قصة الحضارة -> عصر نابليون -> ملوك أوروبا في مواجهة التحدي -> بيتهوفن -> أعوام سيمفونية البطولة
3- أعوام بطولية أو أعوام سيمفونية البطولة
3081 - 9081
قسم علماء الموسيقا الذين خاضوا هذه الصفحات المحيرة حياة بيتهوفن الفنية في ثلاث حقب: من 2971 إلى 2081، ومن 3081 إلى 6181، ومن 7181 إلى 4281· ففي الحقبة الأولى راح يعمل بشكل تجريبي على وفق أسلوب موزارت وهايدن، ذلك الأسلوب الهادئ الراسخ البسيط· وفي الحقبة الثانية ركز على مراقبة الأداء من حيث التمبو Tempo (درجة السرعة الواجب اعتمادها في العزف) وعلى البراعة في استخدام الأصابع، وعلى الفورس force (درجة القوة في العزف)· لقد اكتشف التناقض في المود mood بين الرقة والقوة· لقد أطلق العنان لقدرته على الإبداع في الألحان على نحو يخالف المألوف كما أطلق العنان لنزعته للارتجال، لكنه أخضع هذا لمنطق الدمج والتناسب والتطور (المقصود تطور اللحن)· لقد غير (جنس sex) السوناتا والسيمفونية فقد حولهما من الرقة والمشاعر الأنثوية إلى الإرادة الرجولية والحسم، وكما لو أن يبتهوفن أراد إبراز هذا التغير في مسيرته فقد أعاد - الآن - المينيوت minuet في الحركة الثالثة مع شرزو Scherzo (موسيقا مرحة مازحة) تضحك في وجه القدر· لقد وجد بيتهوفن الآن في الموسيقا ردا على سوء الحظ: لقد أصبح بمقدوره أن يذوب في الإبداع الموسيقي بشكل يجعل موت جسده مجرد حدث عابر في حياة ممتدة (خلود الذكر)· إنه يقول عندما أعزف أو أؤلف الموسيقا·· تخف أحزاني إلى أدنى درجة(42)· إنه لم يعد يسمع ألحانه الآن بأذنيه وإنما راح يسمعها بعينيه - بقدرة الموسيقى الباطنية على تحويل الأنغام التي يتخيلها إلى بقع وخطوط ثم يسمعها - بلا صوت - من الصفحات المكتوبة·
وتكاد كل أعماله الموسيقية في هذه المرحلة تصبح من الكلاسيات إذ ظهرت الأجيال المتعاقبة كذخائر (ريبورتوار) موسيقية أوركستزالية (المقصود أن الفرق المختلفة حفظتها وأتقنتها، وأصبحت على استعداد لأدائها في أي وقت)· لقد ألف سوناتا الكروتسر Kreutzer sonata (الكروتسر عملة معدنية نمساوية صغيرة)slashمجموعة ألحان 74 في سنة 3081 لعازف الفيولين (الكمان) جورج بردجتور Bridgetower وأهداها إلى رودولف كروتسر Rodolphe Kreutzer مدرس الفيولين (الكمان) في كونسرفتوار باريس، وكان بيتهوفن قد قابله في فينا في سنة 8971، لكن كروتسر حكم على اللحن بالغرابة عن أسلوبه ومزاحه ولم ير أبداً عزفها على مسامع الجمهور· واعتبر بيتهوفن أن أفضل سيمفونياته هي سيمفونية الأرويكا (البطولة)(52) the Eroica التي ألفها في عامي 3081slash4081· ونصف العالم يعرف قصة إهداء هذه السيمفونية - في الأساس - لنابليون· ورغم أن بيتهوفن كان له صداقات بين النبلاء وذوي المكانة، ورغم إهداءاته الحكيمة لأعماله، إلا أنه ظل إلى آخر حياته جمهوريا مصمما وقد هلل لنابليون لقبضه على زمام السلطة في فرنسا وإعادة تنظيم الحكم (9971 - 0081) واعتبر ذلك خطوة نحو الحكم المسؤول، لكن بيتهوفن - على أيه حال - عبر عن أسفه لتوقيع نابليون وفاقا (كونكوردات Concordat) مع الكنيسة· لقد كتب بيتهوفن: الآن انتكست الأمور(62) ويروي لنا شاهد عيان هو فرديناند ريس Ries قصة الإهداء الآنف ذكره، فلنتركه يروي لنا:
في هذه السيمفونية كان نابليون (وهو قنصل أول) موجوداً في عقل بيتهوفن الذي كان يقدره تقدير شديدا في هذا الوقت وشبهه بأعظم القناصل الرومان· وقد رأيت مع عديد من أصدقائه الحميمين نسخة من سيمفونيةالأرويكا Eroica على مكتبه وقد كتب في أعلاها بونابرت وفي أدناها لوجى Luigi فان بيتهوفن ولم نقرأ أي كلمة أخرى··· وكنت أول من حمل له خبر أن نابليون قد أعلن نفسه إمبرطورا، وعندها انفعل ساخطا (أي بيتهوفن) وصاح إنه إذن بشر كالبشر العاديين·إنه سيطأ كل حقوق الإنسان وسينشغل بطموحاته، وسيعلي نفسه فوق الآخرين ويصبح طاغية وتوجه بيتهوفن إلى المنضده فمزق اسم نابليون من فوق صفحة عنوان سيمفونية وقذفه إلى الأرض، وغير الصفحة الأولى وجعل عنوان السيمفونية إرويكا (البطولة) Sinfonia eroica(72)·
وعندما نشرت السيمفونية (5081) حملت العنوان التالي: Sinfonia eroica Per festeggiare il sovvenira d,un gran uomo ومعناها سيمفونية البطولة للاحتفاء بذكرى رجل عظيم(82)·
وفي 7 أبريل 5081 أدتها فرقة موسيقية للمرة الأولى على مسرح آن دير فين Theatre - an - der - wein بقيادة بيتهوفن رغم اعتلال سمعه· وكان أسلوبه في قيادة الفرقة مع شخصيته - مثيرا محكما بارعا، فعند الفقرات الموسيقية الرقيقة جدا (البيانيسيمو Pianissimo) نجده ينحني حتى يكاد الدسك (المكتب المرتفع الخيل) يخفيه، وكلما تصاعد النغم وازداد (كريسندو Crescendo) وجدناه يرفع قامته شيئا فشيئا بالتدريج مع تصاعد النغم، فإذا وصل الصوت للذروة فورتسيمو fortissimo انبثق قافزا في الهواء مادا ذراعيه إلى آخر مدى كما لو كان يريد التحليق فوق السحاب(92)· وتعرضت السيمفونية للنقد بسبب غرابة انتقالها النغمي أي غرابة الانتقال من أسلوب في الأنغام إلى أسلوب آخر (الموديولاشن modulation)، وعنف المقاطع الانتقاليه وصخبها Violent transitions··· ولما بها من حدّة غير مرغوبة· ولطولها المفرط· وقد نصح النقاد بيتهوفن بالعودة لأسلوبه الأول والأكثر بساطة· لكن بيتهوفن أرغى وأزبد وحال إقناعهم بأسلوبه(03)·
وحاول بيتهوفن دخول مجال الأوبرا لضمان نصر جديد، ففي 02 نوفمبر 5081 قاد العرض الأول لأوبرا ليونور Leonore لكن جيوش نابليون كانت قد احتلت فينا في 31 نوفمبر، فهرب الإمبراطور فرانسيس ورؤوس النبلاء، فلم يعد الناس ميالين للأوبرا أو بتعبير أوضح لم تعد أمزجتهم رائعة للاستمتاع بالأوبرا· لقد حقق الأداء فشلا مدويا رغم تصفيق الضباط الفرنسيين الموجودين وسط الجمهور قليل العدد· وقيل لبيتهوفن إن أوبراه his opera طويلة جدا وغير متقنة الترتيب، فاختصرها وراجعها وعرضها مرة ثانية في 92 مارس 6081 ففشلت مرة أخرى· وبعد ذلك بثماني سنوات عندما ازدحمت المدينة بوفود مؤتمرفينا، تم تغيير اسم الأوبرا ليصبح فيدليو Fidelio وتم عرضها للمرة الثالثة فلم تحقق إلا نجاحا متواضعا· لقد كان اتجاه بيتهوفن في التأليف الموسيقي يعتمد على التناغم بين الآلات أو المزاوجة بين أنغامها فقد كان يجد في ذلك رحابة ومرونة أكثر مما كان يجدها في الصوت البشري، لكن المغنين كانوا - على أية حال - تواقين لكسر حواجز جديدة، ولم يستطيعوا - ببساطة - القيام بالأداء الغنائي لبعض الفقرات المحلقة (المتسمة بالسمو) فتمردوا أخيرا· وهذه الأوبرا تعرض الآن في المناسبات بسبب شهرة مؤلفها (بيتهوفن) وبعد خضوعها لمراجعات كثيرة لا مجال لمزيد عليها·
وبعد هذه التجربة الصعبة راح ينتقل من تأليف عمل عظيم خالد إلى آخر· وفي سنة 5081 قدم كونشرتو البيانو (Opus 58 G, No 4,)، واحتفى بعام 6081 بسوناتا (F. Minor ,Opus 57) التي أطلق عليها في وقت لاحق (أباسيوناتا Appassionata) وأضاف ثلاثة أرباع، ومجموعة ألحان Opus 59 وأهداها إلى كونت أندرياس رازوموفسكى Razumovsky السفير الروسي في فينا· وفي مارس 7081 نظم أصدقاء بيتهوفن حفلاً خيريا له - ربما تعزية لفشل عمله الأوبرالي، وفي هذا الحفل أدار عزف سيمفونياته؟ الأولى والثانية والثالثة (إرويكا سيمفونية البطولة) وسمفونيته الجديدة (الرابعة ) (in B Flat,opus 60) ولا ندري كيف تحمل جمهور المستمعين هذا الكم الموسيقي المفرط إلى حد التخمة·
وفي سنة 6081 عهد الأمير ميكلوس نيكولاوس إيستر هيزي Miklos Nicolaus Ester ha,zy إلى بيتهوفن تأليف موسيقا قداس لعيد شفيعة زوجته (إحياء لذكرى القديسة التي تحمل الزوجة اسمها)، فذهب بيتهوفن إلى قصر ايسترهيزي في ايزنشتادت Eisenstadt في المجر وقدم هناك قداسه (C,opus 86) في 31 سبتمبر 7081· وبعد العزف سأله الأمير لكن يا عزيزي بيتهوفن، ما هو الذي فعلته مرة أخرى؟ وفسّر بيتهوفن هذا السؤال على أنه دال على عدم الرضا فغادر القصر قبل انتهاء مدة دعوته·
وأتحف عام 8081 بسيمفونيتين لا زالتا معروفتين حتى الآن في العالم كله: السيمفونية الخامسة (in C Minor) والسيمفونية السادسة (أو الرعوية) (in F.) ويبدو أنه ألفهما معا خلال عدة أعوام فقد تراوح المزاج العام فيهما ما بين الاكتئاب في الخامسة والبهجة في السادسة، وقد تم أداؤهما معا على مسمع من الجمهور للمرة الأولى في 22 ديسمبر 8081، وأدى تكرار أدائهما إلى أن فقدا جاذبيتهما حتى عند عشاق الموسيقا· فلم تعد مشاعرنا تتحرك لقدرٍ يطرق الباب أو طيور تغرد بين الأغصان، لكن ربما كان تلاشى انجذابنا إليهما راجعا لنقص التعليم الموسيقي الذي يمكننا من الاستمتاع بفن مزج الألحان وما فيها من تضاد وتطور واتساق، وتنافس الآلات في الأداء، والحوار بين آلات النفخ والآلات الوترية· وطبيعة كل حركة موسيقية والبناء العام للقطعة الموسيقية وتوجهها· فالعقول التي تتنازع فيها المشاعر والأفكار لابد أن تجد عناء في تتبع هذا تماما كما أن هيجل يجد صعوبة في فهم بيتهوفن، وكما يجد بيتهوفن - أو أي شخص آخر - صعوبة في فهم هيجل·
وفي عامي 8081 و 9081 ألف بيتهوفن كونشرتو البيان رقم 5 (in E Flat, Opus 73) المعروف باسم الإمبراطور· ومن بين كل أعماله، يعتبر هذا الكونشرتو هو الأكثر بقاء وجمالا· إنه عمل لا نمل سماعه أبدا· وعلى أية حال فإننا عندما نسمعه تهتز مشاعرنا اهتزازا يفوق اهتزاز مشاعرنا بالكلمات المصاحبة، فهو عمل موسيقي يتسم بالتألق والحيوية· إنه فيض من مشاعر وبهجة لا حد لهما· إنه عمل ينم عن قدرة إبداعية هائلة· ففي هذا الكونشرتو يسمو الإنسان منتصرا متجاوزا النكبات منشدا قصيدة تعج بالفرح، على نحو أكثر إقناعاً مما في الكورس الجهير في السيمفونية التاسعة·
وربما عكس كونشرتوالإمبراطور والسيمفونية الرعوية ما كان يمر به بيتهوفن من رخاء وازدهار· وفي سنة 4081 تعاقد مع الأرشدوق ردولف ابن الإمبراطور فرانسيس الأصغر - ليعلمه العزف على البيانو، وهكذا بدأ في تكوين صداقة، غالبا ما كانت سببا في زيادة كتمان بيتهوفن لميوله الجمهورية· وفي سنة 8081 تلقى عرضا مغريا من جيروم بونابرت، ملك وستفاليا ليأتي إلى كاسل Cassel ليعمل قائداً لأوركسترا في الفرقة الموسيقية الملكية فوافق بيتهوفن مقابل ستمائة دوكة ذهبية في العام ويبدو أنه كان لايزال مؤملا في أذنيه اللتين كانتا في مرحلة قريبة من الصمم، عندما شاعت الأخبار أنه يتفاوض مع كاسل Cassel اعترض عليه أصدقاؤه ذاكرين له أن في قبوله لهذا العرض نقضا لولائه لفينا فأجابهم إنه ظل يكدح في فينا ستة عشر عاما دون أن يؤمن وضعه· وفي 62 فبراير سنة 9081 تلقى بيتهوفن موافقة رسمية من الأرشيدوق بأنه إذا وافق بيتهوفن على البقاء في فينا، فسيتلقى 0004 فلورين Florin سنويا، يدفع منها ردولف 0051 ويدفع الأمير لوبكوفتس Lobkowitz 007، والكونت كينسكي Kinsky 0081، بالإضافة ما يكسبه بيتهوفن من أية أعمال يؤديها، ووافق بيتهوفن· وفي سنة 9081 وهو العام الذي قبل فيه هذا العرض، مات الموسيقار هايدن المعروف ببابا هايدن فورث بيتهوفن تاجه·
| صفحة رقم : 14705 |
|