قصة الحضارة -> عصر نابليون -> ملوك أوروبا في مواجهة التحدي -> ألمانيا ونابليون -> الإمبراطورية الرومانية المقدسة

الفصل التاسع والعشرون


ألمانيا ونابليون


1786- 1811


1- الإمبراطورية الرومانية المقدسة


1800


يرى هينرش فون تريتشكه Heinrich Von Treitschke، وهو بروسي وطني متحمس لبروسيا، ومع ذلك فهو مؤرخ عظيم (لم تُبعده وطنيته عن النظرة الموضوعية اللازمة للمؤرخ) أنه: لم يحدث أبداً منذ أيام لوثر Luther أن أصبحت ألمانيا في هذه المكانة المرموقة في أوروبا كما هي عليه الآن (0081) حيث أصبح أعظم أبطال العصر وأعظم شعرائه من أُمّتنا (ألمانيا)(1)·
قد نصنّف فريدريك Frederick كمنتصر في درجة أدنى من نابليون، ولكن الذي لا شك فيه أن السَّناء المنبعث من جوته (جيته) Goethe وشيلر Schiller كان لا يُضارعه سناء في مضمار الشعر والنثر من أدنبره (إدينبورج Edinburgh) إلى روما· وقد اهتز العقل الأوروبي من لندن إلى سان بطرسبرج St. Petersburg بفكر الفلاسفة الألمان من كانط Kant ومروراً بفيتشه Fichte وشيلنج Shelling وهيجل إلى شوبنهور Schopenhauer· لقد كانت ألمانيا تشهد عصر نهضتها الثاني Second Renaissance·
لقد كانت ألمانيا - مثل إيطاليا في القرن السادس عشر - ليست أمة إن كان المقصود بالأمة مجموعة من الناس يعيشون في ظل قوانين واحدة وحكومة واحدة· لقد كانت ألمانيا في سنة 0081 سلسلة غير محكمة (غير متماسكة) من نحو 052 دولة لكل منها قوانينها الخاصة وضرائبها الخاصة، وكثير من هذه الدول كان لكل منها جيشها الخاص، وعملتها الخاصة، ودينها الخاص بل وعاداتها الخاصة ولباسها، وكان بعضها يتحدث لغة (ألمانية) غير مفهومة لنصف العالم الألماني· إلا أن اللغة الألمانية المكتوبة كانت على أية حال لغةً واحدة مما أتاح لكتاب ألمانيا قرَّاءً من ثلث القارة الأوروبية·
ويجب أن ننوِّه في هذا الصَّدد أن الاستقلال النسبي لهذه الدول الفُرادى كان يسمح باختلاف الأشكال والأنماط، ويُثير المنافسة، ويتيح حرية التجريب والتفكير بقدر قد يفوق ما هو موجود في عاصمة مركزية لدولة كبيرة· لقد كان الوضع بالنسبة إلى هذه الدويلات الألمانية في هذه الفترة شبيهاً بما كان في إيطاليا في عصر النهضة (الرينيسانس)· ألم تكن مدن ألمانيا القديمة - التي كانت لاتزال متفردة على هذا النحو الجذاب، لتفقد حيويتها وطبيعتها إذا ما تم إلحاقها ببرلين سياسياً وثقافياً، كما حدث بالنسبة لمدن فرنسا عندما أصبحت تابعة لباريس؟ وهل لو كونت كل أجزاء ألمانيا كياناً واحداً مشكِّلةً أمة موحّدة - صارت قلباً لأوروبا غنياً بالسكان والمواد يبزّ كل ما بقي من أوروبا على نحوٍ لا يُقاوم؟
لقد كانت الدول الألمانية بمعنى واحد ناقصة الاستقلال: لقد قبلت هذه الدول أن تكون أعضاء في الإمبراطورية الرومانية المقدسة التي كانت قد بدأت - أي هذه الإمبراطورية - في سنة 008 بتتويج البابا لشارلمان الذي يشير إليه الألمان بأنه their own Frankish Karl der Grosse، وكان أهم هذه الدول الألمانية المكوّنة للإمبراطورية الرومانية المقدسة هي تسعة دول ناخبة electoral أي دول تنتخب الإمبراطور: النمسا، وبروسيا، وبافاريا، وسكسونيا، وبرونزفيك - لوينبورج Brunswick - Luneburg، وكولوني Cologne ومينز (مينتس) Mainz وهانوفر وترير Trier (تريفز Treves)، ويأتي في المقام الثاني سبعة وعشرون كياناً ذو طابع روحي أو ديني Spiritual Lands يحكم كل منها أسقف (مطران) كاثوليكي على نحو يذكِّر بالحكم الأسقفي للمدن في الإمبراطورية الرومانية الغربية التي انتهت منذ ألف عام، وهذه الكيانات الروحية (ذوات الصبغة الدينية) هي: أرشبيشوبية سالزبورج (سالتسبورج) Sazburg (لفظ الأرشبيشوب يعني كبير الأساقفة - والأرشبيشوبيَّة هي مقر كبير الأساقفة) وفي سالزبورج هذه عاش موزارت· أما الأسقفيات (حيث في كل منها أسقف بيشوب) فهي: مينستر Munster وليج Lige وفيرتسبورج Wurzburg وبامبرج Bamberg وأوسنابروك Osnabruck وبادر بورن Paderborn وأوجسبرج Augsburg وهايلدشيم Hildesheim وفولدا Fulda وسبير Speyer وريجنسبرج Regensburg (راتيسبورن Ratisborn) وكونستانس Constance وفورمز Worms ولوبك Lubeck··· وكان هناك أمراء علمانيون (غير إكليريكيين) يحكمون سبعاً وثلاثين دولة، بما فيها هِس - كاسل Hesse - Cassel وهيس دارمشتادت Hesse - Darmstadt وهولشتين Holstein وفيرتمبرج Wuritemberg (مع شتوتجارت Stuttgart) وساشن (زاخن) Sachsen (ساكس - Saxe) فيمار Weimar (وكان بها جوته) وساشن جوتا Sachsen - Gotha (وكان فيها الدوق إرنست الثاني - المستبد المتنوّر) وبراونشفيج فولفنبوتل Braunschweig Walfenbuttel (براونشفيج تُكتب أيضاً برونسفيك Brunswick) وبادن ( Baden - With Baden Baden Karlsruhe) وكانت هناك خمسون مدينة حُرّة (رايخشتادت Reichstadte) كانت كذلك زمن الإمبراطورية: هامبورج وكولوني، وفرانكفورت - آم - مين Frankfurt. am. Main وبريمن Bremen وفورمز (فورمس Worms) وسبير Speyer ونورمبرج Nuremberg (تكتب أيضاً Nurnberg نورنبرج) وأولم ulm··· و من كل تلك الكيانات الألمانية وغيرها كان يأتي الناخبون Eleclors (أو الفرسان الإمبراطوريون) وغيرهم من الممثلين إلى الرايخستاج Reichstag أو الدايت الإمبراطوري Imperial Diet الذي يجتمع في ريجينسبورج Regensburg بدعوة من إمبراطورهم (إمبراطور كل هذه الكيانات أي إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة)· وفي سنة 2971 اختار الناخبون Electors (الناخب بالمفهوم الذي شرحناه آنفاً أكثر من مرة) فرانسيس الثاني النمساوي إمبراطوراً للإمبراطوريـة الرومانيـــة المقدســة وتوَّجـوه فـي حفـل تتويــج فخــم اتســم بالإسـراف الشديد، فغصَّت فرانكفورت - آم - مين بالنبلاء وذوي المكانة من مختلف أنحاء ألمانيا· وكان فرانسـيس الثانـي هـو الأخيـر فـي سـلسلة طويلة من أباطرة هذه الإمبراطورية الرومانية المقدسة·
وبحلول عام 0081 فقدت هذه المؤسسة (الإمبراطورية) - التي كانت يوماً ما مؤثرة ومفيدة بشكل عام - فقدت تقريبا كل فعاليتها وفائدتها· لقد أصبحت أثراً من آثار النظام الإقطاعي· لقد كانت كل قطعة segment (لنقل قرية أو عزبة) يحكمها سيد (لورد) إداري manorial lord (لنقل عمدة فهو أقرب للمفهوم العربي) تابع لسلطة مركزية في المدينة)، إلا أن هذه السلطة المركزية اعتراها الضعف بسبب ازدياد عدد سكان هذه الوحدات وزيادة ثرواتها وقوتها العسكرية، وانتحائها نحواً علمانيا أما الوحدة الدينية في هذه الإمبراطورية المقدسة فكانت قد انتهت بظهور حركة الإصلاح الديني (الحركة البروتستنطية) وحرب الثلاثين عاما، وحرب السنوات السبع 6571 - 3671· فكان شمال ألمانيا في سنة 0081 على المذهب البروتستنطي بينما كان جنوب ألمانيا على الكاثوليكية أما غرب ألمانيا فتخلى عن شيء من تدينه نتجة حركة التنوير الفرنسية، التنوير Aufkarung الذي انتشر على يد الكاتب المسرحي الألماني ليسنج Lessing· وكلما مالت شمس الدين للأفول، ازدهرت الروح الوطنية على نحو قل أم كثر، فإن عقيدة ما (سياسية أو اجتماعية) كان لابد من وجودها لتمسك أجزاء المجمتمع وتضمها معا وتوثق عراها في مواجهة الاندفاع بعيداً عن المركز أو بتعبير آخر في مواجهة الرغبة في مزيد من التفكك· وقد أدى استقطاب ألمانيا بين الشمال البروتستنطي بقيادة بروسيا، والجنوب الكاثوليكي بقيادة النمسا إلى نتائج رهيبة ممثلة في فشل القطبين (الشمال البروتستنطي والجنوب الكاثوليكي) في توحيد جهودهما ضد نابليون في معركة أو سترليتز Austerlits في سنة 5081 ومعركة جينا (يينا) في سنة 6081· وقبل هاتين اللطمتين بفترة طويلة كانت النمسا نفسها قد بدأت تتجاهل الدايت الإمبراطوري (المجلس التشريعي الإمبراطوري) وتبعتها في ذلك دول ألمانية كثيرة(2) (دول بالمعنى الوارد في صدر هذا الفصل)، وفي سنة 8871 لم يستجب للدعوة لحضور هذا الدايت سوى 41 أميراً من بين مائة لهم حق انتخاب (الأمبراطور) وثمانية من بين خمسين من رؤساء المدن (عمد المدن(3)) فكان محالا أن يستطيع الدابت إصدار قرارات· وفي معاهدة كومبوفورميو Compoformio (7971) ولونيفيل Luneville (1081) أجبر نابليون النمسا على الاعتراف بالحكم الفرنسي على المناطق الواقعة غرب الراين، وهكذا أصبح الجزء الثري من الإمبراطورية الرومانية المقدسة - بما في ذلك مدن: سبير Speyer ومنهيم Mannheim وفورمز Worms ومينز (مينتس Mainz) وبنجن Bingen وتريير Trier وكوبلتر (كوبلنتس Coblenz)، وآخن Aachen وبون Bonn وكولوني Cologne - تحت الحكم الفرنسي· وبحلول عام 1081 كان هناك قبول عام بأن الإمبراطورية الرومانية المقدسة أصبحت - كما قال فولتير - لا هي مقدسة، ولا هي رومانية ولا هي إمبراطورية، فلم تكن هناك دولة ألمانية مهمة تعترف بسلطانها أو سلطان البابا فكان لا بد من ظهور شكل جديد من التعاون والنظام - وسط هذه الفوضى - يلقى القبول ، وقد أخذ نابليون على عاتقه مواجهة هذا التحدي·



صفحة رقم : 14710