قصة الحضارة -> عصر نابليون -> ملوك أوروبا في مواجهة التحدي -> إيطاليا وغُزاتُها -> ستبعث إيطاليا من جديد
7- ستُبعثُ إيطاليا من جديد
ما هي المحصلة الجبرية (نسبة إلى علم الجبر) الكلية لما أحدثته فرنسا من خير وشر في إيطاليا في هذا العصر؟ لقد قدمت فرنسا لأمّة تتمرّغ في الكسل بسبب حكم الأجانب لها، صيحة صاخبة ونموذجاً لأمة حقّقت حريتها بإرادتها وأفعالها وهي تكاد تميَّزُ من الغيظ· لقد قدّمت فرنسا لإيطاليا روحاً جديدة مفعمة بالتحدي فيما يتعلق بعلاقة المواطنين بالدولة· لقد قدّمت فرنسا لإيطاليا مجموعة المدوّنة النابليونية· لقد كانت صارمة لكنها كانت بنّاءة ومحدّدة وواضحة ضبطت الأمور وأشاعت النظام ومهدت الطريق للوحدة والمساواة أمام القانون في شعب طالما قسّمته الطبقية والنفور من الامتثال للقانون· وعمل نابليون ورجال إدارته الدؤوبون على تحسين الأداء الحكومي وتطهيره وعلى الإسراع بالتنفيذ ومضاعفة الأشغال العامة (المشروعات العامة) وتزيين الطرق وإنشاء الحدائق والشوارع التي تحفها الأشجار، وتطهير الطرق والمستنقعات والترع والقنوات، وتأسيس المدارس وإلغاء محاكم التفتيش وتشجيع الزراعة والصناعة والعلوم والآداب والفنون· وحمى الحكم الجديد (الفرنسي) دين الناس لكنه لم يعطِ الحكومة حق قمع المنشقين عن الكنيسة· لقد كان نابليون المتشكك (غير المؤمن بالكاثوليكية) هو الذي خصّص الأموال لإكمال كاتدرائية ميلان، وتم الإسراع بالإجراءات القانونية كلها كما أُدْخل عليها الإصلاح، وأصبح التعذيب مخالفاً للقانون ولم يُعد استخدام اللغة اللاتينية في المحاكمة أمراً لازماً، وفي هذه الفترة (9871 - 3181) لم يكن ينقص جوزيف ومورا في نابلي ويوجين في ميلان إلاّ ان يكونوا إيطاليين ليحظوا بحب الشعب·
أما الجانب الآخر للصورة فيتمثل في التجنيد الإلزامي والضرائب والاختلاس (بمقادير قليلة)· لقد وضع نابليون نهاية للصوصية وقطع الطرق، لكنه استولى على الأعمال الفنية الشهيرة التي كانت إيطاليا متخمة بها، وفيما يتعلق بالتجنيد الإجباري فقد كانت حجج نابليون هي الأكثر معقولية باعتباره - أي التجنيد الإجباري - وسيلة عادلة لحماية الأمة الجديدة من الفوضى الداخلية والحكم الأجنبي، فالإيطاليون كما قال لابد أن يتذكروا أن الجيش هو الدّعم الأساسي للدولة· لقد آن الأوان أن يكف الشباب العاطل في المدن الكبيرة عن الخوف من متاعب الحروب وأخطارها· وربما كان التجنيد الإجباري مقبولاً كشّرٍ لابد منه لو أن المجنّدين الإيطاليين لم يجدوا أنفسهم عُرضة للذهاب إلى أي جبهة لحماية مصالح نابليون أو فرنسا، لقد تحرك ستة آلاف منهم إلى القنال الإنجليزي في سنة 3081 للانضمام للجيش الفرنسي لغزو إنجلترا، ذلك المشروع الذي كان غير مضمون النتائج· وتحرك ثمانون ألفا منهم(23) ليُقذف بهم بعيداً عن شمس إيطاليا ليعانوا في سهول روسيا ويدهمهم جليدها، ويواجهوا جنود القوزاق·
ولم يوافق الإيطاليون على وطنيّة الضرائب Patriotism of Taxation، ففي حالة الضرائب أيضاً لم يكن العامل الإيطالي يدفع لحماية إيطاليا وحدها وحكمها وتحسين ظروفها، وإنما أيضاً لمساعدة نابليون في مواجهة المصاريف المتزايدة المطلوبة لإدارة إمبراطورياته الممتدّة والمتقلقلة (غير المستقرة)· وكان يوجين يتوقع أن يحظى بحب رعاياه بينما هو يسلب ما في جيوبهم، إذ ارتفعت عوائد الضرائب في مملكته الصغيرة من 28 مليون فرنك في سنة 5081 إلى 441 مليون في سنة 2181، وكان من رأي الإيطاليين أن هذه الأعباء الثقيلة كان من الممكن تحملها بشكل أيسر إذا لم يسلب الحصار القاري الذي فرضه الإمبراطور (نابليون) السوق الإنجليزي من الصناعة الإيطالية، بينما كانت جمارك التصدير والاستيراد التي تجعل فرنسا في الوضع الأكثر رعاية قد كبّلت التجارة الإيطالية بالتعامل مع فرنسا وألمانيا·
وعلى هذا فحتى قبل عودة النمساويين، كان الإيطاليون قد تعبوا من حماية نابليون· لقد شعروا أنهم لم يفقدوا أعمالهم الفنية العظيمة فحسب، وإنما كانوا أيضاً عُرضة لاستنزاف ثرواتهم التي كونوها في سبيل مشروع نابليون لغزو إنجلترا وفتح روسيا، ولم يكن هذا هو حُلم شعرائهم· إنهم يعترفون أن المسؤولين الذين عينهم البابا كانوا قد سمحوا بدرجة كبيرة من الفساد والرشوة في الولايات الباباوية ومع هذا فقد ساءتهم المعاملة السيئة التي لاقاها البابا بيوس السابع من المسؤولين الفرنسيين كما ساءهم أن يأمر نابليون بسجنه، وأخيراً كرهوا حتى يوجين المحبوب فعلى يديه جرى تنفيذ كثير من مراسيم نابليون التي لم تكن تلقى منهم ترحيباً وقد رفضوا دعْم جهود يوجين لإرسال دعم لنابليون عندما كان عُرضة لهزيمة كاملة (3181) بعد ليبسج (ليبزج) Leipzig· لقد فشلت جهود تحرير إيطاليا بواسطة حكم أجنبي وجيش من الغرباء، وكان على التحرير أن ينتظر وحدة وطنية من خلال جيش إيطالي ورجال دولة إيطاليين وأدب إيطالي·
وقد تنبأ نابليون نفسه بهذه الصعوبات، وكانت حساباته صحيحة هذه المرة، رغم أنه أساء الحساب كثيراً فيما يتعلق بإيطاليا، ففي سنة 5081 - عام تتويجه ملكاً على إيطاليا· قال لبورين Bourienne:
لا يمكن أن يكون اتحاد إيطاليا مع فرنسا إلاّ مؤقتاً، لكنه ضروري لتعويد أمم إيطاليا (المقصود دولها) على العيش معاً في ظل قانون عام· فهناك كراهية متبادلة بين الجُنويين، والبيدمونتيين، والبنادقة، والميلانيين وأهل تسكانيا وأهل روما وأهل نابلي·· وروما هي العاصمة الطبيعية لإيطاليا بسبب التراث المرتبط بها· وعلى أية حال، فكي تكون روما كذلك (عاصمة طبيعية) من الضروري تقييد سلطة البابا في نطاق الأمور الروحية الخالصة· إنني لا أستطيع الآن التفكير في هذا لكنني سأنظر فيه مستقبلا·· إن هذه الدول الإيطالية الصغيرة ستصبح تلقائياً معتادة على القوانين نفسها، وعندما تخف حدة عداواتها ستصبح هناك إيطاليا واحدة، وسأجعلها مستقلة· لكن هذا قد يستغرق مني عشرين عاما، ومن منا يستطيع أن يتنبأ بالمستقبل؟(33)·
إننا لا نستطيع دوما الثقة في بورين Bourrienne لكن لا كاس Las Cases روى أن نابليون ذكر ما يشبه فحوى هذا الكلام في سانت هيلانه: لقد زرعتُ في قلوب الإيطاليين مبادئ لا يمكن انتزاعها أبداً، فعاجلاً أم آجلاً سيتحقق البعث الإيطالي(43) وقد حدث هذا بالفعل·
| صفحة رقم : 14697 |
|