قصة الحضارة -> عصر نابليون -> ملوك أوروبا في مواجهة التحدي -> النِّمسا -> ميترنيخ

3- ميترنيخ


لقد كان الرجلُ الذي قاد فرانسيس الثاني لهذا الإنجاز قد وُلد في كوبلنتس Coblenz (كوبلنز) على شاطئ الراين في 51 مايو سنة 3771 وجرى تعميده باسم كليمنس فنزل فون ميترنيخ Klemens Wenzel Von Metternich وكان هو الابن الأكبر للأمير فرانتس (فرانز) جورج كارل فون ميترنيخ ممثل النمسا في بلاطات الأمراء الناخبين Electors الأمراء من (الأمراء المؤهلين لاختيار رأس الإمبراطورية) في كل من ترير Trier ومينز Mainz وكولوني Cologne· وتلقى الصبي اسميه الأوليين من أول هؤلاء الحكام الإكليريكيين ولم ينس أبداً ارتباطه الديني وولاءاته خلال نزوعه لأفكار فولتير في شبابه ونزوعه لأفكار ميكيافيللي عند توليه الوزارة· وكان من أسمائه أيضاً لُثَر Lother لتذكير أوربا أن أحد أجداده الذين حملوا هذا الاسم حكم ترير Trier في القرن السابع عشر· وأحياناً كان يضيف إلى اسمه (فينبرج بيلشتين Winneburg Beilstein) ليشير إلى الممتلكات التي كانت الأسرة قد امتلكتها طوال ثمانية قرون وأن الخمسة والسبعين ميلا مربعاً التي امتلكتها أسرته هي مبرر كافٍ للفظ الدّال على النبالة الذي يحمله وهو (فون Von) من الواضح أن الرجل لم يُخلق ليحب الثورات أو يقودها·
تلقى تعليماً مناسباً لوضعه من معلم لقنه أفكار الحركة التنويرية الفرنسية(3) ثم تعلم في جامعة ستراسبورج، وعندما شعر أساتذة هذه الجامعة بشيء من الرجفة لسقوط الباستيل تمّ نقله إلى جامعة مينز (مينتس Mainz) حيث درس القانون كعلم لحقوق الملكية وكعلم يستشهد بالسوابق· وفي سنة 4971 حاصر الفرنسيون كوبلنز (كوبلنتس Coblenz) باعتبارها مأوى للمهاجرين الفرنسيين المحرّضين (الذين تركوا فرنسا إثر أحداث الثورة الفرنسية)، وأمم الفرنسيون كل ممتلكات آل مترنيخ تقريباً، فلجأت الأسرة إلى فينا، وتودّد كليمنس Klemens الطويل الرياضي الأنيق إلى إلينور فون كونيتس Eleonore Von Kaunitz فكسب ودها وهي حفيدة ثرية لرجل الدولة الذي كان قد جمع بين النمسا الهبسبرجية وفرنسا البوربونية· وقد أخذ عن عروسه فنون الدبلوماسية ممثلة في انحناءات الاحترام التي لا معنى لها، وسرعان ما أصبح متمرساً في فن الخداع والمداهنة·
وفي سنة 1081 وكان وقتها في الثامنة والعشرين من عمره، تمّ تعيينه وزيراً في بلاط سكسونيا Saxony، وهناك التقى بفريدرتش فون جنتز (جينتس) Fredrich Von Genz الذي أصبح ناصحه المخلص والناطق باسمه طوال الثلاثين عاماً التالية وسلَّحه بمعظم الحجج التي تؤيد الرجوع إلى الأوضاع السابقة على الثورة الفرنسية· وإخلاصاً منه للنظم التي كانت سائدة قبل الثورة الفرنسية Ancien Regime اتخذ له خليلة هي كاتارينا باجراسيون Katharina Bagration وهي ابنة جنرال روسي سنتحدث عنه مرة أخرى بعد ذلك، وكانت في الثامنة عشرة من عمرها· وفي سنة 2081 وضعت له طفلة اعترفت زوجته بأبوّته لها(4)· واعترفت فينا بتقدمه فعينته (3081) سفيراً للنمسا في برلين· وفي أثناء الأعوام الثلاثة التي قضاها في بروسيا التقى بالقصير إسكندر الأول وكوّن معه صداقة استمرت حتى الإطاحة بنابليون· وعلى أية حالة، فإن هذا لم يكن في حساب نابليون عندما طلب من الحكومة النمساوية بعد معركة أوسترليتز Austerlitz أن ترسل واحدا من الكونيتز a Kaunitz كسفير لها في فرنسا، فأرسل له وزير خارجية النمسا الكونت فيليب فون شتاديون Stadion - مترنيخ الذي وصل باريس في 2 أغسطس 6081 وكان وقتها في الثالثة والثلاثين من عمره·
والآن بدأت معركة استمرت تسعة أعوام عامرة بالدهاء والذكاء بين الدبلوماسية والحرب انتصر فيها الدبلوماسي بتعاونه مع الجنرال· وليسترخي ميترنيخ مبتعداً عن عيني نابليون النفاذتين، وعن زوجته (أي زوجة ميترنيخ) المملّة الباردة جنسيا - راح يسلّي نفسه مع مدام لور جونو Loure Junot زوجة حاكم باريس وقتها، لكنه لم ينس أن النمسا كانت تتوقع منه أن يَسْبر أغوار عقل نابليون ويعرف أهدافه ويكتشف كل إمكانيات تحقيق مصالح النمسا· لقد كان كلا الرجلين معجباً بالآخر· لقد كتب ميترنيخ إلى جنتس Gentz في سنة 6081 إن نابليون هو الرجل الوحيد في أوربا الذي يفعل ما يريد(5) كما وجد نابليون في ميترنيخ فكراً ثاقباً كفكره(6) وفي هذا الأثناء تعلم النمساويون الكثير بدراستهم لتاليران Talleyrand·
وقضى ميترنيخ ثلاثة أعوام سفيراً في باريس ورأى برضاً أخفاه الشرَّكَ الذي وقع فيه الجيش الفرنسي العظيم Grande Armee في أسبانيا، وحاول - ولكنه فشل - أن يخفي عن نابليون أن النمسا تتسلَّح من جديد لبذل محاولة أخرى للإطاحة به· وغادر باريس في 52 مايو سنة 9081 ولحق بفرانسيس الثاني على الجبهة وشهد هزيمة النمسا في وارجان (فارجان Wargan)، واستقال شتاديون Stadion من إدارة دفة السياسة بعد أن أصابه الإحباط لفشل مغامرته العسكرية، فعرض فرانسيس المنصب على ميترنيخ في 8 أكتوبر 9081 فقبله وكان وقتها في السادسة والثلاثين من عمره، وبدأ بذلك مهامه وزيراً للأسرة الإمبراطورية ومسؤولاً عن الشؤون الخارجية، واستمر في منصبه هذا تسعاً وثلاثين سنة·
وفي يناير سنة 0181 وجد الجنرال جونو Junot في مكتب زوجته بعض خطابات الحب أرسلها إليها ميترنيخ فحاول خنقها وكاد ينجح وأقسم أن يتحدى الوزير الممتلئ نشاطاً ليبارزه في مينز (مينس Mainz)، وأنهى نابليون النزاع بإرسال الجنرال وزوجته إلى أسبانيا، ومن الظاهر أن هذه الحكاية لم تدمّر سمعة ميترنيخ ولا زواجه ولا وضعه في الحكومة النمساوية، فقد شارك في ترتيب زواج نابليون من الدوقة النمساوية ماري لويز (ماريا لويس) Marie Louise، وابتهج عندما علم بأن هذا التقارب الفرنسي النمساوي قد أغضب روسيا، وراح يراقب التوتر يزداد بين هذين القطبين الأوربيين المصارعين· لقد كان يأمل ويخطط لإضعاف الإمبراطوريتين الفرنسية والروسية فهذا يمكن النمسا من استعادة الأراضي التي فقدتها واستعادة مكانتها العالية وسط القوى المتصارعة·



صفحة رقم : 14700