قصة الحضارة -> عصر نابليون -> ملوك أوروبا في مواجهة التحدي -> ألمانيا ونابليون -> كونفدرالية الراين

2- كونفدرالية الراين


6081


كان نهر الراين العظيم كمتحف للمناظر الخلابة الرائعة، والذكريات التاريخية التي خلدتها - في بعض الأحيان - الأعمال المعمارية· وكان بالإضافة إلى ذلك ذا فضل حيوي على الاقتصاد؛ يروي التربة الصالحة للزراعة، ويربط كل مدينة يمربها بالكثير من المدن الأخرى التي تضارعها ثقافة وتجارة، وفقد النظام الإقطاعي أنيابه وأساليبه مع توطن التجارة والصناعة على جانب النهر· لكن هذا الازدهار المنساب كانت تفسده أربع قضايا: كسل الحكام وانغماسهم في الملذات، شيوع الرشوة بين الجهاز الإداري، تركز الثروة بشكل حاد، تمزق أوتفتّت عسكري يحرض الغزاة على الغزو·
وقد فتح الطريق إلى التنظيم الجديد لدول الراين بوعد قدمته كل من فرنسا والنمسا لتعويض ذوي الحيثية الألمان الذين فقدوا ممتلكاتهم بسبب اعتراف النمسا بالسيادة الفرنسية على غرب الراين - تعويضهم بممتلكات جديدة، وأدى تذمر الذين نزعت ملكيتهم واعتراضهم على ما عُوضوا به إلى انعقاد مؤتمر رشتات Rastatt بين فرنسا والنمسا (61 ديسمبر 7971)، واقترح بعض الأمراء من غير أولي المصلحة ضرورة تحويل الولايات (الإمارات) الإكليريكية إلى ولايات (أوإمارات) علمانية، وبتعبير أوضح تحويلها من حكم الأساقفة إلى حكم سواد الناس (غير الإكليريك)، ولم يكن المؤتمر قادرا على الموافقة على هذا الاقتراح فأحال الأمر للدايت التالي للإمبراطورية الرومانية المقدسة· وظل الأمر معطلاً معلقاً حتى عاد نابليون من مصر وأحكم القبضة على السلطة في فرنسا وهزم النمسا في معركة مارنجو Marengo، وعقد اتفاقاً معها (النمسا) وبروسيا وروسيا أصدر بمقتضاه الدايت الإمبراطوري في 52 فبراير 3081 مرسوما شاملا يحدد خريطة غرب ألمانيا ونظم الحكم فيها وهو المرسوم الذي يطلق عليه بالألمانية Reichsdeputationshauptschluss وبناء عليه تم عزل كل الأساقفة تقريبا (من حكم وحداتهم) ووافقت بروسيا باعتدال على تقليص الحكم الأسقفى، وكانت النمسا بلا حول ولا قوة فلم يجدها سخطها فتيلا·
وتحقق الحكام الجدد أن النمسا قد تكون غير راغبة في تقديم حماية عسكرية لهم - بل إنها غير قادرة· كما لم يكونوا يتوقعون - وهم كاثوليك في غالبهم - حماية بروسيا البروتستنطية لهم· فلجأت الدول التي أعيد تشكيلها - المرة تلو المرة - إلى نابليون فهو الأقوى عسكريا، كما أنه من الناحية الرسمية - كاثوليكي· ففي ميونخ Munich (03 ديسمبر 5081) قابل كارل تيودور فون دالبرج Karl Theodor Von Dalberg ناخب منز (مينتس Mainz) الإكليريكي (رئيس الأساقفة) - قابل نابليون العائد منتعشا لانتصاره في معركة أو ستر ليتز Austerlitz، ودعاه لقبول قيادة الولايات ( الإمارات) التي أعيد تنظيمها· وظل الإمبراطور (نابليون) المشغول يفكر في الأمر مدة نصف عام، فوجد أن فرض الأمة الفرنسية لحمايتها على ألمانيا (جعلها محمية فرنسية) سيؤدي إلى عداء بقية الألمان، كما سيزيد عداء كل من إنجلترا وروسيا حدة· وفي 21 يوليو 6081 دخلت بافاريا، وفيرتمبرج Wurttemberg وبادن Baden وهس - دارمشتادت Darmstadt - Hesse ونساو Nassau وبيرج Berg ودول ألمانية أخرى كثيرة - في اتحاد كونفدرالي هو كونفدرالية الراين Rheinbond، وفي أول أغسطس وافق نابليون أن يأخذ على عاتقه حماية هذا الاتحاد الكونفدرالي وافق أن يجعله محمية فرنسية، واحتفظ الكيان باستقلاله في الأمور الداخلية لكن المتحدين وافقوا على أن يرسم لهم السياسة الخارجية ووافقوا على أن يضعوا قوة عسكرية كبيرة تحت أمره يطلبها متى شاء(4)· وأرسلوا إلى فرانسيس الثاني والدايت الإمبراطورية بما يفيد أن دول الكونفدرالية لم تعد أعضاء في الرايخ· وفي 6 أغسطس أعلن فرانسيس رسميا حل الإمبراطوريه الرومانية المقدسة وتخلى عن لقبه الإمبراطوري المرتبط بها (كإمبراطور للإمبراطورية الرومانية المقدسة) واحتفظ بمنصبه ولقبه كإمبراطور للنمسا· لقد زوت عظمة الهبسبرج وأصبح شارلمان الجديد (المقصود نابليون) يحكم من فرنسا ماداً سلطانه على غرب ألمانيا· وحققت كونفدرالية الراين فوائد حيوية، كما عانت من كوارث لامفرمنها· لقد أدخلت مدونةنابليون القانونية (بما فيها من إلغاء العوائد أو الرسوم الإقطاعية والأعشار الكنسية) وأخذت بحرية العبادة الدينية والمساواة أمام القانون والنظام الفرنسي في الإدارة (تولى محافظ أو مدير أو وال لمنطقة بعينها) وهو نظام مركزي ولكنه يتسم بالكفاءة، بالإضافة لتعيين قضاة مدربين أكثر استعصاء على الرشوة· وكان الخلل الأساسي في هذا البناء هو قيامه على أكتاف قوى أجنبية (فرنسية) ولايمكنه الاستمرار إلا إذا وازنت الحماية الأجنبية تكاليفه الداخلية· وعندما أخذ نابليون آلافاً من أبناء الألمان ليحاربوا النمسا في سنة 2181 بدت محمية الراين متوترة، وعندما أخذ آلافا من أبناء الألمان لمحاربة ورسيا في سنة 2181 وطلب دعما ماليا ثقيل الوطأة لتمويل معركته، بدت المحمية وكأنها حمل كبير ينزع منه نابليون ويستنزفه شيئا فشيئا، وعندما جند المان كونفدرالية الراين ليحارب بهم ألمان بروسيا في سنة 3181 راح ألمان الكونفدراليه ينتظرون تراجع الفرنسيين لينقضوا البناء كله على رأس الكورسيكي الذي أنهكته الحروب (نابليون)·
وفي هذه الأثناء كان نصراً لنابليون أنه كان قد رتب حدودا جديدة آمنة لفرنسا ذات ميزة أمنية مزدوجة· لقد كان قد أدمج أراضي غرب الراين في فرنسا، وأصبحت المناطق الغنية على الشاطئ الشرقي التي تصل حتى الألب متحالفة مع فرنسا ومعتمدة عليها· ورغم أن كونفدرالية الراين قد تفككت عقب هزيمة نابليون في ليبزج (ليبسيج Leipsig) في سنة 3181، فقد كان هذا التوحيد حيا في ذاكرة بسمارك بعد ذلك كما أن توحيدنابليون لإيطاليا كان بعد ذلك إلهاماً ألهم مازيني Mazzini وغاريبالدي Garibaldi وكافور Cavour·



صفحة رقم : 14711