قصة الحضارة -> عصر نابليون -> ملوك أوروبا في مواجهة التحدي -> النِّمسا -> أباطرة متنورون

الفصل السابع والعشرون


النِّمســا


0871 - 2181


1- أباطرة متنورون


0871 - 2971


في سنة 9871 كانت النمسا واحدة من دول أوربا الكبرى معتزّة بتاريخها وثقافتها وقوتها وبإمبراطوريتها الأوسع كثيرا من النمسا ذاتها· واسم النمسا (أوستريا) من كلمة (أوستر Auster) التي تعني ريح الجنوب ثم انصرف معناها ليعني شعبا صارما تيوتونيا وإن كان - رغم صرامته - حسن الطباع محباً للفكاهة يشارك بسعادة في مباهج الحياة ويشارك الإيطاليين جنونهم بالموسيقا· وكانت النمسا أمة سلتية Celtic عندما غزاها الرومان قبل ظهور المسيح بفترة وجيزة، وظهر أنها احتفظت عبر ألفي سنة بشيء من حيوية السلتيين وثقافتهم وذكائهم، وشيد الرومان في فيندوبونا Vindobona (التي أصبحت فيينا Vienna ثم فِيِن Wein) قاعدة أمامية لحضارتهم في مواجهة البرابرة المتطفّلين المهاجمين، وفي هذا الموضع كبح ماركوس أوريليوس Marcus Aurelius الماركوماني Marcomanni في نحو 071م - بين أفكار ذهبية، وفي هذا المكان وضع شارلمان العلامة الشرقية East Mark أو الحدود الشرقية لمملكته، وفي هذا المكان، في سنة 559م أقام أوتو Otto العظيم مملكته الشرقية his Osterreich في مواجهة الماجيار Magiars، وفي هذا الموضع في سنة 8721 أسس رودلف الهبسبرجي (من أسرة الهبسبرج) حكم أسرة حاكمة استمر حكمها حتى سنة 8191· وفي الفترة من 8161 إلى 8461 هبت ريح الجنوب كاثوليكية عنيفة فهبت العقيدة القديمة في مواجهة العقيدة الجديدة واستعرت الحرب بينهما ثلاثين عاما، وتدعّمت تلك العقيدة عندما وقفت فينا في سنة 3861 وللمرة الثانية كحصن للدفاع عن العالم المسيحي بصدها التقدم التركي (العثماني)· وفي هذه الأثناء نشرت أسرة الهبسبرج الحاكمة حكم النمسا على الدوقيات المجاورة: ستيريا Styria، وكارينثيا Carinthia وكارنيولا Carniola والتيرول Tirol وعلى بوهيميا (تشيكوسلوفاكيا) وترانسلفانيا (رومانيا) والمجر (هنجاريا) وغاليسيا البولندية ولومبارديا والأراضي المنخفضة الإسبانية (بلجيكا)· وعندما دقّ نابليون بوابات فينا للمرة الأولى في سنة 7971 كان هذا هو وضع إمبراطورية النمسا ذات الممتلكات المبعثرة على هذا النحو ووصل الهبسبرج أَوْجهم في عهد ماريا تيريزا Maria Theresa (حكمت من 0471 إلى 0871)، هذه الأم العنيدة المدهشة التي نافست كاترين الثانية Catherine II وفريدريك الكبير بين ملوك عصرها· لقد فقدت سيليزيا أمام دهاء فريدريك الميكافيللي لكنها - بعد ذلك - حاربته مع شعبها وحلفائها حتى وصل الطرفان إلى طريق مسدود، واستنزفتهما الحرب تماما، وعاشت لتضع خمسة من أبنائها البالغين ستة عشر ابناً على عروش مختلفة: جوزيف في فيينا وليوبولد في تسكانيا، وماريا أماليا في بارما Parma وماريا كارولينا في نابلي وماري أنطوانت في فرنسا· ونقلت مملكتها على كُره منها لابنها الأكبر، لأنها كانت منزعجة لعدم يقينه الديني (كان لا أدرياً) كما كان ميّالاً للإصلاح، وتنبأت أن شعبها الراسخ في حبه لها لن يكون سعيداً إذا حدث ما يُعكر صفو عقائده التقليدية وأساليبه المعتادة في الحياة·
وبدا حكمها صائباً بسبب الاضطرابات التي أربكت جوزيف الذي شاركها العرش من سنة 5671 إلى 0871 ثم تبوّأه عشر سنوات أخرى· لقد صدم الأرستقراطية بتحريره أقنان الأرض Serfs، وصدم السكان الكاثوليك ذوي الشوكة بإعجابه بفولتير وبسماحه للبروتستنط بممارسة طرائقهم في العبادة، وبإزعاجه المستمر للبابا بيوس السادس· وكان عليه أن يعترف في أواخر أيامه، وكان جهازه الإداري المحيط به غير مؤيّد له لأن الفلاحين الذين انفصلوا فجأة عن سادتهم الإقطاعيين قد أساءوا استخدام حريتهم، وأنه قد عطّل المسيرة الاقتصادية وأنه قد كان سببا في ثورة الطبقات العليا في المجر والأراضي المنخفضة النمساوية بل لقد هدّد وجود الإمبراطورية النمساوية نفسها، لقد كانت أهدافه خيّرة لكن أساليبه في الحكم كانت قائمة على إصدارة ما لا حصد له من القرارات والمراسيم التي تفرض النتائج ولا تهيّئ الأسباب أو بتعبير آخر لا تضع وسائل التنفيذ في الاعتبار· لقد قال عنه فريدريك الكبير: إنه دائماً يتخذ الخطوة الثانية قبل الخطوة الأولى(1) ومات في 02 فبراير سنة 0971 آسفا على إجراءاته الطائشة المندفعة، حزيناً على النزوع العام للمحافظة ذلك النزوع الذي يُفضِّل كثيراً ما هو مألوف معتاد على إجراء الإصلاح المطلوب·
أما أخوه ليوبولد فقد شاركه أهدافه ولكنه لم يشاركه تعجّله، فرغم أنه كان في الثامنة عشرة من عمره فحسب عندما تولّى منصب دوق تسكانيا الكبير (5671) إلاّ أنه باشر سلطته بحذر وجمع حوله إيطاليين ناضجين (مثل سيزار بيكاريا Cesare Beccaria) وأدرك طبيعة الشعب وتآلف معها، وعرف احتياجات الدوقية وإمكاناتها، وبذلك قدّم لمملكته التاريخية حكومة كانت موضع حسد أوربا· وعندما أدّى موت أخيه إلى وصوله لمرتبة القيادة الإمبراطورية كان قد أصبح ذا خبرة امتدت خمسة وعشرين عاماً، فخفّف من حدة بعض إصلاحات أخيه (جوزيف) فجعلها أكثر اعتدالاً، وألغى بعضها الآخر، لكنه اعترف تماماً بالتزام الإمبراطور المتنوّر بزيادة فرص التعليم لشعبه، وتوسيع المجالات الاقتصادية أمامه· لقد سحب الجيش النمساوي الذي كان أخوه قد أعدّه دون تقدير للعواقب لمهاجمة تركيا (الدولة العثمانية) واستخدمه لحث بلجيكا على العودة للتحالف مع النمسا· وهدّأ نبلاء المجر بالاعتراف بالدايت Deit المجري ودستور المجر، وهدّأ البوهيميين Bohemians بأن أعاد إلى براغ تاج ملوك بوهيميا القدماء وقبل التتويج هناك في كاتدرائية القديس فيتس Vitus· لقد علم أن الملك يمكن ألا يكون له مكان إذا تم الحفاظ على الشكل·
وفي هذه الأثناء قاوم محاولات المهاجرين الفرنسيين (الذين تركوا فرنسا إثر أحداث الثورة الفرنسية) وملوك أوربا لجرّه إلى حرب مع فرنسا الثورة· لقد شعر بمأزق أخته الأصغر منه - ماري أنطوانيت، لكنه خشي أن تؤدي حربه مع فرنسا إلى فقدانه بلجيكا التي لازالت الأحوال فيها غير مستقرة· ومع هذا فعندما توقف لويس السادس عشر وماري أنطوانيت في هروبهما عند فارن Varennes وأُعيدا إلى باريس ليعيشا حياة يتعرضان فيها للخطر كل يوم اقترح ليوبولد على الملوك الموالين له أن يتخذوا إجراء موحّداً لضبط الثورة الفرنسية والسيطرة عليها فالتقى فريدريك وليم الثاني البروسي مع ليوبولد في بلنيتز Pillnitz ووقعا معا إعلانا (في 72 أغسطس 1971) هددا فيه بالتدخل في شؤون فرنسا· وبقبول لويس السادس عشر لدستور الثورة الفرنسية (31 سبتمبر)، بدا هذا الإعلان بلا معنى، لكن الفوضى استمرت وزادت وأصبح الملك الفرنسي والملكة الفرنسية مرة أخرى في خطر، فنظَّم ليوبولد التعبئة العامة في الجيش النمساوي، وطلبت الجمعية الوطنية الفرنسية تفسيراً لهذا غير أن ليوبولد مات (أول مارس 2971) قبل أن تصله رسالة الجمعية الوطنية الفرنسية· ورفض ابنه وخليفته فرانسيس الثاني (42 عاماً) الإنذار، وفي 02 أبريل أعلنت فرنسا الحربَ على النمسا·



صفحة رقم : 14698