قصة الحضارة -> عصر نابليون -> ملوك أوروبا في مواجهة التحدي -> إيطاليا وغُزاتُها -> إيطاليا تحت حكم نابليون
3- إيطاليا تحت حكم نابليون
0081 - 2181
ظل نابليون طوال تسعة أشهر بعد عودته من مصر يعمل على إقناع الأمة الفرنسية بتعريفه للحرية السياسية عن طريق استفتاءات دورية كان يتوقع أن تسفر نتائجها عن كون الحرية السياسية تتفق مع الاستبداد المتنور (حكم المستبد العادل)· لقد كانت فرنسا قد تعبت من الحرية الديمقراطية في الوقت الذي كان فيه الليبراليون الإيطاليون يتوقون إليها بعد أن أثار حفيظتهم عودة الحكم النمساوي· فمتى يعود هذا الإيطالي اللامع الذي أصبح فرنسيا (نابليون) إلى إيطاليا ليخرج هؤلاء النمساويين وليجعل لإيطاليا حاكما إيطاليا؟
واستغرق القنصل البارع (نابليون) وقتا مناسبا للإعداد المتقن - وكان الإتقان أول مبادئ استراتيجيته· وعندما تبلورت الأمور أمامه أخيرا كانت خطته أكثر كفاءة بكثير من هجوم سنة 6971: تسلق جبال الألب، ومن ثم الهبوط عليها من الجانب الآخر، وشق القوات النمساوية لتصبح في قسمين، وقيادة الجيش الفرنسي الرئيسي لمهاجمة مؤخرة القوات النمساوية وتطويقها وحجزها مع قائدها العجوز حتى يستسلم الذئب النمساوي للثعلب الغالي (الفرنسي) ويترك له كل الممتلكات الإيطالية غرب فينيزيا Venezia (1081) لقد كانت خطته أقرب ماتكون إلى خطة سبق أن وضعها ونفذها في سنة 7971· وأعطى نابليون للجمهورية السيزالبية المتمحورة حول ميلان والجمهورية الليجورية في جنوا استقلالاً نسبيا، وجعل على رأس كليهما حكاما إيطاليين تحت الحماية الفرنسية· وحتى الآن فإن نابليون لم يقدم على عمل يسبب الإزعاج للولايات الباباوية إذ عقد اتفاقات وفاق مع الكنيسة وارتد عن الإسلام (لم يصبح محمديا Mohammedan) ووافـق فردينانـد الرابـع ملك نابلـي علـى إغلاق موانئها في وجه السفن البريطانية ولم يستطيع نيلسون تقديم يد العون لبلاده لأنه كان مشغولا بمهاجمة كوبنهاجن (2 أبريل 1081) وأحس الإيطاليون بيد إيطالية رفيقة كامنة وراء هذا الإنجاز (المقصود يد نابليون) فابتهجوا·
والآن لقد قبضت هذه اليد على زمام السلطة، ففي يناير سنة 2081 تقابل 454 مندوبا مفوضا من الجمهورية السيزالبية في ليون Lyons وأقروا دستورا جديدا وضعه نابليون وقبلوا اقتراح تاليران بانتخاب نابليون رئيسا للجمهورية الإيطالية الجديدة Republica Italiana. · وبعد أن نصب نابليون نفسه إمبراطورا على فرنسا (4081) بدا منصب (رئيس إيطاليا) متواضعا بالنسبة إليه، لذا، ففي 62 مايو سنة 5081 تلقى نابليون في ميلان تاج الملوك اللومبارديين الموقر والعريق، وكان تاجا من حديد وأصبح بذلك حاكما لشمال إيطاليا وقدم لأهل البلاد المدونة القانونية النابليونية، وساوى بين الجميع في فرص التعليم بأن فرض على الدوائر (المقاطعات) الأكثر ثراء مساعدة الدوائر الأفقر، ووعد بأن يجعل شعبي في إيطاليا··· لا يتحمل ضرائب باهظة بل ستكون وطأة الضرائب هنا أخف منها في أي أمة أخرى في أوربا وعندما غادرهم ترك معهم ابن زوجته الحبيب إلى نفسه يوجين دي بوهارنيه Eugen de Beauharnais نائباً له (نائب ملك) دلالة على اهتمامه بأمرهم·
وطوال الأعوام الثمانية التالية نعمت المملكة الجديدة (خاصة لومبارديا) برخاء عام وحياة سياسية نشيطة ظل الإيطاليون يذكرونهما بخير لفترة طويلة· ولم تتظاهر الحكومة بالديمقراطية، فقد كان نابليون غير مؤمن بقدرة الجماهير في أي مكان على الاختيار الحكيم للقادة أو السياسات، لكنه بدلاً من ذلك نصح يوجين أن يجمع حوله أكثر المديرين خبرة وكفاءة· وبالفعل فإن هؤلاء الأكفاء قد خدموه بحماسة ومهارة، لقد نظموا جهازاً إدارياً يتسم بالكفاءة، ونفذوا كثيرا من الإنشاءات العامة - طرق، وقنوات وحدائق عامة ومشروعات إسكان ومدارس، وأصلحوا وسائل الصرف واتخذوا إجراءات للمحافظة على الصحة العامة وأصلحوا السجون وقانون العقوبات وأقاموا مشاريع محو الأمية ونهضوا بالموسيقا والفنون، وارتفعت عوائد الضرائب من 28 مليون فرنك في سنة 5081 إلى 441 مليون فرنك في سنة 2181، لكن جزءاً من هذه الزيادة كان يعكس التضخم (وفرة العملة اللازمة لتمويل الحرب) كما كان في جانب آخر منها نتيجة إعادة توزيع الثروات المتركزة في أيدي القلّة للقيام بمشروعات للصالح العام·
وفي هذه الأثناء واصل نابليون جهوده لصبغ إيطاليا بالصبغة النابليونية، ففي سبتمبر 2081 ألحق بيدمونت بفرنسا، وفي يونيو سنة 5081 حث حكومة جنوة على طلب إدماج الجمهورية الليجورية في الإمبراطورية الفرنسية· وفي سبتمبر 5081 ضم دوقيات بارما Parma وبياسنزا Piacenza وجواستالا Guastalla· وفي ديسمبر 5081 - بعد محق الجيش النمساوي في معركة أوسترليتز - حث الإمبراطور فرانسيس الثاني على تسليم فينيزيا (فينيتسيا Venezia) لمملكة يوجين الجديدة· وكانت البندقية Venice شديدة الامتنان لهذا التعويض الجزئي عن المقايضة غير العادلة التي عقدها نابليون مع البنادقة في سنة 7971، وعبرت عن امتنانها هذا بإقامة مهرجانات الترحيب به(بنابليون) عندما زار مدينتهم في سنة 7081(7)· وفي مايوسنة 8081 تولى أمر دوقية تسكانيا Tuscany الكبيرة في وقت كانت الإدارة النمساوية بها في أحسن حالاتها· وحكمت ليزا أخته (أخت نابليون) لوسا Lucca حكما طيبا حتى إن نابليون حولها إلى تسكانيا وبفضل حكمتها وسياسة الاسترضاء التي اتبعتها أصبحت فلورنسا ملاذا للآداب والفنون يعيد إلى الأذهان ذكرايات أيام آل ميدتشي·
وفي 03 مارس سنة 6081 أعلن نابليون تعيين أخيه جوزيف ملكا على نابلي وأرسله على رأس جيش فرنسي ليعيد للطاعة فريدريك الرابع غير المنضبط وزوجته الملكة كثيرة المطالب· لقد بدا الإمبراطور (نابليون) قد ادخر أكثر المهام صعوبة لجوزيف الكريم وأنه - أي نابليون - لم يضع في اعتباره كثيرا المخاطر والصعوبات التي تنطوي عليها هذه المهام· لقد كان جوزيف رجل ثقافة يحب صحبة المتعلمين وصحبة النسوة اللائي لم يطغ علمهنّ على جاذبيتهنّ(8)· وقد شعر بونابرت أن هذه الصفات لا تكفي ليحكم المرء مملكة حكما ناجحا· فلم عينه إذن؟ لقد عينه لأنه كانت لديه من الممالك التي فتحها مايفوق عدد إخوته، ولم يكن نابليون يثق في أحد ثقته في أقاربه المقربين·
لقد كان جوزيف قد حظي معلا - كملك لنابلي - بتأييد زعماء الطبقة الوسطى الذين لم يكونوا مرتاحين في ظل النظام الإقطاعي، لكن العامة رفضته كمغتصب وكافر، وكان على جوزيف أن يتخذ إجراءات صارمة لقمع مقاومتهم· وكانت الملكة قد أخذت معها إلى صقليةكل الأموال المودعة في بنك الدولة· وكان الأسطول البريطاني يحاصر الميناء ويعوق حركة التجارة، وكان الجنود الفرنسيون قد شرعوا في حركة عصيان خطيرة، فرغم جهودهم الحربية الممتازة كانت رواتبهم قليلة جدا، وطلب جوزيف من أخيه أن يحول إليه بعض الأموال، فوجهه أخوه إلى جمع الأموال من نابلي لقاء قيام الفرنسيين بتحريرها وتفاوض جوزيف مع رجال المال الهولنديين للحصول على قرض، وفرض ضريبة على كل الدخول (جمع دخل)، على النبلاء والعوام ورجال الدين على سواء· واستدعى من باريس الكونت بيير - لويس روديريه Comte Pierre - Louis Roederer وهو أحد الاقتصاديين الذين يفضلهم نابليون ليتولى أمر خزانة الدولة فسرعان ماضبطها، وقام إداريون آخرون ذوو خبرة بتأسيس مدارس مجانية في كل كميونات المملكة، وكلية في كل مقاطعة وتم إبطال الإقطاع، وتم تأميم أراضي الكنيسة وبيعها للفلاحين ولأفراد الطبقة الوسطى النامية، وتمت مواءمة القوانين مع مدونة نابليون القانونية، وتم تطهير النظام القضائي، وتسهيل الإجراءات القضائية، وتم إصلاح السجون ونظام العقوبات(9)·
لقد كان جوزيف يقترب من النجاح الكامل وكاد يصبح مقبولا من العامة عندما دعي فجأة ليتبوأ عرشا يتعرض شاغله لخطر أشد، وليقوم بمهام أصعب - لقد دعي ليكون ملكا على أسبانيا(01 يونيو 8081)، وعين نابليون بدلاً منه على عرش نابلي جوشيم مورا Joachim Murat زوج أخته كارولين بونابرت، ولم يلجأ نابليون لهذا (تعيين زوج أخته) إلا لأنه لم يكن لديه أخ آخر يمكن تعيينه على عرش نابلي- وإذا ذكرمورا Murat ارتبط اسمه بأناقة ملبسه وجرأته في المعارك، كما أنه يفرض علينا تكريم ذكراه لأنه أعاد تشكيل حكومة نابلي· لقد كان رجلا يتحلى بكل فضائل الفلاحين خلا الصبر· لقد كان أكثر ملاءمة للأعمال والمهام الشاقة (الهرقلية) منه للدبلوماسية الماكرة ودور رجل الدولة المتسم ببعد النظر، وكان زوجاً محبا ممزقا بين الخلافات مع أخي زوجته، والإخلاص له، حتى ظنه مجنونا، ونستطيع أن نفهم شكواه (أسباب تبرمه) من حقيقة أن الحصار القاري الذي طلبه نابليون (منع دخول البضائع الإنجليزية إلى دول أوربا) كان يدمر الحياة الاقتصادة في نابلي· ومع هذا فقدنجح هو ومساعدوه - ربما بسبب عدم صبره - إنجاز الكثير في فترة حكمه التي دامت أربع سنوات· لقد أكمل مع مساعديه إصلاح نظام الضرائب ودفع ديون البلاد بكاملها (وكان هذا في معظمه نتيجة بيع الممتلكات الكنسية) وألغى رسوم المرور الداخلية، ومول المشروعات العامة الأساسية· لقد حولت إدارة جوزيف وإدارة مورا Murat اللتان استمرتا أقل من ثماني سنوات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في نابلي تحولاً أساسيا حتى إنه عندما استعاد فرديناند الرابع عرشه في سنة 5181 قبل تقريبا كل الإصلاحات التي قام بها الفرنسيون· وكان أعز هذه الإنجازات إلى قلب جوشيم Joachim هو الجيش ذا الستين ألف مقاتل الذي نظمه ودربه، وكان يأمل أن يستطيـع بــه توحيـد إيطاليـا ليكـون هـو أول مليـك لإيطاليـا الموحـدة، لكنـه اسـتيقظ مـن هذا الحلم ونزع من شمس إيطاليا باستدعاء أخي زوجته سنة 2181 لينضم إليه في غزو روسيا·
| صفحة رقم : 14693 |
|