قصة الحضارة -> عصر نابليون -> ملوك أوروبا في مواجهة التحدي -> إيطاليا وغُزاتُها -> أنطونيو كانوفا
6- أنطونيو كانوفا
7571 - 2281
كانت إيطاليا في عصر نابليون منشغلة تماما بالحروب والسياسة بائسة تماما في روحها العام ليس بها من الأعمال الخيرية الخاصة إلا القليل وهما الأمران اللازمان لنشر الفنون خاصة فن العمارة الذي أعلى من شأن إيطاليا في الوقت الذي كانت فيه كل أوربا ترسل بنسي Pence القديس بطرس للباباوات، وفي الوقت الذي كانت فيه فلورنسا والبندقية وميلان مثل روما ونابلي - ثرية وتحكم نفسها بنفسها أو بتعبير آخر تتمتع بحكم ذاتي· لقد ارتفعت شامخة بعض الإنشاءات المتميزة:
- Arco della Pace في ميلان (6081 - 3381) التي قام عليها لويجي كاجنولا Luigi Cagnola
- Teatro La Fenice (مسرح البندفية) في البندقية (2971) الذي قام عليه أنطونيو سيلفا Selva
- Palazzo Braschi (قصر برازش) في روما (5971) بسلمه الفخم الذي قام عليه كوزيمو موريللى Cosimo Niccolini ولم تشهد إيطاليا رسوما (فن تصوير) خالدةً ولكن النحاتين الإيطاليين استلهموا الآثار الهرقلية Herculaneum لينبذوا تأثيرات فن الباروك العربية وطخامة الروكوكو rococo ليعودوا يستلهمون الروعة والهدوء والخطوط البسيطة في فن النحت الكلاسي· وقد ترك لنا واحد من هؤلاء النحاتين أعمالا لاتزال تستوقف الرائي، وتغريه بلمسها، وتبقى في ذاكرته إنه أنطونيو كانوفا الذي ولد في بوساجنو Possagno (بوسانو) عند سفح جبال الألب في البندقية· وكان أبوه - وكذلك جده - نحاتا، وقد تخصص الأب والجد في أعمال النحت المرتبطة بمذابح الكنائس وكذلك في نحت الأيقونات وتماثيل القديسين وغير ذلك من المنحوتات ذات الطابع الديني المسيحي· وعندما مات الأب (0671) أخذ الجد ابن ابنه أنطونيو إلى بيته ثم بعد ذلك إلى الإستوديو الخاص به· ولفت أنطونيو أنظار شريف أرسولو Arsolo (الشريف Patrician لقب للأرستقراطي الروماني) جيوفاني فالير Giovanni Falier لدأبه على العمل وتوقه الشديد للتعلم، فقدم له المال اللازم لدراسته في البندقية ورد له الشاب جميله بأن قدم له أول منحوتاته اللافتة للنظر (أورفيوس ويوريديس(72) Orpheus & Eurydice) وفي سنة 9771 انطلق - بموافقة الشريف فالير - إلى روما، فدرس فيها آثار الفنون القديمة،، وراح أكثر فأكثر يستوعب تفسيرات وشروح ونكلمان Winckelmann للنحت الإغريقي باعتباره فناً يهدف إلى تمثّل الجمال المثالي من خلال الشكل الكامل والخط كأفضل وأتم ما يكون· لقد كرّس نفسه تماماً لإحياء الأسلوب الكلاسي في النحت·
وحثّ أصدقاؤه في البندقية الحكومة على دفع راتب سنوي له طوال السنوات الثلاث التالية فأصبح يتلقى بناء على هذا ثلاثمائة دوكات Ducat في العام· ولم تُلهه هذه الأموال ولم تَعُقه عن مواصلة ما نذر نفسه له فقد راح - بحب - يحاكي النماذج الكلاسية وبدا في بعض الأحيان وقد أنتج مثيلا يضارعها تماماً كما في تمثال بيرسيوس Persues وعمله الذي أطلق عليه The Pugilist، وقد أنجز كلا العملين في سنة 0081، فكانا هما العملين الوحيدين من بين أعمال النحّاتين المعاصرين اللذين استحقا أن يوضعا في بلفيدير الفاتيكان جنباً إلى جنب مع الأعمال الفنية الكلاسيّة التي حازت إعجاب العالم(82)· وعملهُ النحتيّ (ثيزيوس يذبح القنطور كائن خرافي نصفه فرس ونصفه بشر Thesues Slying the Centour) (5081) - وهو نحت من رخام - موجود الآن فيما كان يعرف في وقت من الأوقات بالحدائق الإمبراطورية في فينّا - يمكن ببساطة أن يخطئ المرء فيظنه من الأعمال النحتية الخالدة في العصور القديمة، لولا المبالغة في إظهار القوة والضراوة، وكان كانوفا أفضل ما يكون في الأعمال ذات الطابع الناعم (المقصود غير العنيف) التي تتلاءم مع شخصيته كما في تمثاله هيب Hebe الموجود في المتحف الوطني في برلين، ففي هذا العمل نجد ابنة زيوس Zeus وهيرا Hera وهي ربّة الشباب تحظى بشرف توزيع النبيذ على الأرباب·
وبدأ كانوفا في عام 5081 وهو عامه العامر بالإنتاج أشهر تماثيله: فينوس Venus Victri X (في متحف بورجيز في روما Galleria Borghese) وقد حث بولين بورجيز Pauline Borghese - أخت نابليون - أن تتخذ أمامه هذا الوضع (البوز Pose) لينحت لها تمثالاً يعبّر عن مفاتنها، وكانت وقتها في الخامسة والعشرين في تمام تكوينها الجسدي(92) لكن قيل إن الفنان لم ينقل مباشرة إلاّ ملامح وجهها (لم يستخدم - كموديل - إلاّ وجهها) أما الملابس والأطراف فقد أعمل فيها خياله وأحلامه وذاكرته· وانتهى من هذا التمثال في غضون عامين ثم عرضه ليحكم عليه العامة والنحّاتون المنافسون، فراعهم التمثال بما فيه من جمال عزيز ولمسة حب، وفي هذا التمثال لم يكن الفنان مجرَّد مقلّد لبعض الأعمال القديمة العظيمة الخالدة، وإنما كان تعبيراً عن امرأة حية في زمن حي، كانت في رأي أخيها (نابليون) هي الأجمل· لقد جعل منها كانوفا هدية للأجيال·
وفي سنة 2081 دعا نابليون الفنان كانوفا ليأتي من روما إلى باريس، فنصحه البابا بيوس السابع - وكان قد وقَّع لتوّه اتفاقا (كونكوردات) مع القنصل (نابليون) - بتلبية الدعوة والذهاب لفرنسا لأسباب ليس أقلها أن يكون غازيا إيطاليا آخر يغزو فرنسا (تلميح لأصول نابليون الإيطالية) وأفضل التماثيل النصفية العديدة التي نحتها هذا الفنان لنابليون هو ذلك التمثال الموجود في متحف نابليون في كاب دنتيب Cap dصAntibes إذ يبدو المحارب الشاب في هذا التمثال وكأنه أرسطو في حالة تأمل حقيقي والأكثر شهرة بكثير هو التمثال الكامل (من الرأس إلى القدمين) الذي صنعه كانوفا من الجص ثم نحته بعد ذلك من كتلة واحدة من رخام كارارا Carrara marble عند عودته لروما· وتم إرسال هذا التمثال إلى باريس في سنة 1181 حيث وُضع في متحف اللوفر، لكن نابليون اعترض على هذا التمثال بحجة أنَّ شارة النصر المجنّحة التي وضعها النحّات في يمينه تبدو للرائي وكأنها تطير مبتعدة عنه، فتم حجب التمثال عن المشاهدين وفي سنة 6181 اشترته الحكومة البريطانية وأهدته إلى ولنجتون Wellington، وهو الآن موجود أدنى سلّم قصر ولنجتون في لندن (بيت أبسلي Apsley) ويبلغ ارتفاعه أحد عشر قدماً· وقدم كانوفا إلى بارىس مرة أخرى في سنة 0181 لنحت تمثال لماري لويز Marie Louise وهي جالسة على مقعد· ولم تكن النتيجة محل إعجاب لكن نابليون قدَّم للفنان عند رحيله الأموال اللازمة لترميم كاتدرائية فلورنسا ومبلغا لتمويل أكاديمية القديس لوك Luke (للفنون) في روما· وبعد سقوط نابليون أصبح كانوقا رئيساً لهيئة عيَّنها البابا لاستعادة الأعمال الفنية التي كان الجنرالات الفرنسيون قد أرسلوها لباريس، وردّها لأصحابها الأصليين·
لقد تربّع على عرش النحت الإيطالي في عصره، ولم يبزّه في أوربا إلاّ هودون Houdon (1471 - 8281) الذي حظي في هذه الفترة بالتوقير، وكان من رأى بايرون الذي كان أكثر ألفة في إيطاليا منه في فرنسا أن أوروبا والعالم ليس فيها إلاّ كانوفا واحد(03) وأنه - أي كانوفا - يضارع نحّاتي العصور الكلاسية القديمة(13) وربما كان أحد أسباب الاحتفاء به هو موجة الكلاسيّة الجديدة التي جعلته - كما جعلت ديفد David (ساعد نابليون كليهما) يتبوأ مقعد الريادة في فنّه· لكن أوروبا لم تكن لترضى لفترة طويلة بتقليد (أو نسخ) الأعمال الفنية القديمة أو بتعبير آخر لم تكن لترضى - لفترة طويلة - بتقليد الآثار، لذا فسرعان ما أخضعت الحركة الرومانسية الخط والشكل للون والمشاعر وهكذا زوت شهرة كانوفا·
ولا يبعد عن سياق حديثنا ان نذكر أن كانوفا كان رجلا طيبا معروفا بتواضعه وتقواه وحبه للإحسان كما كان قادراً على تقدير منافسيه وعدم بخسهم حقهم، وكان يعمل بجد، وعانى من جو روما المسبب للملاريا ومن نحت الأعمال الضخمة، فغادر روما في صيف سنة 1281 طالبا هواء أنقى وحياة أهدأ في مسقط رأسه بوسّاجنو (بوسّانو) وفيها مات في 31 أكتوبر 2281 وهو في الرابعة والستين من عمره فبكاه كل المثقفين في إيطاليا·