قصة الحضارة -> عصر نابليون -> ملوك أوروبا في مواجهة التحدي -> بيتهوفن -> تقدم ومأساة
2- تقدم ومأساة
2971 - 2081
عندما وصل إلى فينا وجدها تعج بالموسيقيين المتنافسين على من يرعاهم وعلى جمهور المستمعين والناشرين، والذين ينظرون بازدراء لكل قادم جديد، فلم يجدوا في هذا القادم الجديد من بون جمالا يلطف وقع قدومه فقد كان لودفيج بيتهوفن قصير ا ممتلئ الجسم متجهم الملامح (أطلق عليه أنطون إيسترهيزي اسم البربري the Moor به آثار الجدري (بقايا بثور الجدري)، صف أسنانه الأمامي الأعلى بارز عن صف أسنانه الأمامي الأسفل، وأنفه عريض ممتلئ، وله عينان غائرتان متحديتان، أما رأسه فمثل كرة الرصاص يغطيه بشعر مستعار وحلية a wig & a van· لم تكن شخصيته مهيأة لتكون ذات بعد جماهيري سواء بين العامة أو بين منافسيه من الموسيقيين ومع ذلك فلم يعدم - إلا نادرا - صديقاً منقذاً (يسعفه وقت اللزوم) وسرعان ما وصلت الأخبار بوفاة والده (81 ديسمبر 2971) وظهرت بعض المشاكل فيما يتعلق بنصيب بيتهوفن في راتب أبيه السنوي إذ قدّم بيتهوفن التماساً للناخب [الأمير] طالباً استمرار هذا الدخل السنوي، فرد الناخب الأمير بمضاعفة هذا الدخل وأضاف: لابد من تقديم ثلاثة مكاييل من الحبوب له··· لتعليم أخويه (كارل وجوهان اللذين كانا قد انتقلا إلى فينا(7))· وكان بيتهوفن ممتنا إذ انتهى إلى حلول طيبة· لقد كتب في ألبوم أحد أصدقائه في 22 مايو 3971 مستخدما كلمات شيلر في مؤلفه دون كارلوس Don Carlos: إنني لست شريرا - فالدم الحار هو خطئي - إن جريمتي أنني شاب··· فرغم أن الانفعالات والعواطف الجياشة قد تخدع قلبي وتخرجه عن جادة السبيل، إلا أن قلبي طيب· وقرر أن يفعل كل ما يقدر عليه من الخير، وأن يحب الحرية قبل أي شيء آخر، وألا ينكر الحق حتى أمام العرش(8)·
وأخضع مصروفاته لتكون في الحد الأدنى خاضعا لأحكام الضروة: بالنسبة إلى شهر ديسمبر سنة 2971، 41 فلوريناً (نحو 53 دولاراً؟) للإيجار، ستة فلورينات لتأجير بيانو، الأكل، في كل وجبة 21 كروزر Kreuzer (ستة سنتات) وجبات مع نبيذ 5،6 فلورين (52و 61 دولار؟؟)، وثمة أوراق أخرى للتذكرة تدرج هايد Haydn (كتبها بيتهوفن Haiden) باعتبار أن تكاليف الدروس التي يتلقاها بيتهوفن على يديه في أوقات مختلفة تبلغ جروشين two groschen (بنسات قليلة)، ومن الواضح أن هايدن لم يكن يطلب إلا القليل لقاء دروسه· وقد قبل التلميذ (بيتهوفن) لفترة تصويبات أستاذه بتواضع لكن مع استمرار الدروس وجد هايدن أنه من المستحيل أن يقبل ابتعاد بيتهوفن عن قواعد التأليف الموسيقي التقليدية· وقرب نهاية سنة 3971 هجر بيتهوفن أستاذه العجوز وراح يتردد ثلاث مرات في الأسبوع لدراسة فن مزج الألحان (الكونتربوينت Counterpoint) على يد جوهان جورج البرختشبيرجر Albrechtsberger وهو رجل حقق شهرة معلماً أكثر منه مؤلفاً موسيقياً· وفي الوقت نفسه كان يدرس لثلاثة أيام في الأسبوع آلة الفيولين مع إجناز (إجناتس) شبانتزج وفي سنة 5971 كان قد أخذ كل ما يحتاجه من ألبرختشبيرجر Albrechtsberger فتردد على أنطونيو ساليري Salieri الذي كان وقتها مديرا لأوبرا فينا لدراسة التأليف الموسيقي للأصوات· ولم يكن ساليري يتلقى شيئا من التلاميذ الفقراء· وقدم بيتهوفن نفسه له كفقير فقبله· وقد وجده كل هؤلاء المدرسين الأربعة تلميذا صعب المراس تندفع منه أفكار خاصة به ويرفض أن يشكل نفسه على وفق النظرية الموسيقية التي يقدمها له معلموه· ويمكننا أن نتخيل الرعدات (الارتجافات) التي كانت تعتري بابا هايدن Papa Hayden (الذي عاش حتى سنة 9081) بسبب مؤلفات بيتهوفن بالجهورية (المصوتية الموسيقية Sonorities) وعدم الاتساق· ورغم انحراف بيتهوفن عن الطرق المألوفة المطروقة (وربما بسبب ذلك) فقد حققت إنجازات بيتهوفن له بحلول عام 4971 شهرة باعتباره أكثر عازفي البيانو (مؤلفي المقطوعات الموسيقية للبيان) تشويقا في فينا· لقد ربح البيانو الحديث معركته مع البيانو القيثاري (الذي يتخذ شكل قيثارة)· وكان جوهان (يوهان) كريستيان باخ Bach قد بدأ في سنة 8671 في إنجلترا عزف الألحان الصولو Solos (لحن معد ليعزف على آلة واحدة) على البيانو، وأخذ موزارت بهذا الأسلوب تبعهما هايدن في سنة 0871، وكان موزيو كليمنتى Muzio Clementi يؤلف الكونشرتات (الألحان التي تعزف بمصاحبة الأوركسترا) المخصصة للعزف على البيانو، والتي كانت لمرونتها عواناً بين البيانو والفورت forte (الشديد أي النغم الذي يعزف بشدة) وبين الستاكاتو Staccato (مقطع موسيقي متقطع) والسوستنوتو Sostenuto· لقد استخدم نابليون إمكانات البيانو استخداما كاملا، كما صب كل قدراته هو نفسه لإنتاج كل مايمكن من أعمال موسيقية للبيانو، خاصة في أعماله المرتجلة (غير المعدة سلفا) حيث لايعوق أسلوبه الموسيقي أية نوت موسيقية مطبوعة· وقد أعلن - في وقت لاحق - فرديناند ريس Ries تلميذ هايدن وتلميذ بيتهوفن أيضاً أنه: لا يوجد فنان أبداً فيمن أعرف من الفنانين أو سمعت عنهم يداني بيتهوفن في هذا الفرع من العزف· إن ثروة الأفكار التي تتزاحم فيه (في بيتهوفن)، والترددات والنزوات الفكرية التي يستسلم لها، وتغير المعالجة ومواجهة الصعاب اللحنية تمثل فيه طاقة لاتنفد(9)·
لقد رعاه رعاة الموسيقا في المقام الأول كعازف بيان، ففي حفلة موسيقية ليلية في بيت بارون فان سفيتن (شفيتن Sweiten) دعاه صاحب البيت للبقاء بعد انتهاء برنامج الحفل (كما يروي لنا سندلر كاتب سيرة حياة بيتهوفن) وحثه على أن يضيف قليلا من فجوات fugues باخ Bach ليختم بها السهرة(01) وكان الأمير كارل ليشنو فسكى Karl Lichnowsky الهاوي والموسيقي الكبير في فينا يحب أيضا بيتهوفن حتى إنه كان ليتعاقد معه بانتظام لإحياء حفلاته الموسيقية التي كان يعقدها كل يوم جمعة واستضافه في بيته فترة لكن بيتهوفن - على أية حال - لم يستطع أن يكيف نفسه مع ساعات تناول الأمير لوجباته، فكان يفضل التردد على فندق قريب· وكان الأمير لوبكوفتس lobkowit أكثر رعاة الموسيقى - ممن يحملون رتب النبالة - حماسا، وكان هذا الأمير نفسه عازف فيولين ممتاز، أنفق كل دخله تقريبا على الموسيقا والموسيقيين· وظل لسنوات يساعد بيتهوفن رغم ما حدث بينهما من نزاع، وكان هذا الأمير يتعامل بروح سمحة مع بيتهوفن وإصراره على أن يعامل كند مساو لذوي الرتب من ناحية المكانة الاجتماعية· وكانت زوجات هؤلاء النبلاء الذين يقدمون له يد العون يسعدن بكبريائه واستقلاله ويتلقون على يديه دروس الموسيقا ويتحملن توبيخه بل ويسمحن لهذا الفارس الأعزب الفقير بإقامة علاقات حب معهن من خلال الخطابات، وكن - وكذلك اللوردات - يقبلن إهداءاته ويكافئنه عليها بهدوء(11)·
لقد اقتصرت شهرته على تمكنه من عزف البيان، ووصلت هذه الشهرة إلى براغ prague وبرلين اللتين زارهما في سنة 6971· لكن في هذه الأثناء راح يؤلف الموسيقا، ففي 12 أكتوبر 5971 نشر مجموعة قطعه الموسيقية الأولى (من تأليفه) Opes (الثلاثية الكبيرة Three Grand Trios) التي أعلن جوهان كرامر Johann Cramer بعد عزفها إن هذا الرجل (يقصد بيتهوفن) قد عوضنا عن موت موزارت(21) وتأثر بيتهوفن بهذا المديح فكتب في دفتر مذكراته: ياللتشجيع! فرغم كل ما يعتري جسمي من وهن، فإن روحي هي التي ستحكم مسيرتي·· إن هذا العام سيجعل مني رجلا كاملا· سأنجز كل شيء ولن أؤجل عملا(31) وفي سنة 7971 دخل نابليون حياة بيتهوفن للمرة الأولى، ولم يكن له فيها وجود قبل ذلك· لقد طرد الجنرال الشاب النمساويين من لومبارديا وقاد جيوشه عبر جبال الألب وكان يقترب من فينا فراحت العاصمة (فينا) تعد دفاعاتها بشكل مرتجل بقدر ما تستطيع· لقد راحت تعد المدافع وتجهزها، وتؤلف الترانيم الدينية ليحفظ الله النمسا، وكتب هايدن الآن النشيد الوطني للنمسا: ليحفظ الله فرانتس Gott erhalte Franz den Kaiser, unsern guten kaiser Franz وألف بيتهوفن موسيقا لأغنية حرب أخرى تطالب كل الألمان بمساندة النمسا dertsch Volk sind wir Ein grosses وفي وقت لاحق اعتبر النمساويون هذه المؤلفات الموسيقية ككتائب كثيرة العدد لكنها لم تحرك مشاعر نابليون الذي أجبرهم على سلام مخزٍ·
وبعد ذلك بعام أتى الجنرال بيرنادوت (Bernadotte إلى فينا ليكون السفير الفرنسي الجديد وصدم المواطنين (أهل فينا) بأن رفع من شرفته علم الثورة الفرنسية ذا الألوان الثلاثة· وأعلن بيتهوفن صراحة - كان بالفعل معجبا بالأفكار الجمورية - إعجابه بنابليون، وغالبا ما كان يرى في حفلات الاستقبال التي يعدها السفير الفرنسي الجديد(41)· ويظهر أن بيرنادوت هو الذي اقترح على بيتهوفن فكره تأليف عمل موسيقي لتكريم نابليون وتشريفه(51)·
وأهدى بيتهوفن في سنة 9971 مجموعة ألحانه رقم 31 Opes والتي جعل لها عنواناً هو Grande Sonate Pathetiaqe للأمير ليشنوفسكي Lichnowsky اعترافاً بأفضاله أو أملا في أفضال تأتيه على يديه· لقد كان بإهدائه هذا يرنو لمصلحة قريبة· وكان رد الأمير (0081) هو أن وضع ستمائة جلدن gulden تحت تصرف بيتهوفن حتى أحصل (أي بيتهوفن) على تعيين مناسب(61)· لقد بدأت هذه السوناتا ببساطة وكأنها مقتبسة بتواضع من أعمال موزارت Mozart إلا أنها سرعان ما تشابكت وتعقدت لكنها اعتبرت في وقت لاحق بسيطة إلى جانب سوناتات الهمركلافير the Hammerklavier Sonatas أو الأباشيوناتا Appassionata وكانت السيمفونية الأولى (0081) وسيمفونية ضوء القمر في (C Sharp minor) سنة 1081 هما الأسهل سواء من ناحية العزف أو من ناحية القدرة على تذوقهما· ولم يعط بيتهوفن مقطوعته الأخيره اسمها المشهور لكنه أطلق عليها (Sonata quasi Fantazia) ويظهر أنه لم يكن ينوي تحويلها إلى أغنية محببة· حقيقة أنه أهداها إلى الكونيتسة جوليا جوشياردي Giulia Guicciardi التي كانت من بين ربات الجمال اللائي لم يمسهن واللائى أوحين له بألحانه الموسيقية الحالمة، لكنها (أي السوناتا) كتبت لمناسبة أخرى مختلفة(71)·
لقد شهد عام 2081 إحدى أغرب الوثائق في تاريخ الموسيقا التي طالما رجع إليها الباحثون، وهي جديرة بذلك· إنها الوثيقة السرية وثيقة هيليجنشتادت Heiligenstadt Testament التي لم يكشف عنا إلا عندما تم العثور عليها بين أوراق بيتهوفن بعد وفاته· إنها وثيقة لا يمكن فهمها إلا من خلال مواجهة صريحة مع شخصيته· لقد كان يتمتع بكثير من الصفات الطيبة في شبابه، روح مرحة، ميل للفكاهة، إخلاص في الدراسه، استعداد لتقديم العون للمحتاج، وظل كثيرون من أصدقائه في بون - مثل مدرسة كريستيان جوتلوب نيف Neefe وتلميذته إليانور فون بروننج Eleonore Von Breuning وراعيه الكونت فون فالدشتين Waldstein - أوفياءله رغم أن نظرته للحياة راحت - بشكل متزايد - تتسم بالمرارة· وعلى أية حال فقد راح يفقد صديقا إثر صديق في فينا حتى كاد يصبح وحيدا لكن أصدقاءه عندما علموا أنه على وشك الموت عادوا إليه وبذلوا كل ما في طاقتهم لتخفيف آلامه·
لقد تركت بيئته الباكرة فيه آثارا دائمة لاتمحى، فهو لم ينس أبدا الفقر المدقع والمقلق (ولم يغفر ذلك لبيئته ولم يكن متسامحاً إزاء هذه الظروف) ولم ينس الهوان لرؤية والده وهو يستسلم للفشل والخمر· بل إنه هو نفسه (بيتهوفن) بعد أن أتعسته الأيام راح يستسلم أكثر فاكثر لمعاقرة النبيذ طلبا للنسيان(81)· ويدعو تمثاله المقام في فينا (خمس أقدام وخمس بوصات) للتأمل، ولم يكن وجهه ينم عن حظ حسن أو ثراء، وكان شعره كثا مهوشا خشنا· وكانت لحيته تنتشر حتى قرب عينيه الغائرتين، وكان يتركها لتنمو فتصل إلى نصف بوصة قبل أن يحلقها(91)· لقد جأر بالشكوى في سنة 9181 آه ياربي، يالها من مصيبة (طاعون) أن يكون لشخص مثل هذا الوجه المهلك كوجهي(02) وربما كانت هذه العيوب الخلقية (بكسر الخاء) حافزاً على الإنجاز لكنها بعد الأعوام القليلة الأولى في فينا جعلته يهمل ثيابه وبدنه (صحته) ومسكنه وعاداته· لقد كتب في 22 أبريل سنة 1081 إنني رفيق مهمل (بفتح الميم الثانية)، وربما كان الملمح الوحيد لعبقريتي أن أشيائي ليست دائما في ترتيب جيد وكان يكسب أموالا تتيح له أن يكون له خدم لكنه كان سرعان مايتعارك معهم وقلما احتفظ بهم لفترة طويلة· لقد كان فظا مع من هم أدنى منه، وكان في بعض الأحيان ذلولا خانعا لمن كانوا نبلاء المحتد، لكنه كان غالبا معتزا بنفسه بل ومتكبرا· وكان يقلل من قيمة منافسيه بشكل لا يرحم فكادوا يجمعون على كراهيته· وكان قاسيا مع تلاميذه لكنه علم يعضهم دون مقابل(12)·
لقد كان كارها للناس، لكنه كان متسامحا مع ابن أخيه كارل Karl الذي كان يعاني المتاعب، وكان محبا له، كما كان يحب كل تلميذ ماهر· ولقد قدم للطبيعة عاطفة جياشة لم يستطع أن يكنها للبشر وكان مزاجه - تباعا - سوداويا، لكنه أيضا كان تباعا - ينخرط في حالات ابتهاج صاخبة سواء بنبيذ أو بدون نبيذ· (انظر على سبيل المثال الخطابات 41، 22، 52، 03)(22)، وكان كلامه ينطوي على تورية في كل مناسبة وكان أحيانا يخترع كنى عدائية لأصدقائه وكان أكثر استعداداً للقهقهة منه للابتسام·
وحاول خلال السنوات المزعجة أن يلغي الأحزان التي مررت حياته (جعلتها مريرة)، ففي خطاب بتاريخ 92 يونيو 1081 كتبه لأحد أصدقاء شبابه وهو فرانز (فرانتس) فيجلر Franz Wegeler:
طوال السنوات الثلاث الأخيرة أجد سمعي يضعف بالتدريج· وربما يرجع ذلك للآلام التي أعانيها في بطني·· والتي جعلت حياتي بائسة حتى قبل مغادرتي بون، لكنها غدت أسوأ في فينا حيث كنت مبتلى باستمرار بالإسهال وكنت أعاني من اعتلال غير عادي ·· وظل هذا هو حالي حتى خريف آخر عام وأحيانا كنت أستسلم لليأس· يجب أن أعترف أنني حبيس حياة بائسة· فطوال عامين كدت لا أحضر أية مناسبة اجتماعية لأنني لم أكن قادرا على أن أقول للناس: إنني أصم· لو أن لدي مهنة أخرى لكنت قادرا على التغلب على عجزي (صممي)، لكن صممي هذا مصيبة بالنسبة إلي، وأنا عازف ومؤلف موسيقي· إن الله وحده يعلم ما ستأتي به الأيام بالنسبة لي· إنني بالفعل ألعن خالقي وألعن وجودي· أرجوك لاتذكر أي شيء عن ظروفي لأي أحد ولا حتى للورشين Lorchen [إليانور فون بروننج]·
وقضى بيتهوفن شطراً من عام 2081 في قرية هيليجنشتادت Heiligenstadt الصغيرة القريبة من جوتنجن Gottingen آملاً فيما يبدو الاستفادة من حماماتها الكبريتية· وفي أثناء تجوله في الغابات القريبة رأى على مسافة قريبة منه راعيا ينفخ في مزمار، ولكنه لم يسمع شيئا، فتحقق الآن فقط أنه لن يصل إلى سمعه سوى أصوات الأوركسترا العليا· وكان قد بدأ بالفعل قيادة الفرق الموسيقية كما كان قد بدأ التأليف الموسيقي لذا فقد سقط صريع اليأس عندما تحقق أنه لايسمع موسيقا مزمار الراعي، فذهب إلى غرفته وكتب في 6 أكتوبر 2081 ما عرف باسم وثيقة هيليجنشتادت كوثيقة روحية واعتذارية، ورغم أنه ذكر شيئا عنها لأخوية كارل و - بيتهوفن إلا أنه أخفاها بعناية عن كل العيون، ونحن هنا ننقل سطورها الأساسية:
أنتم أيها الناس الذين ظننتم (وقلتم) أنني حقود أو عنيد أو كاره للبشر، كم أنتم مخطئون في حقي، فأنتم لم تعلموا السر الكامن وراء ظهوري بهذا المظهر· لقد كان قلبي وعقلي منذ طفولتي ميالين للعمل الخيّر وكنت دوما تواقا لإنجاز الأعمال العظيمة لكنني أصبحت الآن منذ ست سنوات فاقد الأمل، وتفاقم هذا بسبب الأطباء الحمقى·· وأخيرا أجبرت على مواجهة ما هو متوقع من استمرار مرضي··· لقد ولدت صاحب مزاج متوهج حي بل وحساس لانحرافات المجتمع، فأجبرت منذ وقت باكر على العزلة وعلى أن أعيش وحيدا، وعندما حاولت في بعض الأوقات نسيان ذلك كله صدمت صدمة ما أقساها! لقد كانت صدمة مضاعفة إذ فقدت ما بقي من سمعي، وضاعف الحزن أنني لم أكن استطيع أن أقول للناس تحدثوا بصوت أعلى! اصرخوا، فأنا أصم · آه كيف أقر بصممي، ومن المفترض أنني كموسيقي، أكمل ما يكون في حاسة سمعه··· آه لا أستطيع أن أقر بذلك العجز، لذا سامحوني إذ رأيتموني أبتعد عنكم بينما كان المفروض أن أسعد بالاندماج معكم··· آه يا للخزي عندما يجلس بجواري شخص يسمع الفلوت flute على البعد بينما أنا لا أسمع شيئا· إن مثل هذه الأحداث أسلمتني لحافة اليأس، بل ولما هو أكثر قليلا من ذلك وهو أن أضع حداً لحياتي، ولم ينقذني سوى الفن· آه لقد بدا لي أنه من المحال أن أترك العالم إلا بعد أن أنتج كل ما شعرت أنه يطالب بإخراجه للناس··· آه أنت أيها الواحد القدوس Divine One الذي تعلم ما يخفيه صدري وما تكنه روحي· أنت تعلم أن حب البشر والرغبة في حياة صالحة كامنين في أعماقي· أيها الناس عندما تقرأون في يوم من الأيام كلماتي هذه ستدركون كم كنتم مخطئين في حقي··· وأنتم يا إخوتي كارل و- إذا مت فاسألوا الطبيب شمد Schmid إن كان لا يزال حيا، اسألوه نيابة عني ليصف مرضي وأضيفوا هذه الوثيقة لتاريخي المرضي، فلعل هذا يجعل العالم يتآلف معي بعد موتي ويلتمس لي العذر··· إنني أرغب أن تكون حيواتكم أفضل من حياتي، أوصوا أولادكم بالفضيلة فهي وحدها التي تتيح السعادة، هي وليس المال إنني أحدثكم عن خبرة وتجربة· إنها الفضيلة هي التي كانت سندي أيام بؤسي، فالفضيلة - بعد فني - هي منعتني من الانتحار· وداعا ولتتبادلوا الحب ···إنني أسرع إلى الموت سعيداً·
وفي الهامش كتب: تقرأ وتوضع موضع التنفيذ بعد موتي(32) إن هذه الوثيقة لم تكن وصية منتحر، وإنما تحوى في ثناياها اليأس والأمل (التصميم)· لقد وجد بيتهوفن ضرورة تقبل المشاق والمتاعت التي يمر بهما لينقل لآذان أخرى غير أذنيه الموسيقا القابعة - في صمت - داخل وجدانه· لقد ألف، وكان لايزال في هيلجنشتادت في نوفمبر 2081 سيمفونيته الثانية (in D)، ولم يكن فيها أثر لشكوى أو حزن، وبعد ذلك بعام واحد ألف سيمفونيته الثالثة (البطولة the Eroica) بعد صرخته النابعة من الأعماق، فدخل بهذه السيمفونية الثالثة مرحلته الثانية، وهي المرحلة الخلاقة الأكثر تميزا·