قصة الحضارة -> عصر نابليون -> ملوك أوروبا في مواجهة التحدي -> بيتهوفن -> شاب في بون
الفصل الثامن والعشرون
بيتهوفــن
0771 - 7281
تأثير إنجلترا في مسيرة الأحداث
1- شاب في بون
0771 - 2971
وُلد في 61 ديسمبر سنة 0771، وكانت بون هي مقر الناخب الأسقفي لكولوني Cologne التي كانت إحدى إمارات أراضي الراين (قبل أن يقضي نابليون على الحكم ذى الطابع الديني فيها) التي يحكمها رؤساء أساقفة كاثوليك يميلون إلى دعم الفنانين ذوي السلوك الحسن، ورغم أن حكمهم كان ذا طابع ديني إلا أنهم أيضا كانوا ذوي ميول علمانية فاتنة منها دعم الفنانين ذوي السلوك الحسن كما أسلفنا· وكان الجانب الأكبر من سكان بون البالغ عددهم 065،9 نفساً يعتمدون على المؤسسة التي أقامها الناخب الحاكم electoral establishment (أو مؤسسة الإمارة أو مؤسسة الدولة) وكان جد بيتهوفن مغنيا جهير الصوت عميقه في كورس (جوقة المنشدين) الناخب Elector (الناخب في هذا السياق هو من له حق انتخاب الإمبراطور والمعنى الأقرب لفهم القارئ العربي هو: الأمير) كما كان أبو بيتهوفن (جوهان فان بيتهوفن) صادحا tenor (مغن عالي الصوت يفوق صوته كل من يشترك معه في الغناء) في الفرقة نفسها· وترجع الأسرة إلى أصولٍ هولندية إذ كانت قد أتت من قرية بالقرب من لوفين Louvain· والكلمة الهولندية فان Van تشير إلى مكان الأصل ولا تشير كالكلمة الألمانية فون Von أو الفرنسية de إلى لقب نبالة أو حيازة ممتلكات تؤهل للنبالة· وكان جده وأبوه مسرفين في الشراب، وقد ورث عنهما شيئا من ذلك·
وفي سنة 7671 تزوج جوهان فان بيتهوفن من أرملة شابة هي ماريا ماجدالينا كيفيرتش لايم Laym ابنة طباخ في إيرنسبريتشتين Ehrensbreitstein وأصبحت ماريا أما يحبها بشدة ابنها المشهور لبساطتها، وقلبها الحنون· وقد أنجبت لزوجها سبعة أطفال مات أربعة منهم في مرحلة الطفولة، وتبقى لها الإخوة: لودفيج Ludwig وكاسبار كارل (4771 - 5181) ونيكولاوس جوهان (6771 - 8481)·
ولم يكن للأب فيما يبدو سوى راتبه مغنياً صادحاً في بلاط الناخب (الأمير) ومقداره ثلاثمائة فلورين florin فعاشت الأسرة في أحد أحياء الفقراء في بون Bonn، ولم يكن المحيطون ببيتهوفن والمرتبطون به من النوع الذي يجعل منه رجلا مهذبا (جنتلمان)، لذا فقد ظل متمردا فظا (غير مصقول) وقد حث والد بيتهوفن ابنه - أو أجبره - وهو في الرابعة من عمره على العزف على البيان أو الفيولين عدة ساعات نهارا وأحيانا ليلا، رغبة من الوالد في تحسين دخل الأسرة بتقديم ابنه كعازف معجزة· ومن الظاهر أن الطفل لم يكن لديه من نفسه وازع يحثه على عزف الموسيقا وسماعها(1)· وعلى وفق شهود عيان كثيرين أن الطفل (بيتهوفن) كان يجبر على العزف بطرق قاسية حتى إنه كان يبكي في بعض الأحيان· وأحب الطفل الموسيقا بعد أن تعرض لآلام كثيرة بسببها، وظهر بيتهوفن وهو في الثامنة من عمره مع تلميذ آخر في حفلة موسيقية عامة في 62 مارس سنة 8771 وحصل على عائد مادي لم تذكره المصادر· وحث الأصدقاء الأب على التعاقد مع معلمين لينموا مواهب لودفيج Ludwig بيتهوفن·
وبالإضافة لهذا تلقى بعض التعليم الرسمي· لقد علمنا أنه التحق بمدرسة حيث تعلم اللاتينية بقدر يكفي لأن يبث في بعض خطاباته بعض التلفيقات اللاتينية المضحكة· وتعلم قدرا من الفرنسية (التي كانت هي اللغة العالمية في هذا العصر) بقدر يمكنه من الكتابة بها بشكل مفهوم· ولم يتعلم أبداً كيف يكتب هجاء الكلمات في أي لغة بشكل صحيح وقلما كان يكلف نفسه عناء استخدام علاقات الترقيم، لكنه كان يقرأ بعض الكتب بشكل جيد، وكانت هذه الكتب التي قرأها تتراوح بين روايات سكوت Scott والشعر الفارسي Persian وكان ينقل في دفتر خاص به نتفاً من الحكمة التي يلتقطها من قراءاته· ولم يكن يمارس الرياضة إلا من خلال أصابعه (يقصد عزفه على الآلات الموسيقية) وكان يحب أن يرتجل to improvise ولم يكن يضارعه في هذا سوى أبت فوجلر Abt Vogler وفي 4871 تم تعيين ابن مارياتريزا الأصغر - ماكسمليان فرانسيس Maximilian Francis - ناخبا لكولوني (على وفق مصطلح العصر في هذه المنطقة، فإن الناخب يعني من له حق المشاركة في اختيار الإمبراطور الجديد، (ولعل كلمة أمير تقرب المعنى للقارئ العربي فهو إذن قد تم تعيينه أميراً لكولوني) فاتخذ بون مقرا لإقامته، وكان رجلا رحيما رفيقا مولعاً بالطعام والموسيقا وأصبح لفرط حبه للطعام أسمن رجل في أوربا(2) لكنه أيضا جمع أوركسترا من إحدى وثلاثين قطعة موسيقية· وعزف بيتهوفن وهو في الرابعة عشرة من عمره الفيولا (الكمان الأوسط) في هذه الأوركسترا· كما كان له جمهور مستمعين أيضا كعازف مساعد على الأرغن في البلاط (بلاط الناخب) والمعنى أنه كان يعزف على الأرغن إذا غاب العازف الرئيسي، وكان يتقاضى راتبا على هذه المهمة مقداره 051 جلدن gulden (نحو 057 دولاراً؟؟) في العام(3)، وكتب المسئولون عنه تقريرا للناخب (الأمير) في سنة 5871 بأنه كفء··· هادئ وسلوكه حسن، وفقير(4)·
ورغم بعض الشواهد على قيامه بمغامرات جنسية، فإن سلوكه الطيب ونمو كفاءته الموسيقية وتطورها جعلت الناخب (الأمير) يسمح له، برحلة إلى فينا على نفقته (أي نفقة الناخب) لدراسة التأليف الموسيقي· وسرعان ما استقبله موزارت Mozart بمجرد وصوله، وكان موزارت قد سمع عزفه فامتدحه امتداحا معتدلا بشكل مخيب للآمال ظنا منه أن مقدرة الشاب على العزف متوقفة على هذه القطعة التي عزفها والتي عزفها قبله كثيرون، فلما أحس بيتهوفن منه هذا الشك طلب منه (من موزارت Mozart) أن يقدم له مقطوعات مختلفة لعزفها على البيانو، فانبهر موزارت بخصوبة الشاب وتمكنه من العزف، فقال لأصدقائه راقبوه، فسيقدم في يوم من الأيام للعالم ما يجعله موضع حديث(6) لكن هذه القصة تبدو بغير أساس، فقد كان موزارت يعطي الفتى بعض الدروس، إلا أن موت والد موزارت - ليوبولد - في 82 مايو 7871، ووصول أخبار بأن أم بيتهوفن تحتضر قطعت هذه العلاقة التي لم تطل، إذ أسرع بيتهوفن عائداً إلى بون ليكون إلى جوار أمه وهي تموت (71 يوليو)·
وكتب والد بيتهوفن الذي كان صوته الصادح قد تدهور منذ مدة طويلة، كتب للناخب (الأمير) واصفاً فقره المدقع طالباً منه المساعدة· ولم يصل إلينا ما يفيد أنه تلقى ردا لكن مغنياً آخر في الخورس (جوقة العزف في بلاط الناخب) قدم له يد العون، وفي سنة 8871 أضاف لودفيج بيتهوفن نفسه للأسرة دخلاً إضافيا بتدريسه البيان لإليانور فون بروننج Eleonore Von Breuning وأخيها لورنز (لورنتس Lorenz) وقد استقبلته الأم الأرملة الثرية المثقفة كابن من أبنائها، وقد أثرت هذه الصداقة إلى حد ما في تهذيب شخصية بيتهوفن· ومن الذين قدموا لبيتهوفن يد العون الكونت فرديناند فون فالدشتين Count Ferdinand Von Waldstein (2971 - 3281) الذي كان هو نفسه موسيقياً وصديقا مقربا للناخب (الأمير) إذ إنه عندما علم بفقر بيتهوفن راح يرسل له بين الحين والحين أموالا زاعما أنها من الناخب نفسه (من الأمير) وقد أهدى إليه بيتهوفن في وقت لاحق سوناتا البيانو (Opus 53 in C Major) التي حملت اسمه ·· وكان لودفيج بيتهوفن لا يزال في حاجة إلى مساعدة أكثر من تلك التي كان يتلقاها حتى الآن لأن والده المكتئب كان قد استسلم للكحول (أدمن معاقرة الخمر) وتم إنقاذه من الاحتجاز (أو القبض عليه) يشق النفس لما يسببه من إزعاج عام· وفي سنة 9871 أخذ بيتهوفن على عاتقه - ولم يكن قد تجاوز التاسعة عشرة من عمره - مسئولية إخوته الأصغرين سنا وأصبح هو رأس الأسرة من الناحية الرسمية، وفي 02 نوفمبر صدر مرسوم من الناخب (الأمير) بإنهاء خدمة جوهان (يوهان) فان بيتهوفن (والد لودفيج بيتهوفن) على أن يدفع نصف راتبه السنوي وقدره مائة ريخشالر reichsthalers لابنه لودفيج بيتهوفن ونصفه الآخر لأخيه الأكبر، واستمر بيتهوفن في كسب مبالغ بسيطة كعازف رئيسي للبيان وأرغني ثان (عازف ثان للأرغن) في أوركستر الناخب (الأمير)·
وفي سنة 0971 توقف فرانز (فرانتس) جوزيف هايدن Haydn - وهو عائد مكلل بالنصـر مـن لنـدن - فـي بـون وهـو فـي طريقـة إلى فينا، فقدم له بيتهوفن كنتاته Cantata كـان قـد ألفهاـ مؤخـرا فامتدحهـا هايـدن، وربمـا علــم الناخـب (الأمـير) بشـيء من هذا الثناء، فلبى اقتراحاً بإرسال الشاب إلى فينا للدراسة مع هايدن وأن يتلقى راتبه في الوقت نفسه كموسيقي عامل في بلاط الناخب (الأمير) وربما كان الكونت فون فالدشتين Waldstein وراء هذه المنحة التي تلقاها صديقه الموسيقي الشاب· لقد كتب في ألبوم لودفيج كلمة وداع كالتالي: عزيزي بيتهوفن، أنت راحل إلى فينا لإنجاز ما طالما تقت كثيراً لإنجازه· إن عبقرية موزارت (الذي كان قد مات في 5 ديسمبر 1971) لايزال ينعيها الناعون·· فلتعمل بجد ولتتلق روح موزارت من أيدي هايدن· صديقك المخلص فالدشتين Waldstein·
وغادر بيتهوفن بون وأباه وأسرته وأصدقاءه في أول نوفمبر سنة 2971 أو في يوم قريبا من هذا التاريخ· وسرعان ما احتلت قوات الثورة الفرنسية بون فهرب ناخبها (أميرها) إلى مينز (منتس Mainz) ولم ير بيتهوفن بون بعد ذلك أبداً·
| صفحة رقم : 14703 |
|