قصة الحضارة -> عصر نابليون -> ملوك أوروبا في مواجهة التحدي -> بيتهوفن -> الانتصارات الأخيرة

6- الانتصارات الأخيرة


1181 - 4281


أينما ذهب، ألّف الموسيقا، ففي سنة 1181 وضع المجموعة الموسيقية 79 في شكلها الأخير (in B Flat) (Opus 97) وهي ثلاثية للبيان والفيولين (الكمان) والفيولونسيل Violoncello وأهداها إلى الأرشدوق رودلف، فحملت اسمه· وهي المجموعة الأكثر بهجة ووضوحاً من بين أعماله إذ لا يعتريها الاضطراب إلا في أضيق الحدود، وهي متناسقة فيها تكامل عضوي يُضفي عليها الجمال الكلاسيَّ والمهابة· وكان ظهوره لآخر مرّة كمؤدٍ (عازف) على البيان عند تقديمه لهذا العمل الكلاسي في أبريل سنة 4181· لقد كان الآن (عند أداء هذا العمل) وقد بلغ به الصمم حدا يجعله يفقد الحكم الصائب على صحة الضرب على مفاتيح البيان، فبعض الأصوات الصارخة (الفورتيسيمي Fortissimi) كانت تخفت منه، وبعض الأصوات الواهنة (البيانيسِّيمي Pianissimi) كانت تتلاشى منه وتصبح غير مسموعة·
وفي مايو سنة 2181 بينما كان نابليون يسوق نصف مليون مقاتل إلى الموت في روسيا، أصدر بيتهوفن سيمفونيته السابعة التي قلما عزفها العازفون، وهي تبدو الآن أفضل من سيمفونيتيه الخامسة والسادسة· هنا (في السيمفونية السابعة) نجد ألحانا حزينة جنائزية مُعتمة لضياع العظمة وتحطم الآمال، وهنا أيضاً حنين، وهنا حزن لضياع الحب الباقي، وهنا تساؤل حول السلام ومحاولة للفهم·· وكما كان مارشه March الجنائزي مقدمة موسيقية عفوية (غير مقصودة) لهزيمة نابليون في موسكو فإن عرضه (أداءه) للمرة الأولى في 8 ديسمبر 3181 كان مُزامنا لانهيار قوات نابليون في ألمانيا وأسبانيا· وقد أسعد الاستقبال الحماسي الذي لقيته هذه السيمفونية المتشائم العجوز (بيتهوفن) الذي استمر في إنتاج أعمال خالدة التي لابد أن نعتبرها بالنسبة إليه كأعمال كيتس Keats في الجرّة الإغريقية Grecian Urn: أغان بسيطة بلا نغم·
ولم يستقبل مستعمو الموسيقا سيمفونيته الثامنة استقبالاً حسناً كسابقتها، وكان قد كتبها في أكتوبر سنة 2181· واسترخى الاستاذ وقرر ألاّ يعكف على الأعمال ثقيلة الوطأة، ولم يتوافق تمام الموافقة مع مزاج أمةٍ ترقب مصيرها (قدرها) يومياً وهو معلَّق على نتائج الحرب، وإنما كان من رأيه أن نبتهج الآن· لقد عكف على بندول الإيقاع (الميترونوم metronome) والسيرزاندو المرح المتبختر Scherzando، لقد كان هذا إبداعاً جديداً عامراً بالمرح والفكاهة·
وكانت أكثر تآليف بيتهوفن الموسيقية نجاحاً هي مقطوعة (Die Schlacht von Vittoria) التي عُزفت في فينا في 8 ديسمبر 3081 احتفاءً بالمعركة التي استطاع فيها ولنجتون Wellington تدمير القوة الفرنسية في إسبانيا· لقد فرحت فينا أخيراً بوصول هذه الأخبار إليها فلطالما كانت مُحبطة لما يبدو من أن هذا الكورسيكي (نابليون) لا يُقهر· والآن أصبح بيتهوفن بالفعل شهيراً في المدينة التي تبنّته (فينا)· لقد كان موضوع هذه المقطوعة وما حققته من نجاح سبباً في جَعْل بيتهوفن معروفاً ومشهوراً لدى أصحاب الجلالة والفخامة والسمّو الذين حضروا مؤتمر فينا المعروف· وانتهز بيتهوفن الفرصة لينظم حفلاً موسيقيا لصالحه فقدم له البلاط الإمبراطوري - انتشاء بالنصر - قاعته الواسعة (الريدوتنسال Redoutensual)، وأرسل بيتهوفن دعوات شخصية لأصحاب المقام الجليل ممن حضروا المؤتمر، فحضر ستة آلاف شخص، فأصبح نابليون ثرياً قادراً على ادخار مبلغ كبير لتأمين مستقبله ومستقبل ابن أخيه·
وفي 11 نوفمبر سنة 5181 مات أخوه كارل Karl بعد أن ورَّث (بوصيّة) مبلغاً بسيطاً لأخيه لودفيج (بيتهوفن)، كما عينه (أي عيّن أخاه لودفيج بيتهوفن) وأرملته وصييّن على ابنه كارل ذي الثمانية أعوام· وواصل بيتهوفن في الفترة من 5181 إلى 6281 في الأوساط الأدبية وفي المحاكم نضاله الذي راح يذوي شيئاً فشيئاً مع تيريزا أرملة أخيه للحصول على رعاية ابن أخيه كارل وتنشئته وتعليمه، وكانت تيريزا قد قدّمت لكارل الكبير دوطة Dowrg ومنزلاً، لكنها كانت قد غرقت في إثم الزّنا، وكانت قد اعترفت لزوجها بأنها زنت فسامحها، لكن بيتهوفن لم يسامحها أبداً لارتكابها فاحشة الزنا، واعتبرها غير جديرة برعاية ابن أخيه (واسمه أيضاً كارل) ولن نتتبّع تفاصيل هذه القصة بجزئياتها القذرة· وفي سنة 6281 حاول كارل (ابن أخي بيتهوفن) الانتحار بسبب تمزقه بين أمه (الزانية) وعمه (الموسيقار بيتهوفن) لكن أحواله صلحت أخيراً فالتحق بالجيش وراح يرعى أموره بشكل طيب·
ومع سنة 7181 كان بيتهوفن في المرحلة الأخيرة من حياته الإبداعية· لقد ظل بيتهوفن لفترة طويله ثائرا في سياساته الخاصة، أما الآن فقد أعلن هذه الثورة ضد القواعد الكلاسية ورحب بالحركة الرومانسية في الموسيقا، وخفف من وطأة البناء الكلاسي في السوناتا والسيمفونية لينطلق بها إلى رحاب العاطفة والتعبير عن الذات· لقد تأثر بيتهوفن بشيء من الروح المتمردة الحماسية التي كانت في فرنسا من خلال كتابات روسو وأحداث الثورة الفرنسية، والتي كانت في ألمانيا خلال فترة الغليان Sturm und Drag في كتابات جوته (جيته)(فيرتر ليدن Werthers Leiden) والشاب شيلر Schiller (دي راوبرت Die Raubert) ومن ثم في قصائد تيك Tieck ونوفاليس Noivalis، وفي الكتابات النثرية لشليجل Schlegels، وفي الكتابات الفلسفية لفيتشة Fichte وشلنج Schelling لقد وصل شيء من هذا كله لبيتهوفن فوجد تربة خصبة في نزوعه الفطري للاتجاه العاطفي وتميزه الفردي الفخور· لقد زوت قيود النظام القديم في الفن، كما زوت في القانون والمعاهدات، مخلية السبيل أمام الحرية الفردية المصممة على شق طريقها ضاربة عرض الحائط بالقواعد والقيود والأشكال القديمة· لقد سخر بيتهوفن من الجمهور كسوائم ومن النبلاء كمدعين· لقد هزأ من المعاهدات والاتفاقات باعتبارها بعيدة أولا صلة لها بالإبداع الفني ورفض أن يكون حبيس القوالب التي لا تليق إلا بالأموات، بل وحتى تلك التي كانت تليق بباخ Bach وهاندل Handel وهايدن Haydn وموزارت وجك Gluck· لقد أحدث ثورته الخاصة بل وحتى إرهابه Terror الخاص، وجعل مقطوعة أغنية فرحة Ode to Joy إعلانا للاستقلال حتى في توقعه للموت·
لقد شكلت سونتاته الصارخة (الهمركلافير Hammerklavier) جسراً بين مرحلته الفنية الثانية، ومرحلته الثالثة· حتى اسمها كان ثورة· وقد اقترح بعض التيوتون Teutons الذين سئموا هيمنة اللغة الإيطالية في الاقتصاد والموسيقا، استخدام اللغة (المقصود المصطلحات) الألمانية بدلا من الإيطالية في النوت الموسيقية والآلات الموسيقية، وعلى هذا كان من رأيهم ضــرورة أن يســتبدل الموســيقيون بمصطــلح منخفــض Low وعـال Strong المصطلح الألماني همركلافير Hammerklavier مادام النغم ينتج بالطرق الخفيف على الأوتار (بواسطة مفاتيـح البيـان بطبيعـة الحال) وقبل بيتهوفن الفكرة بالفعل وكتب إلى صانع الآلات الموسيقية سيجمون شتينر Sigmund Steiner في 31 يناير 7181 بدلا من مصطلح Pianforte اكتب همركلافير Hammerklavier فهذا سيجعل الأمر مستقراً إلى الأبد وللجميع(24)·
وكانت السوناتا الثانية (Opes 106 in B Flat) في مجموعة سونتاته الصارخة (الهمركلافير) هي الأكثر لفتاً للنظر· كتبها في عامي 8181 و 9181 باعتبارها السوناتا الكبيرة للهمركلافير Grosse Santa fur das Hammerklavier وأخبر زيرنى (تسيرنى) Czerny أنها ستظل أعظم مقطوعاته الموسيقية التي ألفها للبيان وأكد عازفو البيان في الأجيال المتعاقبة ذلك · وأنها تبدو معبرة عن استسلام بيتهوفن، ومع هذا فإنها تمثل انتصار الفن على اليأس· إنها أكثر من هذا فهي رفض للجزع والكآبة حتى إن بيتهوفن أتم بعدها سيمفونيته التاسعة· لقد بدأ في تأليفها في سنة 8181 في الوقت نفسه الذي يكتب فيه أيضا عمله (Missa Solemnis) الذي كان يعد ليتم أداؤه بمناسبة تنصيب (ترسيم) الأرشدوق ردولف رئيسا لأساقفة أولموتس Olmutz، وانتهى من موسيقا القداس أولا (قداس Missa Solemnis) وكان ذلك في سنة 3281 وبذلك تأخر عن ميعاد الترسيم (التنصيب) ثلاث سنوات·
ورغبة من بيتهوفن في إضافة القليل (من المال) لما لديه ليكون مفزعاً له في الشيخوخة، وليوصي منه لابن أخيه كارل - فكر في بيع اشتراكات في نسخ من موسيقا قداسه الآنف ذكره قبل نشرها، وأرسل دعوى بهذا الصدد لملوك أوربا وحكامها طالبا من كل منهم خمسين دوكات ذهبا(34)· وأتته الموافقة ببطء، لكن في سنة 5281 أتته عشرة ردود: من حكام روسيا وبروسيا وفرنسا وسكسونيا وتوسكانيا، وأمراء جوليتسين Golitsyn وراد زيفيل Radziwill ومن جمعية في فرانكفورت (هي جمعية Caecilia Association og Frankfort) وموسيقا القداس التي نتحدث عنها (Missa Solemnis) طال تدبره فيها قبل إخراجها للناس، واتسمت بغرابة بدائل شكلها النهائي، فكانت تلقى القبول بشكل عام· وليس فيها أثر لهرطقاته التي كانت تظهر في بعض المناسبات والتي شككت في عقيدته الكاثوليكية الموروثة، فكل نبضة في هذه الليتورجية (موسيقا القداس) تتفق مع موسيقا الكونكوردات (موسيقا التوافق مع الكنيسة الكاثوليكية) ومن خلال نغماتها كلها يمكن أن نسمع عقيدة يائسة لرجل يموت· لقد كتب في مستهل بيان عقيدته في مخطوطة قطعته الموسيقية: الله فوق الجميع - الله لم يتخل أبداَ عني(44) لقد كانت موسيقاه في موسيقا القداس هذه تعبيرا قويا جدا عن التواضع المسيحي لكن التركيز الشديد عل كل جزء وفقرة، ومايساند ذلك كله من جلال وفخامة جعلت هذه المقطوعة الموسيقية (Missa Solemnis) أضحية أخيرة ومناسبة لروح حائرة لله الذي لايسبر أغواره أحد incomprehensible وفي فبراير سنة 4281 أكمل سيمفونيته التاسعة التي ناضل فيها ليعبر عن فلسفته الأخيرة - أن يقبل الإنسان قدره بسعادة - وليكسر كل قيود النظام الكلاسي (في التأليف الموسيقي) ومضى الملك المتهور تاركا كبرياءه لتقوده لابتهاج كاسح للتضحية بالنظام الموسيقي القديم حتى الجيد منه للحرية الشابة الجيدة (أيضا)· لقد اختفت عن مسامع السامعين إلا سمعه الباطني (السري) أوبتعبير آخر إلا من دوي النغمات في أعماقه كل المذابح altars المتناثرة التي كان عليه أن يختار منها والتي كان يجب أن تقف شامخة كالأعمدة التي تحمل الصرح· لقد بدت الفقرات الموسيقية مفرطة في التكرار والإصرار، وفي بعض السياقات كانت تظهر لحظة من الرقة أو الهدوء ومن ثم ينطلق النغم الصارخ (الفورتيسيمو fortissimo) وكأنما ينبه عالما مجنونا غير مستجيب· لكن الدارس العظيم للموسيقا لايرى الأمر كذلك، وانما يرى في هذه الوفرة الموسيقية وهذا الثراء الموسيقي بساطة في الشكل لا حد لها، وإتقاناً للتفاصيل الموسيقية التي قد تبدو لأول وهلة مربكة حتى نتحقق أنها متسقة مع نتائجها المنطقية···(54)·
وربما ألغى الأستاذ (بيتهوفن) بشكل غير معلن الجهود الكلاسية ليقدم لنا شكلا موسيقيا خالدا (دائما) لمعنى محجوب أو جمال هائل (لا حد له)· لقد اعترف باستسلامه وراح يمرح في ثروته غير النظامية - ثروة خياله ومنابع فنه السخية· وفي النهاية عاد أسير تحديات الشباب، وادخر للموسيقا أغنية شيلر Schiller التي لم تكن - حقيقة - مجرد أغنية مرحة، وإنما كانت حربا مرحة سعيدة ضد الحكم المطلق وضد البعد عن القيم الإنسانية:
- واجهوا الملوك بأرواح ملؤها الرجولة
- حتى لو كلفنا هذا ثرواتنا وأرواحنا
- ففي دمار التيجان حياة لما هو أجدر
- الموت لهم جميعا - إنهم ذوو دماء كاذبة
(أويسري لكذب فيها)
لقد راح بيتهوفن الآن بعد اكتمال أعماله الكبرى ووصوله لأوج اكتمال فنه الموسيقي يتطلع إلى فرصة لتقديمها للجمهور، لكن روسينى Rossini كان قد فتن النمسا في سنة 3281 بالإضافة إلى أن متذوقي الموسيقا البنادقة أصبحوا الآن مفتونين بالأنغام الإيطالية فأحجم مديرو الفرق الموسيقية المحليون عن المخاطرة بتقديم عملين موسيقيين يتسمان بالصعوبة مثل موسيقا القداس التي أسماها بيتهوفن (Missa Solemnis)، والسيمفونية الكورالية· وعرض منتج من برلين على بيتهوفن تقديمها فأوشك على قبول العرض، إلا أن مجموعة من عشاق الموسيقا على رأسها أسرة ليشنوفسكى Lichnowsky حذرت مؤلف فينا الموسيقي البارز من اللجوء إلى عاصمة منافسة لفينا لعزف آخر أعماله وأكثرها بهاء، وتعهدت بعزفها على مسرح كير نتنيرثور Karntnerthor، وبعد مساومات شاقة من كل الأطراف تحدد ميعاد الحفل الموسيقي في 7 مايو 4281 ببرنامج ثم تكييفه على وفق المتاح من الإمكانات: مستهل موسيقي، وأربعة أجزاء من موسيقا القداس Missa Solemnis والسيمفونية التاسعة مع كورس ألماني جهير، ولم يستطع المغنون الوصول إلى المستوى المرتفع للنوتة الموسيقية، فحذفوا ما لم يستطيعوا أداءه(64)، واستقبل الجمهور موسيقا القداس استقبالا وقورا، أما السيمفونية التاسعة فأثارت إعجابا حماسيا· وكان بيتهوفن يقف على المسرح وظهره للجمهور، ولم يكن يستطيع سماع التصفيق، فكان عليه أن يدير وجهه للجمهور ليراه (التصفيق) رأي العين(74)·



صفحة رقم : 14708