قصة الحضارة -> عصر نابليون -> ملوك أوروبا في مواجهة التحدي -> إيطاليا وغُزاتُها -> إيطاليا والثورة الفرنسية
2- إيطاليا والثورة الفرنسية
لقد هيأت أفكار الليبراليين ذوات التأثير، الطبقات المتعلمة في إيطاليا لاستيعاب بعض التحولات الأساسية في فرنسا· لقد كان بكاريا Beccaria وباريني Parini في ميلان، وتانوسي Tanucci وجينوفيسي Genovesi وفيلانجيري Filangieri في نابلي، وكاراكيولي Caraccioli في صقلية قد مارسوا بالفعل كتابة النثر والشعر، وكتبوا بالفعل في مجال التشريع والفلسفة وكانت الأفكار التي طرحوها هي نفسها - إلى حدما - الأفكار التي تقرها الآن حكومة الجمعية الوطنية (الفرنسية)، أفكار تؤيد العقل وتعتمد عليه وتميل إلى الحداثة· وفي توسكانيا Tuscany رحب الدوق الكبير ليوبولد نفسه بالثورة الفرنسية باعتبارها إصلاحا عظيما واعداً في كل أنحاء أوربا(4)·
وعندمــا اندفــغ نابليــون ابن الثــورة وجنرالهــا فـــي إيطاليــا (6971)، وكأنــه ريـــح غربية عاصفة، وأخرج الجيوش السردينية (جيوش سردينيا) والنمساوية من بيدمونت ولومبارديــا، رحــب به كل الإيطاليين تقريبا باعتباره قائداً إيطاليا يقود جنودا فرنسيين لتحريــر إيطاليا· ورغــم ما واجهــه من عصــيان مسلــح فــي بافيا Pavia وجنـوة Genoa وفيرونا Verona فقد كان في مقدوره - لفترة - أن يتصرف في الدول والإمارات الإيطالية كما لو كانت قد استسلمت له بغير شروط، وعلى هذا ففي شهري يوليو وأغسطس سنة 7971 دمج كلا من ميلان ومودينا Modena وريجيو إيميليا Reggio Emilia وبولونيا Bologna وجانبا من سويسرا، ليجعل منها كيانا مختلطا هو الجمهورية السيزالبية Cisalpine Republic (الجمهورية القريبة من جبال الألب والمحيطة بها)، وقدم لها دستورا كدستور فرنسا الثورة·
وقد أبهجت ليبراليته في فترة حكمه الأولى في شمال إيطاليا أحلام السكان المحليين بالحرية· وقد اعترف الزعماء المحليون بعد أن لانت عريكتهم بالوظائف الشرفية، وألقاب الفخامة التي وزعها عليهم نابليون، بأنه في قارة يقتسمها الذئاب لا بد من ذئب أو آخر كحامٍ لإيطاليا، وإن أفضل ذئب يمكن اختياره هو الذي يتحدث الإيطالية بطلاقة، ويخفف أعباء الضرائب، ويضبط الأمن بقوانين متنورة· لكن زيادة التشريعات الثورية ضد الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا صدمت عواطف الإيطاليين، فقد ثبت لهم أن دينهم أغلى بالنسبة إليهم من التحرر السياسي الذي يضطهد في ظله قسسهم، ويتشمم المرء في ثناياه مذابح سبتمبر· وفي 31 يناير 2971 هاجمت الجماهير في روما ممثلاً دبلوماسياً للحكومة الفرنسية، مات في اليوم التالي من فرط ما أصابه على أيدي هذه الجماهير· وقد خلق هذا أزمة جديدة للبابا بيوس السادس الذي كان يعاني بالفعل من مرسوم التسامح (1871) الذي أصدرة جوزيف الثاني في النمسا· لقد وجد البابا نفسه الآن في مواجهة مصادرة الثورة الفرنسية لممتلكات الكنيسة وفي مواجهة الدستور المدني للإكليروس (رجال الدين) الصادر في 21 يولبو سنة 0971· ولأن هذا البابا كان قد نشأ على الاحترام الكامل للتراث الكنسي فقد أعلن إدانته للثورة وأيد الملوك الذين يتصدون لها لمحقها· لكنه أجبر في صلح تولينتينو Peace of Tolentino (91 فبراير 7971) على التخلي لفرنسا عن المقاطعات الباباوية:
أفينون Avignon وفيناسين Venaissin كما أجبر في الصلح نفسه على التخلي عن المدن الدول City - states: فرارا Ferrara وبولونيا Bologna ورافنا Ravenna للجمهورية السيزالبية·
وفي ديسمبر سنة 7971 قتلت الجماهير الإيطالية الجنرال الفرنسي ليونار دوفو Leonard Duphot، وانتهز الجنرال الفرنسي لوي (لويس) بيرثييه Berthier الذي خلف نابليون في قيادة جيش إيطاليا (كان نابليون وقتها في مصر) الفرصة لغزو روما وإقامة جمهورية روما تحت الحماية الفرنسية، واعترض البابا بيوس السادس فتم القبض عليه وتم نقله من مكان إلى آخر حتى مات في فالنسي Valence في 92 أغسطس 9971 في عهد حكومة الإدارة· وراح المراقبون غير الواعين بالتاريخ يتساءلون عما إذا كان في موته موت للباباوية أو بتعبير آخر هل انتهى الآن عصر الباباوية بغير رجعة(5)؟ وأتاح هذا الموقف لفرديناند الرابع النابلي (نسبة إلى نابلي) فرصاً ثلاث: أن يجرّب الجيش الجديد الذي كان جهزه له السير جون أكتون Acton، وأن يثبت للكنيسة الكاثوليكية أنه ابن مخلص لها، وأن يستولي على جانب من الولايات الباباوية مكافأة تشريفية له· ووافق الأدميرال (أمير البحر)نيلسون الذي كان في هذا الوقت يتلكأ في نابلي لقضاء اكبر وقت ممكن مع إما هاملتون Emma Hamilton - وافق على تقديم المساعدة بإنزال قوة بحرية في ليجورن Leghorn، وجعل الملك على رأس جيشه الجنرال النمساوي كارل ماك Karl Mack وركب معه لفتح روما (92 نوفمبر 8971) وقررت الحاميات الفرنسية التي بقيت في روما أنه لا قبل لها بمواجهة كل جيش نابلي فأبدت استعدادها لإخلاء المدينة (روما)·
وبينما كان الكاردينالات المتفوقون يختارون بابا جديدا في البندقية (فينيسيا) كان جنود فرديناند يختبرون أجراس روما ويستعرضون فنونها، وفي هذه الأثناء هبط الجنرال الفرنسي اللامع جان - إتين شامبيون Etienne Championnet Jean - من الشمال على رأس جيش فرنسي منتعش (لم تنهكه الحروب) فحقق نصرا على جيش ماك Mack غير المنظم في سيفيتا كاستيلانا Civita Castellana (51 ديسمبر 8971) وتعقبه طوال انسحابه إلى نابلي واستولى على المدينة وسط فرحة طبقة المثقفين، وأقام الجمهورية البارثينوبية Parthenopean (32 يناير 9971) وهرب فرديناند والملكة وكذلك السير وليم هاملتون (من Bovary) إلى بالرمو في سفينة القيادة التابعة لنيلسون (كان اسم السفينة هو فانجارد Vanguard ومعناها الطليعة)·
ولم تستمر هذه الجمهورية الجديدة سوى أقل من خمسة أشهر فقد تم استدعاء شامبيون وكثير من رجاله للاتجاه شمالا لطرد النمساويين، ومات شامبيون في هذه المعركة ضد النمساويين· وجهز الكاردينال فابريزيورفو Fabrizzio Ruffo جيشا جديدا لفرديناند، وعــاون القائـد الإنجليزي إدوارد فــوت Foote فــي إعــداد هـذا الجيش، فاستعاد فرديناند نابلي بمسـاعدة الجماهير فيهـا، فقد كانت الجماهير في نابلي تنظر للحملة الفرنسية على أنهـا مكونـة مـن مقاتلين ملحديـن ملعونـين، ولجـأ الفرنسـيون بمساعـدة أدميــرال من نابلي هو فرانسسكو كاراكيولو Caracciolo إلى حصنين من حصون الميناء· وعرض عليهم الكاردينال رفو Ruffo والقائد فوت Foote المغادرة إلى فرنسا دون عوائق إن استسلموا لكن قبـل تنفيــذ الاتفـاق وصـل نيلســون بأسطوله حاملاً مجموعة ملكية، قادما من بالرمو، فتولى هو (نيلسون) القيادة ووجه مدافعه إلى الحصون رغم اعتراض الكاردينال(6)، فاستسلم الفرنسيون بلا شرط، وقبض على كاراكيولو (الذي ساعد الفرنسيين) بينما كان يحاول الإبحار بعيدا وحوكم محاكمة سريعة أمام محكمة عسكرية عقدت على سفينة نيلسون وشنق في 92 يونيو 9971 على سفينته· (لامينيرفا La Minerva) وتدلى جسده من عارضة شراع هذه السفينة، واستعاد الملك والملكة العرش فسجنوا مئات الليبراليين وأعدموا قادتهم·
| صفحة رقم : 14692 |
|