قصة الحضارة -> عصر نابليون -> ملوك أوروبا في مواجهة التحدي -> إيطاليا وغُزاتُها -> خريطة إيطاليا

الفصل السادس والعشرون


إيطاليا وغُزاتُها


9871 - 3181


1- خريطة إيطاليا


في سنة 9781


في هذه الفترة لم تكن إيطاليا أمة وإنما كانت ساحة قتال· لقد كانت ممزقة إلى مناطق منفصلة متناحرة، وإلى لهجات متباينة لقد كانت ممزقة بشكل يصعب معه أن تتحد في وجه هجوم أجنبي وكانت المنطقة شمال نابلي تنعم بالشمس والتربة المثمرة التي توفر لها ريٌ جيد ومجار مائية تهبط إليها من جبال الألب أو الأبينين Apennines، مما حمل أهلها مرارا على حمل السلاح بسبب الخلافات بينهم وبين الأجانب من جامعي الضرائب·
وكان معظم إيطاليا قد وقع تحت حكم - أو نفوذ - أسرة الهبسبرج النمساوية على وفق بنود معاهدة أوتريشت (أوترخت) الموقعة في سنة 3171، تلك المعاهدة التي جعلت ميلان، ومانتوا Mantua ونابلي وسردينيا وما يتبعها جميعا للإمبراطور شارل السادس Charles VI - وفي الركن الشمالي الغربي من شبه الجزيرة الإيطالية، كانت سافوي وبيدمونت يحكمهما ملوك سردينيا· وفي سنة 4371 كانت مملكة الصقليتين بمركزيها: نابلي، وباليرمو، قد انتقلت من الهبسبرج إلى البوربون بفضل المقاتل المقتدر، والحاكم القدير الذي أصبح مليكا لأسبانيا ونعني به شارلز الثالث III Charles، وقبل أن يتجه إلى أسبانيا ورث مملكة نابلي لابنه فرديناند الرابع IV Ferdinand الذي تزوج الأرشدوقة ماريا كارولينا Maria Carolina التي أدت سيطرتها على زوجها إلى وقوع مملكة نابلي بكاملها تحت النفوذ النمساوي· وعندما ماتت الإمبراطوة ماريا تيريزا Maria Theresa (0871) حكم أبناؤها لومبارديا Lombardy وتسكانيا Tuscany ومادينا Modena وتزوجت ابنتاها من حاكمي نابلي وبارما Parma وأصبحت سافوي Savoy وبيدمونت Piedmot وسردينيا Sardinia تحت الحماية النمساوية· وكانت المنطقة الإيطالية الوحيدة التي تحظى بالاستقلال آنئذ هي البندقية (فينيسيا Venice) ولوسا Lucca وسان مارينو وجنوة Geneo· وكان في القسم الإيطالي الواقع بين المناطق التي يسيطر عليها هبسبرج النمسا في الشمال، والمناطق التي يسيطر عليها بوربون أسبانيا في الجنوب - الولايات الباباوية Papal states، ولم تبق هذه الولايات باباوية (أي تابعة للبابا) إلا بسبب التنافس بين الأسرتين، وبسبب كون الإيمان الكاثوليكي هو وحده الذي يربط إيطاليا ليجعل منها كيانا واحدا·
وكان الحكم النمساوي في الشمال الإيطالي ممتازا بمقاييس العصر، فقد كانت الضرائب تفرض على الملاك الإقطاعيين والإكليريكيين (الملاك من رجال الدين)، وكانت امتيازات هؤلاء الإقطاعيين والإكليريكيين قد جرى تقليصها، وتم إغلاق مائة دير، وجرى تخصيص عوائدها لأغراض التعليم والإحسان، وجري إصلاح إجراءات التقاضي، ومنع التعذيب وأصبح القانون الجنائي أكثر إنسانية (أكثر مراعاة للبعد الإنساني)، وفي تسكانيا في الفترة من 5671 إلى 0971 قدم الدوق الكبير ليوبولد لمناطق آل ميديتشي سابقا، ربما أفضل حكومة في أوربا(1) وظلت عاصمتها فلورنسا حصنا للحضارة خلال كل الفترات التي تماوجت فيها القوى والأفكار·
والبندقية الثرية الفاسدة المرتشية الجميلة أصبحت الآن (9871) تقترب -بشكل واضح - من نهايتها كدولة ذات سيادة· فإمبراطوريتها الشرقية وقعت منذ زمن طويل في أيدي الأتراك (العثمانيين)، لكن حكمها (أي البندقية) ظل معترفاً به فيما بين جبال الألب Alps وبدوا Padua وما بين تريست Trieste وبريسكيا Brescia· وكانت البندقية من الناحية الرسمية جمهورية، لكنها كانت من الناحية الفعلية أرستقراطية مغلقة، وأصبحت حكومتها فاترة الهمة مستبدة لا تتسم بالكفاءة· لقد كان لدى البندقية أفضل التوابل في العالم المسيحي لكنها لم تكن تمتلك جيشا· لقد كانت قد أصبحت ملعباً لأوربا تضمن لأهلها المسرات وتوفر لهم البغايا حتى تضمن أن يعاملها الأعداء بود· لقد كانت واقعة بين النمسا في الشمال ولمبارديا النمساوية في الغرب، وكان من الجلي أن قدرها سيؤول بها إلى الوقوع فريسة للنمسا بمجرد توقف فرنسا عن حمايتها·
وإلى الجنوب من تسكانيا والبو the Po بدأت الولايات الباباوية أساليبها المتعرجة (غير المباشرة) مع منطقتها في روما، Romagna ومفوضياتها: فرارا Ferrara وبولونيا Bologna (ليس المقصود بطبيعية الحال كيان أو دولة بولونيا المعروفة حاليا) ورافنا Rarvenna، وكان كل منها يديره مفوض باباوي (مفوض من قبل البابا)، ومن ثم إلى الجنوب مع الحدود marches أو الأراضي الحدودية بالقرب من الأدرياتي: ريمينى Rimini، وأنكونا Ancona وأوربينو Urbino، ومن ثم عبر جبال الأبينين Apennines خلال بيروجيا Perugia التابعة لأومبريا Umbria وسبوليتو Spoleto، وعبر أورفيتو لاتيوم Latium,s Orvieto وفيتربو Viterbo إلى روما Rome· كل هذه المنطقة التاريخية كانت تحت حكم الباباوات على وفق هبات donations قدمها للكنيسة الكاثوليكية بيبن Pepin ملك الفرنجة Franks في سنة 457، وشارلمان في سنة 477· وبعد انتصار حاسم في مجمع ترنت Council of Trent (5451 - 3651) وسع الباباوات سلطاتهم على الأساقفة تماما كما فعل الشيء نفسه الملوك المعاصرون بتوسيع سلطانهم على اللوردات الإقطاعيين· لقد بدأت السلطة تتمركز أو بتعبير آخر بدأت تتمحور حول مركز·
لكن سرعان ما بدأت الباباوية تنهار ببطء وبالتدريج كلما تقدم العلم وتعمقت الفلسفة مما أفقد الكنيسة - بشكل خطير - تأييد الطبقات المؤثرة في أوربا الغربية، ومما عرضها لتحديات صريحة ليس فقط من الحكام البروتستنط، وإنما أيضا من الحكام الكاثوليك من جوزيف الثاني في النمسا وفرديناند الرابع في نابلي· بل كان تزايد الأقلية المتشككة في الكاثوليكية في ولايات الكنيسة نفسها (الولايات الباباوية) والتي كانت تشكل روابط سرية، إلى إضعاف قبضة الإكليروس (رجال الدين) على الناس· لقد كتب جوزيف الثاني في سنة 8671 إن المحكمة الباباوية Curia كادت تصبح محتقرة، فمن الداخل كان سكان الولايات الباباوية في الغاية من البؤس والانحطاط، وكانت ميزانية هذه الولايات في فوضى كاملة بدرجة لا تصدق وكان جوزيف غير مؤمن بالكاثوليكية، لذا فقد نعتبره مبالغا، لكن سفير البندقية كتب في تقرير له في سنة 3871 أن الأمور الداخلية في ولايات الحبر الجليل (البابا) في أقصى درجات الفوضى، إنها في حالة انهيار تدريجي، والحكومة الباباوية تخسر كل يوم قوتها ومصداقيتها ومشروعيتها(2)· ورغم فقر الولايات الباباوية وعدوى المالاريا في جو الصيف، فقد جعل أهل روما الحياة مستساغة باهتبال كل المزايا المتمثلة في تسامح الكنيسة مع علاقاتهم الغرامية وبالاستمتاع بالكارنفالات، بل لقد كان رجال الدين أنفسهم ينعمون باسترخائهم في دفء الشمس في إيطاليا·
وكان الباباوات في هذه الفترة الحرجة على تقوى وشرف فبيوس السادس VI Pius (تولى الباباوية في الفترة من 5771 إلى 9971) - رغم رحلته الشاقة إلى البندقية فشل في إعادة جوزيف الثاني النمساوي للطاعة (المقصودة الطاعة للكاثوليكية والباباوية) ولم تنفعه ثقافته وكياسته من منع فرنسا من ضم أفينون Avignon إليها، ومات وهو في سجنه في ظل حكومة الإدارة (في فرنسا)، وبيوس السابع VII Pius (تولى الباباوية في الفترة 0081 - 3281) بذل كل ما في وسعه لإعادة الكاثوليكية لفرنسا، وعانى السجن لفترة طويلة في ظل حكم نابليون وعاش لينتصر بتواضع على الإمبراطور المخلوع (4181)·
وإلى الجنوب من الولايات الباباوية ازدهر البوربون الأسبان بازدهاركل من جيتا Gaeta وكابوا Capua وكاسرتا Caserta ونابلي وكابري Capri وسورنتو Sorrento· لكن الازدهار الإيطالي توقف هناك (لم يعد له وجود) فمدن مثل بسكارا (بسكره Pescara) وأكويلا Aquila وفوجيا Foggia وباري Bari وبرينديسي Brindisi وتارانتو Taranto وكرتون Crotone تذكرت ميلو Milo وقيصر وفريدريك الثاني (إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة)، بل وحتى فيثاغورس، لكن أهل هذه المدن كانوا عرضة للشمس الحارقة، منهكين بالضرائب وليس من سلوى لهم سوى في عقيدتهم الدينية· ثم يأتي جامعو الضرائب عابرين من رجيو كالابريا Reggio Calabria إلى مسينا Messina في صقلية، وهناك أيضا توقر المدن فقرها إذا ما تذكرت الفينيقيين، والإغريق، والقرطاجنيين والرومان والفندال والمسلمين والنورمان والأسبان حتى يتوقف جامعو الضرائب في بالرمو Palermo ليكونوا في خدمة احتياجات الملوك والملكات والأمراء التجار واللصوص والقديسين Saints· تلك هي المملكة التي ورثها في سنة 9571 فرديناند الرابع ذو الثمانية أعوام· لقد نشأ رياضياً وسيماً يفضل المسرات والألعاب الرياضية على أعباء السلطة فكان غالبا ما يترك أمور الحكم لزوجته ماريا Maria Carolina· وبتوجيه من رئيس وزرائها (وزيرها الأول) وعشيقها السير جون أكتون John Acton أدارت ماريا سياسة نابلي من مناصرة الحكم الأسباني ألى مناصرة الحكم النمساوي، إلى مناصرة إنجلترا في سنة 1971· وفي هذه الأثناء كان البارونات الإقطاعيون يستقطعون كل عائد من الفلاحين المنهكين، وسادت الرشوة، وساد الفساد في البلاط وفي طبقة الموظفين والقضاة وكانت الضرائب باهظة وكانت تقع في الأساس على كاهل الطبقات الدنيا، وأصبح سكان المدينة يتصرفون كالبرابرة بسبب الفقر، لقد اعتادوا الفوضى والجريمة لا يكبحهم سوى العدد الوافر من رجال الشرطة ورجال الدين الظلاميين الماهرين في إظهار المعجزات· (في كنيسة الكائدرائية، كانت رفات القديس جنيوار يوس Januarius تنزف دما في كل عام)· وجرت العادة أن تتسامح الكنيسة مع خطايا الجسد، فهذه الخطايا هي الرفاهية الوحيدة المسموح بها للفقراء· وفي أيام الكرنفالات ينظر الناس للوصية السادسة من الوصايا العشر باعتبارها قيدا لالزوم له يتنافى مع الطبيعة البشرية·
ومع هذا فقد كانت الملكة تغار من كاترين الثانية الروسية التي كان حولها كثير من الفلاسفة رهن إشارتها، لذا فقد رعت الفنانين والدارسين وأساتذة الحكمة حتى لو لم تكن تعرف شيئا عن الفن والبحث والحكمة· وهو احتمال وارد، لذا فقد كان في نابلي كثير من الرجال النساء الذين يؤمنون بالأفكار العصرية، وربما فاق عددهم ما هو موجود في أية مدينة إيطالية أخرى(3) وقد تابع كثيرون منهم بأمل صامت الأخبار التي أتت من باريس والتي تفيد أن الفرنسيين قد اجتاحوا سجن الباستيل واستولوا عليه·



صفحة رقم : 14691