قصة الحضارة -> عصر نابليون -> ملوك أوروبا في مواجهة التحدي -> إيطاليا وغُزاتُها -> ما وراء المعارك
5- ما وراء المعارك
المعارك هي الألعاب النارية في دراما التاريخ، فخلفها يكمن الحب والكراهية بين الرجال والنساء، والكفاح والمقامرة في مضمار الاقتصاد، والهزائم والانتصارات في مجالات العلوم والآداب والفنون والتطلع اليائس لعقيدة دينية·
وقد يكون الإيطالي عاشقا متعجلا، لكنه يعمل بحيوية على زيادة أفراد الجنس البشري (المعنى أنه كثير الجماع) كما أنه يريد أن يملأ شبه الجزيرة الإيطالية الذهبية بأمثاله، حتى إن المهمة الوحيدة للمعارك والحروب هي تقليص عدد السكان المزدحمين، ولم تكن الكنيسة الكاثوليكية تشجع عدم الإنجاب بل كانت ترفضه أكثر من رفضها للزنا، لذا فلم تكن الكنيسة تعمل على تحديد النسل وما كانت تستطيع وقف تضاعف عدد السكان·
لقد كانت الكنيسة تشجع العلاقات الغرامية مبتسمة لإيروس Eros (إله العشق عند الإغريق) ولم تفرض المحاذير على الشهوات المنطلقة في الكرنفالات· وكانت البنات غالبا ما يحتفظن بعذريتهن لأنهن كن يتزوجن في سن مبكرة، وكن يخضعن لمراقبة قاسية قبل الزواج، لكن بعد الزواج كان يمكن للمرأة أن يكون لها تابع يقوم بأمرها غير زوجها Cacvalier Servente أو حتى عشيق (لأن الزواج يعني عادة ضم ممتلكات الزوجين) ولا يجد الإيطالي غضاضة في اتخاذ زوجته عشيقا، إذ يظل الزواج رغم هذا محترما في نظره، وإذا اتخذت المرأة عشيقين أو ثلاثة اعتبرت (شبقة على نحو ما Little Wild)· وهذه على أية حال شهادة اللورد بايرون(12) الذي كان يميل إلى أن كل النساء يمكن الوصول إليهن· وربما كان حديثه منصرفا إلى نساء البندقية فقط حيث استقرت فيها فينوس (إلهة الحب عند الرومان) على نحو خاص، لكننا وجدنا ستندهال Stendhal يقول الشيء نفسه عن نساء ميلان في مؤلفه Chartreuse de Parme·
ورغم هذا التساهل والتسيب الخلقي، فالحياة في ميلان بدت كئيبة في نظر مدام دي ريموزا de Re,musat التي حزنت لغياب الحياة الأسرية، فالأزواج غرباء بالنسبة إلى زوجاتهم إذ يتركونهن ليرعى أمورهن العشاقServente Cavaliere(22)· ولم تكن مدام دي ستيل de Stael سعيدة لما اعتبرته سطحية تبدو واضحة في مناقشات الرجال في إيطاليا، وكانت مدام دي ستيل متألقة في المناقشات التي أجرتها مع الجنسين· لقد كانت ترى أن الإيطاليين يرهقهم التفكير(32)· لقد ذكرها الإيطالييون بأن الكنيسة لاترتاح إلى التفكير بصوت مسموع· لقد كان غالب الإيطاليين متفقين مع البابا في أن الدين مع العقيدة المستقرة والعوائد المالية التي تدرها مناطق ما وراء الألب أكثر فائدة لإيطاليا ومع هذا كان هناك الكثير من الفكر الحر الهادئ بين الأقلية المتعلمة(42) بل وقدر غير قليل من الهرطقة السياسية· لقد كان باستطاعةألفيري Alfieri أن يكتب بحماس عن الثورة الفرنسية وصفق مئات الإيطاليين لسقوط الباستيل، وكان في إيطاليا مؤسسات مختلطة (تضم رجالاونساء) وتقدم تعليما مهذبا مثل أكاديمية أركاديا the Accademia della Arcadia التي كانت في وقت من الأوقات تجمعا مشهورا للرجال المتعلمين والنساء المتعلمات، وتم تأسيس أكاديمية كروسكا Crusca في سنة 2181· وفي سنة 0081كانت هناك امرأة هي كلوتيدا تامبروني Coltida Tambroni تقوم بتدريس اليونانية في جامعة بولونيا Bologna في إيطاليا·
وانتعشت دراسة العلوم والطب في جامعات إيطالية أخرى ففي سنة 1971 وضح لويجي جالفاني Luigi Galvani (7371 - 8971) في جامعة بولونيا الايطالية أنه إذا تم توصيل عضلة ساق الضفدعة بقطعة من الحديد، وتم توصيل عصبها (عصب الضفدعة) بقطعة من النحاس ، نشأ عن ذلك تيار كهربائي وسيسبب هذا التيار تقلص العضلة· وفي سنة 5971 اخترع أليساندرو فولتا Alessandro Volta (5471 - 7281) في جامعة بافيا Pavia البطارية الجافة Voltaic Pile التي أدهشت أوربا حتى إنه استدعى إلى باريس في سنة 1081 لعرضها في المعهد العلمي الفرنسي، وفي 7 نوفمبر، قرأ ورقة بحثية أمام جمهور ضم نابليون نفسه عن (تطابق الموائع الكهربائية مع الموائع الجلفانية) وفي سنة 7081 نشر لويجى رولاندو Luigi Rolando أبحاثه التي مازت هذه الفترة عن تشريح المخ· إن إيطاليا عديمة الفكر كانت تعلم أوربا ثورة أعظم من الثورة الفرنسية·
وضعف المسرح الإيطالي لأن الإيطاليين وجدوا أنه من الطبيعي تماماً أن يحولوا الحديث العادي إلى أغان، والدراما إلى أوبرا، وكانت الجماهير تميل كثيرا إلى المسرحيات البسيطة ذات الطابع الكوميدي، أما الأفراد الأكثر نضجا فكانوا يؤثرون المسرحيات من نوع ما يكتبه فيتوريو ألفيري Vittorio Alfieri (9471 - 3081) التي أعلن فيها كرهه للطغيان وتطلعه لتحرير إيطاليا من الحكم الأجنبي، فكل مسرحياته تقريبا سبقت الثورة الفرنسية(52) لكن مبحثه الانفعالي المفعم حماسا لم ينشر إلاسنة 7871 في بادن Baden مع أنه كتبه في سنة 7771، ولم ينشر في إيطاليا إلا سنة 0081 وأصبح بعد نشره من كلاسيات الفلسفة الإيطالية وفن الكتابة بالإيطالية· وأخيرا وجدناه في عمله الذي يحمل عنوان Misogallo (9971) الذي كتبه في أواخر حياته المضطربة - يدعو الشعب الإيطالي للنهوض والإطاحة بالحكم الأجنبي كما دعاه للوحدة· وهنا وجد مازيني Mazzini وغاريبالدي صوتا واضحا يعبر عن أفكارهما·
لقد انعكست طبيعة الإيطاليين الانبساطية (غير الانطوائية) ولغتهم الشجية ونزوعهم الموسيقي إلى الشعر، فقد شهد هذا العصر القصير - حتى بعد استسلام ألفيري Alfieri للماضي وليوباردي Leapardi للمستقبل - مائة شاعر يتسلقون الشكل الشعري ويركزون عليه أكثر من تركيزهم على محتواه العاطفي (المدرسة البرناسية الفرنسية التي طغى اهتمامها بالشكل الشعوي على ما سوى ذلك )، وكان أسعدهم هو فينسينزو مونتي Vincenzo Monti (4571 - 8281) الذي كان لديه كلمات طيبة يقولها في كل موضوع واعد· لقد دافع في عمله (La Bassevilliana) (3971) عن الدين في وجه الثورة الفرنسية مما جعله مقبولا في البلاط الباباوي، وفي عمله (Il bardodella Selva Nara) المنشور في سنة 6081 عظم من شأن تحرير نابليون لإيطاليا فعينه الفاتح (نابليون) أستاذا في جامعة بافيا Pavia وبعد سقوط نابليون اكتشف أخطاء الفرنسيين وأعلنها كما اكتشف فضائل النمساويين· وخلال كل هذه التقلبات راح يمتدح بشكل متواصل (La ballezza dell, Universo)· وقد تخطى هذه الشطحات في ترجمته للإلياذة (0181)، ولم يكن يعرف من اللغة اليونانية شيئا، وإنما قام بصياغة شعرية لنص نثري، لذا فقد وصفه فوسكولو Foscolo بهذه العبارة: gran traduttor dei traduttore d,Omero وكان أجو فوسكولو Ugo Foscolo (8771 - 7281) شاعرا أكبر منه وكان أكثر ميلاً منه للحزن· وهو كشاعر كان ذا حس عاطفي يغلب على التفكير المنظم· لقد أطلق العنان لرغباته وانتقل من قصة شعرية قوامها الحب والفروسية إلى قصة أخرى، ومن بلد إلى بلد ومن بشارة gospel إلى أخرى، وانتهى إلى اشتياقه للأحلام القديمة· لكن خلال كل مراحل تطوره كان حريصا على الالتزام بالشكل الشعري، وحتى عندما استبعد الوزن والقافية راح يسعى للكمال في موسيقا اللغة·
لقد ولد بين عالمين - ولد في جزيرة زانطة Zante بين اليونان وإيطاليا، من أب إيطالي وأم يونانية، وبعد أن قضى في زانطة خمسة عشر عاما انتقل إلى البندقية واقتطف من جمالها السهل ووقع في حب تهتكها وتعلم أن يكره السيطرة النمساوية المجاورة، وفرح عندما أتى نابليون كإعصار من نيس Nice إلى مانتوا Mantua، وهتف لبطل أركول Arcole: بونابرت المحرر، لكن عندماسلم المخلص (نابليون) البندقية للنمسا انقلب عليه معبرا عن سخطه في رواية (Le Ultime Lettere di Lacopo Ortis) التي نشرها في سنة 8971، وهي رواية يعبر فيها عن أفكاره من خلال الخطابات الأخيرة التي كتبها بندقي (Werther) لأحد أصدقائه يقص عليه فيها مأساته المزدوجة: فقده حبيبته إذ فاز بها عزوله، وفقده البندقية تلك المدينة الحبيبة إذ وقعت في قبضة الغول التيوتوني Teutonic Ogre·
وعندما انطلق النمساويون لغزو شمال إيطاليا مرة أخرى انضم فوسكولو Foscolo للجيش الفرنسي، وحارب بشجاعة في بولونيا Bologna (مدينة إيطالية) وفلورنسا وميلان وخدم قائداً Captain في القوات التي أعدها نابليون لغزو إنجلترا· وعندما تبدد حلم غزو إنجلترا، تخلى فوسكولو عن الحرية وعكف على القلم وعاد لإيطاليا ونشر أجمل أعماله (I Sepolcri) في سنة 7081· لقد احتفى في هذه الرواية البالغ عدد صفحاتها ثلاثمائة صفحة مفعمة عاطفة مصقولة على نحو كلاسي بالكتابات على القبور باعتبارها تخليدا لذكرى أناس عظماء، وعظم من شأن كنيسة سانتا كروز Croce في فلورنسا لعنايتها الشديدة ببقايا مكيا فيللى وميشيل أنجلو وجاليليو، وراح يتساءل كيف يخضع شعب أنجب خلال قرون عديدة هذا العدد الكبير من رواد الفكر والإنجاز لحكام أجانب؟ كيف يخضع مثل هذا الشعب بإنجازاته الهائلة في الفلسفة والشعر والفن لهؤلاء الأجانب؟ وراح يعلي من شأن ما خلفه الرجال العظماء كدليل على الخلود، وكدليل على عظمة أمة وسمو حياتها الروحية·
وعندما أصبح النمساويون مرةأخرى سادة لشمال إيطاليا (4181 - 5181) فرض فوسكولو على نفسه النفي فأقام في سويسرا ومنها اتجه - بعد ذلك - لإنجلترا، وراح ينفق على نفسه من عمله مدرساً وكاتب مقالات ومات في فقر شديد سنة 7281· وفي سنة 1781 نقل رفاته من إنجلترا إلى فلورنسا حيث دفن في سانتا كروز في إيطاليا التي تحررت أخيرا·
قال بايرون (الذي أحب إيطاليا رغم قوله هذا) في إيطاليا لا بد أن يكون الرجل في خدمة امرأة Cicisbeo أو مغنياً في ثنائي أو متقناً لفن الأوبرا وإلا فإنه يصبح لا شيء(62) فالأوبرا الإيطالية خاصة تلك التي كان يتم إنتاجها في البندقية ونابلي ظلت تسود المسارح الأوربية الهادفة، بعد أن تحداها لفترة وجيزة جلك Gluck وموزارت Mozart، إذ سرعان (5181) ماسرقت أعمال روسيني Rossini الميلودية وأنغامه العاصفة الأضواء حتى في فينا Vienna· وقد عاد بكيني Piccine - بعد أن نافس جلك Gluck في باريس - إلى نابلي، حيث فرضت عليه الإقامة الجبرية في منزله لتعاطفه مع الثورة الفرنسية·
وبعد أن فتح نابليون إيطاليا دعي مرة أخرى إلى فرنسا (8971) لكنه مات فيها بعد عامين· وقد حقق بيسيلو Paisiello - كمؤلف وقائد فرفة موسيقية - انتصارات فنية في سان بطرسبرج St. Petersbrug وفي فينا، وفي باريس، وفي نابلي في ظل حكم فرديناند الرابع، وبعده في ظل حكم جوزيف بونابرت، ثم في ظل حكم Murat· وخلف دومينيكو سيماروزا Domenico Cimarosa خلف أنطونيو ساليري Salieri كقائد أوركسترا في فينا وأنتج هناك أكثر أعماله الأوبرالية شهرة في سنة 2971 وهي (IL matrimonio Segreto) وفي سنة 3971 دعاه فرديناند للعودة إلى نابلي كما يسترو maestro di Capella، وعندما استولى الفرنسيون على نابلي استقبلهم بسرور، وعندما استعاد فرديناند عرشه حكم عليه بالإعدام لكن هناك من حثه على تخفيف الحكم فصدر قرار بنفيه خارج البلاد، فانطلق سيماروزا قاصدا سان بطر سبورج، لكنه مات في الطريق إليها في البندقية (1081)، وفي هذه الأثناء كان موزيو كليمنتي Muzio Clementi يؤلف الموسيقا ويعزف على البيانو في العواصم المختلفة، وكان يعد عمله الذي حقق شهرة في وقت من الأوقات (Gradus ad Parnassum) في سنة 7181 وهو كتاب تعليمي للشباب عن راغبي تعلم العزف على البيانو في كل مكان·
وبدأ نيكولو (نيقولا) باجانيني Niccolo Paganini (2871 - 0481) في جنيف في سنة 7071 مهمته التي قضى فيها ردحا طويلا من الزمن إذ راح يحيي الحفلات بالعزف على الفيولين (الكمان)· لقد أحب الكمان بإخلاص وعشقه أكثر من أي امرأة من الكثيرات اللائي تدلهن حبا في موسيقاه· لقد طور إمكانات الكمان بشكل لم يسبق له مثيل عزفاً وتأليفا· لقد ألف أربعة وعشرين لحنا حرا Capricci أدهشت بغرابتها وتطورها كل من سمعها· وقد عينته إليزا بونابرت باكيوش (باكيوكي Bacciocchi) على رأس فرقة موسيقية في بيمبينو Piombino (5081) لكن هذا التعيين لم يمنعه لفترة طويلة من تنقلاته إلى حيث كانت كونشرتاته تجلب له الشهرة والنجاح الأكيدين، والثروة· وفي سنة 3381 استقر في باريس، ومنح بيرليوز Berlioz عشرين ألف فرنك لينقذه من فقر شديد كان يعانيه، وشجعه لتأليف عمله (هارولد في إيطاليا)· لقد أصبح باجانيني Paganini مرهقا إرهاقا شديدا بسبب انهماكه الشديد في العمل والعزف، فقرر أن يترك الإثارة في العاصمة المفتونة بالعبقرية والتي تمور بالثورة· ومات في نيس Nice سنة 0481 تاركا بالإضافة إلى ألحانه الحرة الآنف ذكرها ثمانية كونشرتات والعديد من السونتات يتحدى بها عازفي الفيولين (الكمان) والذين يؤلفون مقطوعات له (للفيولين) لقرن قادم· إن فن العزف على الفيولين وتأليف مقطوعات للعزف على هذه الآلة لم يعودا بمثل هذه الحيوية إلاالآن وبفضله·