قصة الحضارة -> عصر نابليون -> ملوك أوروبا في مواجهة التحدي -> النِّمسا -> الفنون
5- الفنـون
انتعش المسرح في فينا على كل مستوياته ابتداء من الاسكتشات التافهة في المسارح التي تقدم أعمالاً مُرتجلة (غير معدَّة سلفاً) إلى الدراما الكلاسية في المسارح الراقية ذوات الديكورات المكلِّفة· وكان أقدم المسارح وأكثرها انتظاماً هو الكيرنتنيرثور Karntnerthor الذي شيدته البلدية في سنة 8071، وفي هذا المسرح وجدنا الكاتب المسرحي جوزيف أنطون سترانيتسكي John Anton Stranitsky (توفي 6271) يبني على شخصية أرليشينو Arlecchino (هارلكوين Harlequein) الإيطالية، فيخلق ويطوّر شخصية هانزفيرست Hanswurst أو جون بولوني John Boloney المهرّج الضاحك الصخَّاب الذي هجا الألمان - في الجنوب والشمال - سخافاتهم المحبّبة من خلاله· وفي سنة 6771 دعم جوزيف الثاني وموَّل البيرجثيتر the Burgtheater الذي وعدت واجهته الكلاسية بأفضل المسرحيات الكلاسية والحديثة· وكان أكثر المسارح فخامة وترفا هو مسرح آن دير فين Theater an-der-wien (على نهر فين Wien) الذي شيّده في سنة 3971 جوهان (يوهان) إيمانويل شيكاندر Johann Emanuel Schikaneder الذي كتب النّص الأوبرالي libretto للفلوت السحرية majic Flute لموزارت Mozart (1971) وقد زوّد مسرحه بكل أساليب الحيل الميكانيكية (المسرحية) المعروفة لتغيير المشاهد في عصره، وقد أدهش روّاد مسرحه بالمشاهد المسرحية التي تفوق الحقيقة فكسب لمسرحه ميزة تقديم العرض الأول لفيدليو Fidelio لبيتهوفن·
ولم يكن في ذلك الوقت فن آخر ينافس الدراما في فينا سوى فن واحد· إنه ليس فن العمارة لأن النمسا كانت قد أنهت في سنة 9871 عصرها الذهبي الذي تميز بطراز الباروك baroque· إنه ليس الأدب لأن الكنيسة أناخت بكلكلها على فكر العباقرة كما أن عصر جريليبارتسر Grillparzer (1971 - 2781) لم يكن إلا في بدايته· وفي فينا ذكرت مدام دي سيتل أن الناس لا يقرأون إلا قليلاً(51) فقد كانت الصحف اليومية تكفي لإشباع حاجاتهم الأدبية كما هو الحال في بعض المدن اليوم، وكانت صحيفتا Wiener Zeitung (صحيفة ابن فينا)، و Wiener Zeitschrift، صحيفتين ممتازتين·
وكانت الموسيقا بطبيعة الحال هي الفن الأعلى مقاماً في فينا· فقد كانت الموسيقا في النمسا وألمانيا أقرب ما تكون إلى محلّى يفضله العامة كهواية أكثر من كونها عملا يحترفه المحترفون· فقد كان النمساويون والألمان يعتبرون بيوتهم ينبوع الحضارة وحصنها، فقد كان غالب الأسر المتعلمة لدى كل منها آلات موسيقية وكان يمكن لبعضها تقديم مقطوعات موسيقية تشترك في أدائها أربع آلات (أو بتعبير آخر تقديم مقطوعات رباعية)، وبين الحين والآخر كان يجري تنظيم كونشرتات لمشتركين دفعوا - سلفاً - ثمن حضورهم، لكن الكونشرتات العامـة (الحفـلات الموسـيقية العامة) التـي يُتـاح حضـورها للعامـة كانت أمراً نادرا· وبذلك كانت فينا مدينة مزدحمة بالموسيقيين الذين أفقر بعضهم بعضاً بسبب كثرتهم·
فكيف بقي هؤلاء الموسيقيون؟ لقد كان ذلك في غالبه بسبب قبولهم دعوات (أو حتى بدون دعوة تضمن لهم حقوقهم المالية بعد ذلك) النبلاء الأثرياء ورجال الإكليروس ورجال الأعمال أو بتأليف مقطوعات موسيقية وإهدائها إليهم· لقد ظل حب الموسيقا ورعايتها تراثاً وتقليدا توارثه حكام أسرة الهبسبرج طوال قرنين، واستمر ذلك بشكل فعّال في فترة حكم جوزيف الثاني وليوبولد الثاني وابن ليوبولد الأصغر ونعني به الأرشدوق ردولف Rudolf (8871 - 1381) الذي كان تمليذا لبيتهوفن وراعياً له في الوقت نفسه· وقدمت أسرة الإسترهيزي the Esterhazy كثيرين ممن دعموا الموسيقا ورعوها، لقد رأينا الأمير ميكلوس جوزيف إسترهيزي Miklos Josef Esterhazy (4171 - 0971) يرعى هايدن Hayden طوال ثلاثين عاماً كقائد للأوركسترا في قصر Schloss إسترهيزي، الذي يُعد فيرساي المجر Versailles of Hungary· وارتبط حفيده الأمير ميلكوس نيكولاس إسترهيزي Milkos Nicolaus Esterhazy (5671 - 3381) مع بيتهوفن لتأليف مقطوعات موسيقية لأوركسترا الأسرة· وكان الأمير كارل ليشنوفسكي Lichnowsky (3571 - 4181) صديقاً حميما - وراعياً - لبيتهوفن وآواه في قصره لفترة من الزمن· وقد شَرُف الأمير جوز فران لوبكوفتس Lobkowitz وهو سليل أسرة بوهيمية عريقة، والأرشيدوق رودلف والكونت كينسكي Kinsky بتقديم العون المالي لبيتهوفن حتى وافته منيته· ولابد أن نضيف إلى هؤلاء البارون جود فريد فان شفيتن Gottfried Van Swieten (4371 - 3081) الذي ساعد موسيقين آخرين برعايته وجهوده ومهارته في جمع شملهم مع المتعاقدين معهم، أكثر من رعايته لهم بتقديم أمواله لهم· لقد فتح لندن لهايدن Hayden، وأهداه بيتهوفن أولى سيمفونياته وأسس في فينا جمعية موسيقية Musikalische Gesell Schaft من خمسة وعشرين نبيلاً بهدف العمل على عقد لقاءات واتفاقات بين المؤلفين الموسيقيين وناشري الأعمال الموسيقية وجمهور المستمعين· ويرجع إلى هذه الجمعية - على نحوٍ ما - الفضل في أن أصبح أكثر الموسيقيين في التاريخ عُرضة للنقد وعدم القبول هو سيد الموسيقا بلا منازع في القرن التاسع عشر·