حرب شبه الجزيرة الأيبيرية

4- حرب شبه الجزيرة الأيبيرية


الحرب الثالثة


8081 - 2181


لقد كان ملك أسبانيا جوزيف بونابرت في اضطراب لا مزيد عليه· لقد عمل على اكتساب قبول واسع أكثر من القبول الذي حباه به بعض الليبراليين· وكان الليبراليون يؤيدون إجراءات المصادرة ضد الكنيسة الثرية ولكن جوزيف الذي كان يعاني من شهرته كلا أدري (اللاأدري هو الموقن بأن الأمور غير المادية يصعب الوصول إليها باليقين الإيماني) كان يدرك أن أي تصرف منه ضد رجال الدين سيسارع يإشعال نيران المقاومة ضد الحكم الأجنبي (الفرنسي) وكانت الجيوش الإسبانية التي هزمها نابليون قد جرى تشكيلها من جديد في مناطق أسبانية متفرقة، حقيقة أنها لم تكن منظمة منضبطة، لكنها كانت متحمسة· واستمرت حرب العصابات التي يشنها الفلاحون ضد مغتصبي العرش كل عام في الفترة ما بين موسم البذر وموسم الحصاد، وكان يتحتم على الجيش الفرنسي في أسبانيا أن يقسم نفسه إلى قوات متفرقة يقودها جنرالات متحاسدون يخوضون معارك في جو من الفوضى وعدم الانضباط أعجز جهود نابليون للتنسيق بينهم من مقره في باريس· قال كارل ماركس لقد تعلم نابليون درساً مفاده أنه إذا كانت الدولة الإسبانية قد ماتت، فإن المجتمع الإسباني لا يزال مفعما بالحياة وأن كل جانب منه يفيض رغبة في المقاومة·· لقد كان محور المقاومة الإسبانية في كل مكان وليس في مكان واحد(91)· وبعد انهيار الجيش الفرنسي الرئيسي في بيلن Bailen انضم الجانب الرئيس من الأرستقراطية الإسبانية إلى الثورة وبذلك حولوا الكراهية الشعبية التي كانت موجهة إليهم إلى الغزاة· وكان للتأييد الفعال الذي قدمه رجال الدين الإسبان للثورة أثره المهم في تحويل الحركة عن الأفكار الليبرالية، بل لقد حدث العكس فقد أدى نجاح حرب التحرير الإسبانية إلى تقوية الكنيسة ومحاكم التفتيش(02)· ومع هذا فقد ظلت بعض العناصر الليبرالية موجودة في المجالس السياسية Juntas في المديريات (الولايات) الإسبانية المختلفة، وكانت هذه المجالس ترسل ممثلين عنها للمجلس الرئيسي (على مستوى الوطن كله) في قادش Cadiz، وكان هؤلاء يكتبون دستورا جديدا· لقد كانت شبه الجزيرة الأيبيرية مفعمة بالعصيان المسلح والآمال والإيمان الكاثوليكي، بينما كان جوزيف بونابرت يتطلع إلى نابلي، في حين كان نابليون يحارب النمسا وكان ويلزلي Wellesely (ولنجتون) يستعد لينقض مرة ثانية من إنجلترا ليساعد في عودة أسبانيا إلى ما كانت عليه في العصور الوسطى، مع أنه هونفسه (ويلزلي) كان رجلا عصريا بكل معنى الكلمة·
وكان السير جون مور John Moore - قبل موته في كورونا Corunna (61 يناير 9081) قد نصح الحكومة البريطانية ألا تقوم بمحاولات أخرى للسيطرة على البرتغال، فقد كان يعتقد أن الفرنسيين سينفذون أوامر نابليون بضم البرتغال إلى فرنسا عاجلاً أم آجلا، كما كان يعتقد أن إنجلترا لن تجد وسيلة لنقل العدد العدد الكافي من الجنود لمواجهة 000،001 جندي فرنسي موسمى في أسبانيا كما أنها لن تتمكن من تدبير المؤن اللازمة لجنودها· لكن السير آرثر ويلزلي كان قلقا في أيرلندا وأخبر وزير الحرب أنه إذا أتاح له قيادة عشرين ألف أو ثلاثين ألف جندي بريطاني ودعم وطني، فإنه يستطيع أن يحفظ البرتغال بعيدة عن قبضة أي جيش فرنسي لايزيد عن 000،001 مقاتل(12)، ووافقت الحكومة البريطانية وألزمته بكلماته، وفي 22 أبريل سنة 9081 وصل إلى لشبونة على رأس 000،52 بريطاني وصفهم في وقت لاحق بأنهم حثالة الأرض··· ومجموعة من الأوغاد·· لايمكن السيطرة عليهم إلا بالسياط، إذ إنهم لم يخلقوا إلا للسكر(22)· لكنهم يستطيعون القتال بشراسة إذا لم يكن أمامهم سوى خيار واحد: إما أن يقتلوا (بفتح الياء) أو يقتلوا (بضم الياء)·
وتحسبا لوصول ويلزلي وقواته، حرك المارشال سولت Soult 000،32 جندي فرنسي إلى أوبورتو Oporto وفي هذه الأثناء كان جيش فرنسي آخر بقيادة المارشال كلود فكتور Claude Victor يتقدم من الغرب على طول التاجوس Tagus· وقرر ويلزلي Wellesley - الذي كان قد درس معارك نابليون بدقة - أن يهاجم سولت Soult قبل أن يتمكن المارشلان من ضمّ قواتهما معاً لشنّ هجوم على لشبونة التي تمكن البريطانيون منها· وبعد أن انضم إلى قوات ويلزلي البالغة 000،52 مقاتل، 000،51 مقاتل برتغالي بقيادة وليم كار بيرسفورد W. Carr Beresford (فيكونت بيرسفورد) قادهم جميعا إلى نقطة على نهر دورو Douro في مواجهة أو بورتو Oporto وفي 21 مايو سنة 9081 عبر مجرى النهر وهاجم مؤخرة جيش سولت Soult بشكل مفاجئ فتراجع الجيش الفرنسي وعمته الفوضى، وخسر الجيش الفرنسي 0006 قتيل وكل مدفعيته، ولم يتعقب ويلزلي الجيش الفرنسي المنهزم فقد كان عليه أن يسرع جنوبا للتصدي لجيش فرنسي آخر بقيادة فيكتور، لكن فيكتور بعد أن علم بهزيمة سولت Soult استدار عائداً إلى تالافيرا Talavera وهناك تلقى من جوزيف مددا زاد من عدد جيشه ليصبح 000،64 مقاتل، ولم تكن قوات ويلزلي تزيد على 000،32 بريطاني و 000،63 أسباني، والتقى الجيشان في تالافيرا في 82 يوليو سنة 9081، وهرب الجنود الإسبان ومع هذا فقد تمكن ويلزلي من تكبيد جيش فكتور 0007 قتيل وجريح واستولى منه على 71 مدفعا· وسيطر ويلزلي على ميدان المعركة رغم أن جيشه فقد 0005 ما بين قتيل وجريح، وقدرت الحكومة البريطانية كفاءة ويلزلي وشجاعته فأصبح يحمل لقب فيكونت ولنجتون ومع هذا فقد أدى انتصار نابليون في معركة واجرام Wagram (9081) وزواجه من ابنة الإمبراطور النمساوي (مارس0181) إلى وضع حد لولاء النمسا لإنجلترا· وكانت روسيا لا تزال حليفة لفرنسا، وكان هناك 000،831جندي فرنسي إضافي مستعدين للخدمة العسكرية في أسبانيا، وكان المارشال أندريه ماسينا Andre Massena بجنوده البالغ عددهم 000و56 يخطط للخروج بهم من أسبانيا لغزو البرتغال· وأخبرت الحكومة البريطانية ولنجتون أنه إذا غزا الفرنسيون أسبانيا مرة أخرى فلا جناح عليه إن انسحب بجيشه إلى إنجلترا(32)· وكانت هذه لحظة حرجة في مهمة ولنجتون، فالانسحاب - رغم أن الحكومة البريطانية قد سمحت به - قد يلوث سجله إذا لم يحقق نصراً كبيرا على نحو ما يخفف من وطأة الانسحاب، فقرر أن يخاطر برجاله وبمهمته وبحياته بضربة أخرى تعتمد على الحظ (برمية نَرْد أخرى)، وفي هذه الأثناء كان قد جعل رجاله يقيمون خطا من التحصينات إلى الشمال من قاعدته في لشبونة بخمسة وعشرين ميلا من التاجوس Tagus وعبر تورز فيدراس Torres Vedras حتى البحر·
وبدأ ماسينا Massena معركته بالاستيلاء على حصن سيوداد رودريجو Ciudad Rodrigo الإسباني ثم عبر إلى البرتغال بستين ألف مقاتل· وكان ولنجتون على رأس 000،25 من المتحالفين (بريطانيين وأسبان وبرتغاليين) فالتقى به في بوساكو Bussaco (شمال كويمبرا Coimbra) في 72 سبتمبر سنة 0181 فتكبّد 0521 ما بين قتيل وجريح أما ماسينا فتكبّد 006،4، ومع هذا فقد أدرك ولنجتون أنه لن يستطيع - كماسينا - التعويل على مدد يأتيه، لذا فقد تراجع إلى تحصينات تورز فيدراس Torres Vedras وأمر رجاله باتباع سياسة الأرض المحروقة أي تدمير كل ما يلقونه في طريق تراجعهم حتى يعاني جيش ما سينا من الجوع، وفي 5 مارس سنة 1181 قاد ماسينا جنوده الجياع عائداً إلى أسبانيا وأسلم القيادة لأوجست مارمون Auguste Marmont·
وبعد أن قضى ولنجتون فترة الشتاء في الراحة وتدريب رجاله أخذ المبادرة فاتجه إلى أسبانيا على رأس جنوده البالغ عددهم 000،05 وهاجم قوات مارمون البالغ عددها 000،84 بالقرب من سالامانكا Salamanca في 22 يوليو 2181، ففقدت القوات الفرنسية 000،41 ما بين قتيل وجريح بينما فقد البريطانيون وحلفاؤهم 007،4، وانسحب مارمون، وفي 12 يوليو غادر الملك جوزيف بونابرت مدريد على رأس 000،51 مقاتل لتقديم النجدة لمارمون، لكنه علم في أثناء الطريق بما حل بمارمون من هزيمة، فلم يجرؤ (أي الملك جوزيف بونابرت) على العودة للعاصمة (مدريد) فقاد قواته إلى فالنسيا Valencia ليلحق هناك بجيش فرنسي أكبر عددا بقيادة المارشال سوش Sochet ولحق به - بعجلة وفوضى - 000،01 من المتفرنسين (المؤيدين للحكم الفرنسي من الإسبان والبرتغاليين) وحاشيته وموظفوه· وفي 21 أغسطس دخل ولنجتون مدريد فرحبت به الجماهير بحماس بالغ، تلك الجماهير التي ظلت غير مفتونة بدستور نابليون· وكتب ولنجتون لأحد أصدقائه إنني بين أُناس يكاد الفرح يذهب بعقولهم· لقد منحني الرب حظاً سعيداً أرجو أن يستمر لأكون أداة لتحقيق استقلاله(42)·
لكن الرب تردّد فلم يُعطه استمراراً لهذا الحظ فقد أعاد مارمون تنظيم جيشه خلف تحصينات بورجو Burgos، فحاصره ولنجتون هناك؛، وتقدم جوزيف من فالنسيا Valencia على رأس 0009 مقاتل لمواجهة القوات البريطانية والمتحالفين معها، فتراجع ولنجتون (81 أكتوبر 2181) متجاوزاً سالامانكا إلى سيوداد رودريجو Ciudad Rodrigo وفقد في أثناء تراجعه 0006 من قواته (بين قتيل وجريح)، ودخل جوزيف مدريد مرة أخرى وسط استياء عارم من الجماهير، وإن ابتهجت الطبقة الوسطى لعودته، وفي هذه الأثناء كان نابليون يرتجف في موسكو، وظلت أسبانيا - مثلها في ذلك مثل سائر أوروبا - في انتظار نتيجة مغامرته التي ستؤثر في أحوال القارة الأوروبية·



صفحة رقم : 14689