قصة الحضارة -> عصر نابليون -> خاتمة المطاف -> إلى سانت هيلانا -> التسليم

3- التسليم


4 يوليو - 8 أغسطس 1815


لقد ركب نابليون من مالميزو متجها جنوبا فلحق به عند نيور Niort أخوه جوزيف، ورفيقه في السلاح جورجو· ووصلوا إلى روشفور Rochefort (جنوب شرق لا روشيل La Rochelle بثلاثة عشر ميلا) في وقت متأخر من الثالث من يوليو فوجدوا الفرقاطتين اللتين توقعوا وجودهما (الفرقاطة سال Saale والفرقاطة ميدوز Meduse) في الميناء، لكن خلف هاتين الفوقاطتين كان يوجد أسطول حربي بريطاني صغير يحاصر الميناء ويمنع فيما يبدو أي خروج منه دون تصريح·
وفي 4 يوليو أرسل نابليون استفسارا إلى قبطان الفرقاطة سال Saale - هل تم احتجاز مكان له ولبعض أصدقائه لرحلة إلى أمريكا، وهل يمكن للفرقاطة سال Saale اختراق الحصار؟ فأتته الإجابة بأن الفرقاطة جاهزة ومستعدة للإبحار وستحاول أن تروغ من السفن الحربية (المحاصِرة - بكسر الصاد) ليلا مع احتمال أن تتعرَّض للتوقيف أو القصف لكن إن أفلتت فإن سرعتها الفائقة لن تمكن السفن الحربية من اللحاق بها· إن نابليون الآن في مِحَن راح يقلِّبها فظل تسعة أيام مترددا يقلّب الخطط - خطط هربه، وراح يطلب النصيحة من رفيق بعد رفيق، فعرض عليه جوزيف الذي كان يشبهه في المظهر أن يتنكر هو (أي جوزيف) متقمصا شخصية نابليون وأن يترك نفسه ليحتجزه البريطانيون، بينما قد يُسمح لنابليون بملابسه المدنيّة بمواصلة رحلة تبدو روتينية على متن إحدى الفرقاطتين، ورفض نابليون تعريض أخيه للخطر· وقد أبحر جوزيف نفسه في وقت لاحق على إحدى الفرقاطتين إلى أمريكا· لقد نسي نابليون خمسة عشر عاما من الحرب، وراح الآن يعزف على أنغام الهوى مع إنجلترا مؤمّلا أنه إذا سلّم نفسه لها فقد تعامله كأسير مُميّز وتسمح له بقطعة أرض متواضعة ليعيش فيها كمالك - بسلام· وفي 10 يوليو أرسل لا كاس Las Cases وسافاري Savary (دوق روفيجو Rovigo) ليطلب من القبطان فريدريك ميتلاند Maitland على ظهر السفينة بيلروفون Bellerophon التابعة للتاج البريطاني عما إذا كان قد تلقى أية جوازات سفر (تصاريح سفر) باسم نابليون يتوجه بمقتضاها إلى أمريكا· ولم يكن لدي القبطان بطبيعة الحال مثل هذه الجوازات· عندئذٍ سأله لا كاس عما إذا سلّم نابليون نفسه للبريطانيين فهل يتوقع أن يعامله الإنجليز بالكرم المعروف عنهم، فأجاب ميتلاند أنه يسعده أن يستقبل نابليون ويأخذه إلى إنجلترا لكنه - أي ميتلاند - غير مخوّل بتقديم أية وعود عن كيفية استقباله هناك·
وقبل هذا الحوار أو في أثنائه أو بعده تلقى القبطان ميتلاند من رئيسه - السير هنري هوتام Hotham نائب الأدميرال (الذي كان يطوف وقتها إزاء الساحل الشمالي الغربي لفرنسا) رسالة يُخبره فيها أن نابليون موجود في روشفور Rochefort أو بالقرب منها وأنه ينوي العبور إلى أمريكا، وأضاف الأدميرال: عليك أن تبذل قصارى جهدك لمنعه من الإبحار فوق الفرقاطات،··· وإن أسعدك الحظ بالقبض عليه، ضعه تحت حراسة جيدة وتوجه به بأقصى سرعة إلى ميناء بريطاني(19)·
وفي 14 يوليو أَوْ نحو هذا التاريخ تلقى نابليون تحذيرا من أن لويس الثامن عشر كان قد أمر الجنرال بونفور Bonnefours بالتوجه إلى روشفور للقبض عليه (على نابليون)(20) وتحرك بونفور ببطء· لقد أصبح نابليون الآن ملزما بخيار من خيارات ثلاثة: إما أن يسلم نفسه للويس الثامن عشر الذي لديه كل الأسباب التي تجعله كارهاله، أو أن يخاطر بالهرب محاولا الإفلات من الحصار البريطاني أو أن يسلم نفسه للقبطان ميتلاند على أمل أن يحظى بمعاملة كريمة من بريطانيا· واختار نابليون الطريق الثالث، ففي 14 يوليو كتب للوصي على العرش الذي كان يحكم بريطانيا آنئذ:
يا صاحب السمو الملكي
نظراً للفُرقة (الشقاق) التي استنزفت بلادي، واختلاف القوى الكبرى في أوربا قررت أن أنهي كل عمل لي في مجال السياسة وإنني آت - مثل تيميستوكل Themistoches - لأقيم في بيت الشعب البريطاني لأنعم بالدفء بينه· إنني أضع نفسي تحت حماية قوانينكم التي أناشد سموكم الملكي باعتباركم أكثر أعدائي قوة وعزما وكرما أن تمنحوني حمايتها·
نابليون(21)·
وعَهِد نابليون إلى جورجو بتسليم هذا الخطاب وطلب منه أن يحصل على إذن لتوصيل الخطاب في القارب التالي· وقد وافق ميتلاند لكن القارب الذي استقل جورجو قد تم احتجازه طويلا في الحجر الصحي، وليس هناك ما يشير إلى أن هذا الخطاب قد وصل إلى الوصي على العرش·
وفي 51 يوليو وُضع نابليون ورفاقه على متن السفينة البريطانية بيلروفون Bellerophon، واستسلموا طائعين لبريطانيا العظمى· قال نابليون لميتلاند: لقد أتيتُ على متن سفينتك لأضع نفسي تحت حماية القوانين الإنجليزية(22)· وقد استقبلهم القبطان بمودّة ووافق على نقلهم إلى إنجلترا ولم يقل لهم شيئا عن رسالة الأدميرال هوثام Hotham لكنه حذّر نابليون من أنه لا يضمن أن يتم استقباله بود في إنجلترا· وفي 16 يوليو أبحرت السفينة بيلروفون قاصدة إنجلترا وفي وقت لاحق أبدى ميتلاند ملاحظة طيبه عن أسيره الكبير: لقد كانت طباعة دَمثة تماما· لقد كان يشارك في كل مناقشة، ويروي كثيرا من النوادر، ويسلك كل السبل ليجعل الجوّ فَكِهاً مِرَحا· وكان مؤتلفاً بشكل كبير جدا مع كل من معه·· رغم أنهم كانوا يعاملونه بكثير من الاحترام· وكان يملك - بشكل مدهش - القدرة على إحداث تأثير محبّب على من يناقشونه·
وكان طاقم السفينة مبتهجاً وعامله بأقصى درجات الاحترام· وفي 4 يوليو وصلت السفينة تيلروفون إلى خليج تور Tor Bay وهو خليج صغير في القنال الإنجليزي على ساحل ديفونشير Devonshire وسرعان ما تمركزت فرقاطتان مسلحتان عند الجانب الآخر للسفينة· لقد أصبح من الواضح أن نابليون قد غدا أسيرا، وأتى الأدميرال الفيسكونت (النبيل) كيث Viscount Keith فوق سطح السفينة وحيّاه بمودّة متسمة بالبساطة: وبعد ذلك قال جورجو لنابليون إنه لم يستطع تسليم خطابه (خطاب نابليون) للوصي البريطاني على العرش، لكنه كان مضطراً لتسليمه إلى كيث الذي لم يعره اهتماما(24)· وأمر كيث القبطانَ ميتلاند أن يتجه بسفينته إلى بلايموث Plymouth على بعد ثلاثين ميلا حيث ظلت السفينة هناك حتى الخامس من أغسطس· وفي هذه الفترة أصبحت محط حب استطلاع البريطانيين· لقد ركب الرجال والنساء من كل أنحاء جنوب إنجلترا إلى بلايموث وازدحموا في القوارب ليروا الغول الإمبراطوري وهو يمشي الفترة المقررة له يوميا فوق متن السفينة·
وأمضت الحكومة البريطانية أياما لتقرر ما تصنعه معه· وكان الرأي السّائد هو معاملته كشخص خارج على القانون على وفق ما سبق للحلفاء أن أعلنوه رسميا وباعتباره شخصا خرق اتفاق فونتينبلو المتساهِل معه، فأجبر أوربا على حرب أخرى معه كلفتها كثيرا من الأرواح والأموال· من الواضح أنه يستحق الموت، فإن سُجن فقط لكان ممتنا، لكن إن كان لا مناص من سجنه فليكن بحيث لا يهرب ليحارب مرة أخرى· وربما كان يستحق بعض الرحمة لتسليم نفسه طوعا فوقى الحلفاء مزيدا من المتاعب، لكن هذه الرحمة لا يجب أن تدع له طريقاً للهرب، وعلى هذا أمرت الحكومة البريطانية الأدميرال كيث أن يخبر الأسير (السجين) أنه عليه أن يقيم من الآن فصاعدا في جزيرة سانت هيلانا (هيلانه) على بعد نحو 1200 ميل من غرب إفريقية· إنها جزيرة بعيدة، لكن كان لابد أن يختاروا له مكانا بعيدا، كما أن بُعدها قد يُريح السجين (نابليون) والمتحفّظين عليه مما تتطلبه المراقبة عن قرب من صرامة· وتناقش حلفاء بريطانيا ووافقوا على هذا الحكم مع احتفاظهم بحق إرسال مندوبين عنهم للجزيرة للمشاركة في الإشراف عليه (مراقبته) وكاد نابليون ينهار عندما علم أنه قد حُكم عليه بما اعتبره موتا رغم أنه يتنفّس، فاعترض بشدة لكنه استسلم عندما رأى أنه لا جدوى من ذلك· ومُنِح عدة مزايا، فقد سُمِح له باختيار من يرغب من أصدقائه ليصحبوه، فذكر الجنرال بيرتران المارشال الكبير في القصر والكونت دي مونثولو، والكونتيسه دي مونثولو Montholon (كان هذا الكونت هو معاونه في معركة واترلو) والجنرال جورجو المدافع المخلص عنه، كما اختار واحدا من اثنين: الكونت دي لا كاس وابنه· وسمحت السلطات لكل واحد منهم (نابليون وصحبه) أن يصحب معه خدما ومبلغ 1600 فرنك· لقد أخذ نابليون معه عديدا من الخدم ودبّر ليأخذ معه مبلغا كبيرا من المال، فقد أخفى قلادة هورتنس الألماسية الثمينة في حزام لا كاس، وخبّأ 350.000 فرنك في عباءات خدمه· وكان مطلوبا من كل منهم تسليم سيفه، لكن عندما تقدم الأدميرال كيث ليأخذ سيف نابليون هدده نابليون بسلّه دفاعا عن نفسه، ولم يصر كيث(25)· وفي الرابع من أغسطس أبحرت السفينة بيلروفون من بلايموث قاصدة بورتسموث Portsmouth وهناك سلّمت أسيرها (نابليون) وحاشيته ومتعلّقاتهم لسفينة أكبر (النورثمبرلاند Northumberland) التي أبحرت في 8 أغسطس قاصدة سانت هيلانا·


صفحة رقم : 14769