قصة الحضارة -> عصر نابليون -> ملوك أوروبا في مواجهة التحدي -> بيتهوفن -> العاشق
4- العاشق
بعد أن حقق بيتهوفن الاستقرار في أحواله الاقتصادية راح يرنو لزوجة، فطالما كان تواقا لذلك· لقد كان رجلاً حارا محبا للجنس، ومن المفترض أنه وجد متنفسات مختلفه لطاقته(13) لكنه شعر منذ فترة طويلة بحاجته إلى شريكة حياة دائمة· لقد كان في بون في حالة عشق دائمة على وفق ما ذكره صديقه فيجيلر Wegeler وفي سنة 1081 ذكر لصديقه هذا فتاة حلوة عزيزة تحبه ويحبها ويفترض بشكل عام أنه يقصد تلميذته ذات السبعة عشر ربيعا الكونتيسة جوليا جويشياردي Guilia Guicciardi إلا أنها - على أية حال - تزوجت الكونت جلنبرج Gallenberg· وفي سنة 5081 عقد بيتهوفن آماله على الكونتيسة الأرملة جوزفين فون ديم Jovephine Von Deym التي أرسل لها إعلانا عاطفيا كالتالي:
إنني هنا أعدك وعدا مقدسا أنه في غضون وقت قصير سأقف أمامك وأنا جدير بنفسي وبك - آه لو أنك - فقط - راعيت هذا الذي أعنيه، وهو أن أجد سعادتي في أساليب حب لم ترينها·· آه يا جوزفين الحبيبة إن رغبتي فيك ليست رغبة رجل في امرأة (ليست للجنس) وإنما رغبتي فيك أنت لشخصك، إنها فيك كلل متكامل، بكل صفاتك· إن هذا هو كل ما ستحوز على مشاعري نحوك، وكا ما يسترعي اهتمامي حيالك·· دعيني آمل أن يدق قلبك من أجلي، أما قلبي فلن يتوقف عن الدق حباً لك إلا إذا صمت للأبد ولم يعد يدق أبداً(23)·
ويظهر أن الليدي كان لها تطلعات أخرى، فبعد ذلك بعامين كان بيتهوفن لا يزال يرنو للقياها والتقدم لها فلم تجبه وفي مارس 7081 أحب بالعمق نفسه مدام ماري بيجوت Marie Bigot، فاعترض زوجها· فأرسل بيتهوفن خطاب اعتذار لها ولزوجها: عزيزتي ماري، عزيزي بيجوت· إن من مبادئي الأساسية ألا أدخل في أية علاقة - سوى علاقة الصداقة - مع زوجة رجل آخر(33)·
وفي 41 مارس 9081 كتب إلى بارون فون جليشنشتاين Gleichenstein:
الآن يمكنك مساعدتي بالبحث لي عن زوجة· حقيقة أنه يمكنك أن تجد بعض الفتيات الجميلات في فرايبورج Freiburg ربما يكن قد تنهدن لموسيقاي···إن وجدت واحدة منهن فمن فضلك اعقد رباطا بيني وبينها سلفا (لحين وصولي) - لكن لابد أن تكون جميلة فمن غير الممكن أن أحب أي شيء غير جميل، وإلا لكنت قد أحببت نفسي(43)·
لكن يحتمل أن يكون هذا الخطاب أحد فكاهات (نكات) بيتهوفن·
وكان أمره مع تيريز مالفاتى Therese Malfatti أكثر جدية، وكانت هي الأخرى إحدى تلميذاته، وكانت ابنة طبيب مشهور· ويشير خطابه لها والمؤرخ في 8 مايو سنة 0181 أن حبه كان مقبولا منها· وفي 2 مايو أرسل بيتهوفن طلبا عاجلا إلى صديقه فيجلر - وكان وقتها في كوبلنز (كوبلنتس) - أن يذهب إلى بون ليستخرج له شهادة معمودية (التي يظهر فيها تاريخ الميلاد) لأنهم يقولون إنني أكبر سنا مما أنا عليه ونفذ فيجلر الطلب، لكن بيتهوفن لم يتابع الأمر، وفي شهر يوليو كتب ستيفان فون بروننج Bruning إلى فيجلر: أعتقد أن مشروع زواجه قد فشل، ولهذا السبب لم يعد يشعر برغبة في شكرك على ما بذلته من جهد لاستخراج هذه الشهادة· لقد ظل بيتهوفن حتى الأربعين من عمره يصر على أنه ولد في سنة 2771، بينما تشير شهادة المعمودية (التي يظهر فيها تاريخ الميلاد) أنه ولد في سنة 0771·
وبعد وفاته عثر على ثلاثة خطابات في درج مغلق، وكانت هذه الخطابات من بين أرق وأحر خطابات الحب التي عرفها التاريخ· لكنه لم يرسلها أبدا، ولم يذكر فيها اسما بعينه ولا عنوانا، فظلت خطابات غامضة·· الخطاب الأول يحمل تاريخ 6 يوليو صباحا، ويحكي عن قيامه (بيتهوفن) برحلة تواقة إلى مكان غير محدد في المجر للقاء امرأة، وفيما يلي بعض عبارات هذا الخطاب:
يا ملاكي، يا كلي، يا نفسي (ياروحي)···· أيمكن أن يصمد حبنا إلا من خلال التضحيات - إلا بالكف عن طلب كل شيء - أيمكنك أن تغيريه فلا تكوني كلية لي، ولا أكون كلية لكِ - آه يا إلهي طالع جمال الطبيعة، ولتقر عينك بهذا الذي يجب أن يكون - الحب يحتاج لكل شيء - سنلتقي يقيناً في وقت أوشك حينه·· قلبي مليء بالكثير الذي أودّ قوله لك· آه إن هناك لحظات أشعر فيها مع ذلك أن الكلام ليس شيئا (لاقيمة له)، فلتبق حقيقتي، وكنزي الوحيد، وكلي (وكل كياني) تماما كما أنا بالنسبة لكِ فأنا حقيقتك وكنزك الوحيد وكلك (روحك)···
والخطاب الثاني مختصر كثيرا وهو مؤرخ في مساء الأحد، 6يوليو وينتهي كالتالي: آه ياإلهي، كم أنت قريب وكم أنت متعال! أليس حبنا حقا صرحا سماويا - محكم كالقبة الزرقاء· أما الخطاب الثالث فنقرأ فيه مايلي:
صباح الخير - كتب في 7 يوليو رغم أنني في سريري إلا أن أفكاري تنطلق إليك ياحبي الخالد سعيدة طورا وحزينة طورا، في انتظار أن أعرف هل سيصغي لنا القدر أم لا· إن حياتي لاتكون كاملة إلا بك، فإما حياة أنت فيها بجانبي وإما لا حياة - نعم لقد قررت أن أتجول طويلا بعيدا عنك حتى أستطيع أن أطير إلى ذراعيك، لأقول ساعتها إنني أصبحت حقا في بيتي، وأرسل روحي لتستقر فيك في عالم الأرواح···· آه ياإلهي، لم كان ضروريا أن أفارق من أحب لتصبح حياتي في فينا بائسة؟·
لقد جعلني حبك في وقت من الأوقات أسعد الرجال وأتعسهم - ففي مثل عمري أحتاج حياة ثابتة مستقرة·· كوني هادئة، فبالهدوء وحده يمكن أن نحقق هدفينا بالعيش معا - كوني هادئة - فلتحبيني - اليوم - الأمس - أشتاق إليك حتى البكاء - حياتي - كل كياني - وداعا - آه، واصلي حبك لي - لاتظلمي قلب حبيبك لودفيج وهو أكثر القلوب حبا لك· سأكون لك دوما· ستكونين دوما لي، سيكون كل منا للآخر دوما(53)·
من هي؟ لا أحد يعرف· لقد انقسم مؤرخو حياته فمنهم من قال إنها الكونتيسة Guicciardi - Gdllenberg ومنهم من قال إنها الكونتيسة تيريز فون برونسفيج Therese von Brunswig، ولم يلحق أي كونتيسة منهما ضرر· من الواضح أن الليدي كانت متزوجة، وإن كان الأمر كذلك يكون بيتهوفن بتودده لها قد نسي المبدأ الممتاز الذي اعترف به لآل بيجوت Bigots (والذي أشرنا إليه آنفا)· وعلى أية حال، فهو لم يرسل هذه الخطابات ولم يحدث ضرر لأي طرف من الأطراف وربما استفادت الموسيقا من هذا الحب·