قصة الحضارة -> عصر نابليون -> خاتمة المطاف -> إلى النهاية -> جزيرة سانت هيلانا
الفصل التاسع والثلاثون
إلى النهاية
1- جزيرة سانت هيلانا
لقد كانت رحلة طويلة من إنجلترا - من 8 أغسطس إلى 15 أكتوبر· وكان نابليون معتادا على السرعة في الحركة والفِعل والحديث فاعتراه الملل وتحمَّله بشق النفس· وفكر الأدميرال السير جورج كوكبورن Cockburn في تيسير الأمر بأن راح يدعو يوميا نابليون وأحد رفاقه لتناول الغداء معه ومع بعض الضباط البريطانيين، وعلى أية حال فقد كان البريطانيون يقضون ساعتين ونصف على مائدة الغداء أمّا نابليون فكان يحثهم على قبول اعتذاره عندما يبدأون في تناول الشراب (الخمور)، وكان يجفل عندما ينادونه بجنرال بدلا من إمبراطور لكنه كان معجبا بمودَّتهم ولطفهم· واقترح أصدقاؤه كوسيلة لقتل الوقت وتهوينه أن يُملي عليهم ذكرياته في الحكم والحرب· لقد بدأ الآن دور الذكريات التي دوَّنها أوميرا OصMeara أوْ لاكاس أو جورجو، أو مونثولو والتي نشروها بعد وفاته· ولعبت دورا في أن أصبحت ذكرى نابليون قوَّة حيّة في فرنسا طوال القرن· لقد طال مقام الرجال في البحر فلابد أن نابليون نفسه قد اعتراه السرور عندما رأى الساحل الصخري لجزيرة سانت هيلانا· إن نظرة واحدة يمكنها أن تحيط بمعظم أنحاء الجزيرة· لقد كان محيطها عشرين ميلا فقط، ويكاد يكون كل سكانها متجمعّين في مينائها جيمستون ذى الشارع الواحد· لقد كان عدد سكان هذه الجزيرة خمسة آلاف نفس· وكانت الأرض المتضرّسة (الوعرة) غير المستوية ترتفع صُعُدا إلى هضبة عند لونجوود Longwood ومناخها إستوائي حار ممطر سديمي، والفصول المنتظمة لا وجود لها وإنما هناك تغيرات غير محسوبة من رطوبة وجفاف· وكانت تربتها غير ودودة (المقصود غير خصبة) تضن بالطعام عند زراعتها· إنها بقعة من الأرض صالحة لعزل صانع مشاكل لكنها كتعذيب لرجل كانت حياته عملاً يتطلب قارة تكون مسرحاً له·
لقد ظل هو ومن معه على متن السفينة، بينما راح الأدميرال كوكبورن Cockburn يبحث لهم عن مقر إقامة مؤقت حتى ينتهي العمل في البيت الكبير الذي كانت الحكومة البريطانية قد اختارته ليقيموا فيه معا· فبالنسبة إلى نابليون ولا كاس Las Cases وابنه وجد الأدميرال مكانا باعثا على المسرّة البريار Briars ظن مالكه (وليم بالكومب Balcombe) أن استضافته للإمبراطور (نابليون) ستكون أمراً شائقا· وكان لمالك هذا البيت ابنتان إحداهما في السادسة عشرة والأخرى في الرابعة عشرة، أبهجتا البيت، فقد كانتا تتحدثان قليلا من الفرنسية وتمثلان وتغنيان، وقد شُغفتا بنابليون حتى أن الصغيرة منهما بكت عندما أصبح عليه أن يغادر إلى البيت المشترك الذي أعدته الحكومة البريطانية لإقامته ومن معه، وكانت يطلق عليه بيت لونجوود Longwood·
لقد كان هذا البيت المشترك لونجوود بيتا ريفيا قديما على بعد نحو ستة أميال من جيمستون· وكانت غرفه الكثيرة بسيطة لكنها مؤثّثة بشكل كاف· وعلى وفق الخطة الممتازة التي وضعها لاكاس Las Cases يكون من نصيب نابليون ست غرف: غرفة انتظار واسعة للزوار وحجرة مؤدية إليها وردهة وغرفة نوم وغرفة دراسة ومكتبة وغرفة طعام واسعة· وكانت الجدران مغطاة من الداخل بكانافا مشبعة بالقار، وكانت طريقة تغطيتها أنيقة، وكان هناك نوافذ كثيرة· وقبل نابليون هذا دون شكوى مبدئياً، بل إنه كان سعيداً بالحمّام الذي وصفه بأنه فخم مترف بطريقة لم يُسمع عنها في هذه الجزيرة البائسة(1) وقد ذكر لا كاس أن الإمبراطور كان راضيا عن كل شيء(2)· أما الجناح الآخر من الغرف المشيّدة فقد هيِّئت لكل من لا كاس وابنه والكونت دي مونثولو Montholon والكونتيسة دي مونثولو، والجنرال جورجو، والدكتور أوميرا O, Meara طبيب نابليون· وتم إعداد غرف كبيرة عامة لخدم نابليون وخدم الآخرين(3)· أما الجنرال بيرتران Bertrand وزوجته وخدمهما فقد أقاموا في بيت صغير في الطريق إلى جيمستون·
وكان لنابليون حرية الحركة - على قدميه أو راكباً حصانا أو في عربته في حدود دائرة نصف قطرها خمسة أميال من البيت الذي يُقيم فيه، لكن كان لابد أن يخضع لمراقبة الجنود الإنجليز إذا ما خرج من هضبة لونجوود (الهضبة التي فيها بيت لونجوود الذي يقيم فيه، والآنف ذكره)، وكان حاكم الجزيرة الإنجليزي يرسل يوميا الوجبات الغذائية لنابليون ومن معه، وكان يمكنهم طلب طعامهم في حدود لا يتعدونها(4)· واعتاد الإمبراطور أن يأكل بمقادير ضئيلة حتى الساعة الثامنة مساء (المعنى: لا يتناول وجبته مرة واحدة) ثم يتناول هو ومن معه عشاءهم بتروّ مما يجعله - بعد العشاء - مستعدا للنوم· وكان نابليون قد أحضر معه من فرنسا أدوات مائدة مُترفة غالية الثمن، وكان يستخدمها بانتظام بل لقد سمعنا أنه جلب معه سكاكين وملاعق وشوكات من ذهب(5)· أما الأطباق فكان غالبها من خزف سيفر Porcelain Sevres (سيفر مدينة فرنسية)· وكان الخدم يرتدون ملابسهم الرسمية الخضراء المحلاة بالذهب كاملة· وكان لا كاس مبهورا بأناقة أدوات المائدة والطريقة الممتازة التي تنظّم بها موائد الطعام(6) لقد استمر الإتيكيت الذي كان معمولا به في التوليري في لونجوود· وسمح نابليون لأصدقائه المخلصين بالحديث معه بكثير من الصراحة لكنه لم يُزل الكلفة بينه وبينهم، فقد كانوا دوْما يشيرون إليه في حديثهم بالإمبراطور، وكانوا يخاطبونه بصاحب العظمة، وكانت الخطابات التي توجه إليه كجنرال لا يتم فضّها، وكان على الزوّار أن يخاطبوه كإمبراطور أو أن يمكثوا بعيدا عنه (لا يخاطبونه) وكانت هناك بعض الصعوبات ومسبّبات السخط، فقد استوطنت الفئران في منزل الإمبراطور، بل وحتى في قبعته، وكانت تجري حول أرجل المائدة وهو يتناول طعامه، ولم تكن البراغيث ولا البّق لتميز بين الخادم والإمبراطور· لقد تذمّر لاكاس قائلا: لقد أكلتنا هذه الحشرات بكل معنى الكلمة(7) وكان الضباب المسبب للكآبة يَعُم المنطقة يوما بعد يوم، وكان الماء يسقط أحيانا وافتقد الإمبراطور حمامهُ الدافئ· وأدت المراقبة الدائمة - مهما كانت مهذّبة أو من بُعد - إلى اعتكاف يشبه اعتكاف الرهبان في الدير، ومما جعل هذا مقبولا رتابة الحياة في هذا المكان· لكن في أي مكان آخر يُتاح لسجين أن يكون له هذا العدد من الأصدقاء والخدم وحصان وعربة خفيفة وكل الكتب التي يمكنه استخدامها؟ باختصار لقد كان سجنا محتملا أكثر مما يتوقع أي سجين خاصة بعد أن هرب من مكان احتجازه السابق وبعد أن كلف ملايين الجنيهات الإسترلينية والضحايا لإعادة القبض عليه· لقد سارت الأمور بشكل معقول حتى وصل السير هدسون لو Lowe·