قصة الحضارة -> عصر نابليون -> ملوك أوروبا في مواجهة التحدي -> بيتهوفن -> انتهت الملهاة (كوميديا فينيتا)

7- انتهت الملهاة (كوميديا فينيتا)


4281 - 7281


لقد تشاجر بيتهوفن مع شيندلر Schindler وأصدقاء آخرين بسبب المبلغ القليل (024 فلورين) الذي تلقاه من عوائد الحفل الموسيقي البالغ 002،2 فلورين· لقد اتهمهم ببخس حقه، فتركوه وحيدا، ولم يكن يتردد عليه إلا ابن أخيه في المناسبات، وقد كانت محاولة ابن الأخ هذا الانتحار في سنة 6281 مما ضاعف أحزان بيتهوفن فطفح به كيل الحزن، وفي هذه الأعوام كتب بيتهوفن آخر خمسة كارتيتات quartets من كارتيتاته البالغة ستة عشر كارتيتاً (الكارتيت قطعة موسيقية تعزفها أربع آلات) وبدأ تأليفه لهذه الكارتيتات في سنة 3281 عندما عرض الأمير نيكولاي جوليتسين Nikolai Golitsyn أن يدفع أي مبلغ مقابل كارتيت واحد أو كارتيتين أو ثلاثة تهدى إليه، ووافق بيتهوفن أن يأخذ لقاء كل كارتيت خمسين دوكات (الكارتيت لحن موسيقي تعزفه أربع آلات)· وهذه الكارتيتات الثلاثة تحمــل الأرقــام التالية (opp. 127, 130 & 132) أما العملان اللذان يحمــلان أرقــام ( Opp. 131 & 135) فهما الكارتيتان النهائيان اللذان اتسمت موسيقاهما بالغموض الباطني والغرابة مما ضمن لهما الشهرة· وتم عزف الكارتيت رقم 031 بشكل خاص في سنة 6281 فجاهر المستمعون باستحسانهم إياه وبهجتهم به إلا أن العازفين وجدوا الحركة الرابعة فيه صعبة الأداء، فأعاد بيتهوفن كتابة هذه الحركة الأخيرة بشكل أبسط· وهذه الحركة التي كان قد تم رفضها يتم عزفها الآن في المجموعة اللحنية 331 Grosse Fugue,Opus 133 إذ فسرها أحد دارسي بيتهوفن بأنها تعبر عن فلسفته النهائية: الحياة والحقيقة تكونان نقيضين لاينفصلان - الخير والشر، والفرح والتعاسة، والصحة والمرض، المولد والوفاة، ولابد أن تتكيف الحكمة مع هذا، فهذا هو جوهر الحياة الذي لا مناص منه· وأعظم هذه الكارتيتات في نظر بيتهوفن، هي رقم 131 (inCSharp Minor) وقد انتهى من تأليفها في 7 أغسطس 6281، وقد حظي هذا الكارتيت بثناء المستحقين والنقاد أكثر مما حظيت به الكارتيتات الأخرى· لقد قيل أن في هذا الكارتيت نظرة باطنية (صوفية) معروضة بشكل تام(84) وقال السامعون لها مؤخراً أنها تبدو كعويل غامض، وأنين مرير لحيوان أصيب بجرح مميت· وآخر الكارتيت الخامس (Opus 135) يطرح سؤالاً في حركته الأخيرة: أكان هذا ضرورياً؟ (Muss es Sein?) وكانت الإجابة: نعم Es muss Sein·
وفي 2 ديسمبر سنة 6281 أصيب بيتهوفن بسعال حاد فاستدعى طبيباً، فرفض طبيبان من أطبائه الذين سبق أن عالجوه - الحضور إليه(94) وأتى إليه الطبيب الثالث فافروخ Wawruch وشخَّص حالته بأنه مصاب بداء الرّئة (نويمونيا Pneumonia) وعكف بيتهوفن في سريره وأتى أخوه جوهان Johann لرعايته، وغادر ابن أخيه كارل بناءً على استدعاء الجيش له، فباركه بيتهوفن (دعا له أن تصحبه السلامة)، وفي 11 يناير انضم الدكتور (الطبيب) مالفاتي Malfatti إلى الطبيب فافروخ لعلاج بيتهوفهن، فوصف تناول المريض شراب البنش المجمّد (البنش شراب مسكر به كحول وليمون وأعشاب أخرى) لمساعدته على النوم، فحسّن بيتهوفن من مذاقه بإضافة الكحول المقطر لقد أساء استخدام الوصفة الطبية(05) فتفاقم الاستسقاء Dropsy واليرقان Jaundice، ولم يستطع التبول فتراكم البول في جسمه، وثم سحب البول من جسمه مرتين فقارن نفسه بنبع ماء حار·
ورغم مرضه فقد قرر ألا ينفق من أسهمه البنكية (التي بلغت قيمتها الإجمالية عشرة آلاف فلورين) لأنه ادخرها لابن أخيه كارل، والآن فقد كان مضطراً لكثرة النفقات فكتب إلى السير جورج سمارت Smart في لندن في 6 مارس 7281:
ماذا سيحدث لي؟ هل سأعيش حتى أستعيد قوتي وأستطيع أن أكسب عيشي مرة أخرى عن طريق قلمي؟··أتوسل إليك أن تستخدم كل نفوذك لحث جمعية عشاق الموسيقا لتنفيذ قرارها الذي اتخذته في وقت سابق بإقامة حفل موسيقي لصالحي· ولا تساعدني صحتي على أن أقول المزيد(15)·
وأرسلت له الجمعية مائة جنيه مقدمة لعوائد الحفل الموسيقي المقترح·
وفي 61 مارس اتفق الأطباء على أن بيتهوفن لم يبق بينه وبين الموت وقت طويل، فطلبوا منه - وكذلك طلب أخوه جوهان (يوهان) أن يوافق على استدعاء قس، فوافق· إذ يبدو أنّه نسي الآن ملاحاته للرّب ففي خطاب أرسله في 41 مارس يذكر أنه، يقبل كل ما تقرّه حكمة الله سبحانه (25) وفي 32 مارس تلقى أسرار المسيحية المقدسة Sacrament لآخر مرة، ويظهر أنه قبلها بمزاج مرحّب، وقد ذكر أخوه في وقت لاحق أن الرجل المحتضر (بيتهوفن) قال له: شكراً على هذه الخدمة الأخيرة(35)، وقال بيتهوفن لصديقه شيندلر Schindler وهو يحتضر بعد انتهاء الطقوس الدينية (تلقين أسرار المسيحية): كوميديا فينيتا أي لقد انتهت الملهاة أو المهزلة وهو لا يقصد غالباً الطقوس الدينية وإنما الحياة نفسها(45)، وكانت هذه العبارة (كوميديا فينيتا) تستخدم في المسرح الروماني الكلاسي لإعلان نهاية المسرحية·
لقد أسلم بيتهوفن الروح في 62 مارس 7281 بعد ثلاثة أشهر من المعاناة، و قبل لحظات قليلة من إسلامه الروح غمر الغرفة ضوء أضاء الغرفة أعقبها رعد شديد، فرفع بيتهوفن ذراعه اليمنى ووجه قبضته (لكمته) إلى شيء ما، يبدو أنه وجهها للعاصفة، وبعدها مباشرة انتهت آلامه (حياته) ولن نعرف أبداً ما تعنيه هذه الإيماءة الأخيرة (توجيهه لكمة إلى شيء ماء)·
وأظهر فحص جثته اضطرابات داخلية معقدة هي التي كانت سوّدت حياته ومزاجه· لقد كان كبده متقلّصة سقيمة·
وكانت شرايين أذنيه قد سدتها جزئيات دهنية كما كان العصب السمعي تالفاً· إن آلام الرأس وعُسر الهضم والمغص واليرقان - تلك الأمراض التي كان يشكوا منها باستمرار، بالإضافة إلي الإحباط العميق الذي يُفسّر ما ورد في كثير من خطاباته - كل هذا كان نتيجة طبيعية لالتهاب الكبد المزمن وعسر الهضم(55)· وربما كان حبه للمشي والهواء الطلق قد خفّفا من آلامه، وأتاحا له ساعات في حياته لا يعاني فيها ألماً·
وحضر جنازته ثلاثون ألفاً، وكان هَميل Hummel عازف البيان، وكروتسر Kreutzer عازف الفيولين من بين حاملي بساط الرحمة في جنازته، وكان شوبرت Schubert وزيرني Czerny وجريلبارتسر Grillparzer من بين حاملي المشاعل فيها (في جنازته)، ولم يُكتَب على شاهد قبره سوى الاسم بيتهوفن، وتاريخ ميلاده وتاريخ وفاته·


صفحة رقم : 14709