قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> الشعراء الثوريون -> تضحية

15- تضحية


شيلي 2281


شيء من نزوات الشعراء هو الذي أملى اختيار هذا المكان الموحش لقضاء إجازة فيه· لقد كان الكازا ماجني Casa Magni واسعا جدا بالنسبة إلى أسرتين كما أنه لم يكن مؤثثا، وكان قديما يقترب من الانهيار· وكانت الغابة تحيطه من ثلاث جهات، أما واجهته فكانت تطل على البحر الذي كان يقذف بأمواجه أحيانا إلى أبوابه· وقد راحت ماري شيلي تتذكر فيما بعد قائلة: لقد احتفت بنا الرياح الهوجاء والعواصف عند وصولنا، وكان أهل المنطقة أكثر وحشة من المكان· وبمجرد أن ارتطمت سفينتنا بجزيرة البحار السبعة حتى كدنا نشعر أننا أبعد ما نكون عن الراحة والحضارة(241)·
وفي 21 مايو وصل القارب أريل Ariel من جنوة، فابتهج ويليامز الذي سبق له العمل في البحرية، وابتهج شيلي الذي لم يكن يجيد السباحة، وراحا يقضيان كثيرا من الفترات بعد الظهيرة أو في الماء وهما يبحران على طول الساحل· وقلما كان شيلي في أي وقت مضى سعيدا بمثل هذه السعادة الفائقة· وكانت النسوة أحيانا ينضممن إليهما في نزهاتهما هذه، لكن ماري أصبحت حاملاً مرة أخرى وكان المرض يعاودها ولم تكن سعيدة لأن زوجها لم يتركها تقرأ خطابات أبيها الحزينة(341)·
وقد كتب شيلي في المنزل أو القارب قصيدته الأخيرة انتصار الحياة التي توقف فيها عند البيت رقم 445 بسبب رحلته الأخيرة· ولم يكن هناك انتصار في هذه الرحلة لأنها تصف مواكب الأجناس البشرية المختلفة في طريقها للفشل والانحطاط مسرعة إلى الموت· وفي البيت رقم 28 نجد تأثير روسو، فالشاعر هنا يتعرض لغباء الحضارة، فهو يظهر مشاهير التاريخ - أفلاطون وقيصر وقسطنطين وفولتير ونابليون - وقد وقعوا في أحابيل الاندفاع المجنون نفسه نحو الثروة والسلطة، ويوصي بالعودة إلى الحياة الطبيعية البسيطة، ولا يجد خلاصا للبشر إلا بذلك·
لم يكن شيلي قد بلغ الثلاثين بعدما فكر في الانتحار في 81 يونيو سنة 2281· لقد كتب إلى تريلاوني:
أيمكنك أن تقابل أي عالم يستطيع أن يحضر حامض البروسيك أو خلاصة زيت اللوز المر··· سأعتبر ذلك فضلاً كبيرا إن أنت وفرت لي قدرا قليلا من هاتين المادتين···· إنني سأدفع أي مبلغ مطلوب مقابل هذا الدواء··· لست في حاجة لأن أخبرك أنني لا أنوي الانتحار في الوقت الحاضر لكنني أعترف لك أنني سأكون مرتاحا إذا ما امتلكت المفتاح الذهبي لغرفة أرتاح فيها راحة أبدية(441)·
وربما رغبة منه (شيلي) في مساعدة زوجته المريضة - دعا كلير كليرمونت أن تأتي من فلورنسا لقضاء الصيف في الكازاماجني، وبالفعل أتت في أوائل شهر يونيو وكان هذا وقتا مناسبا لمساعدة ماري في عملية الإجهاض المهلكة· وفي 22 يونيو كان شيلي على وشك الانهيار العصبي وكان يعاني كوابيس مرعبة جدا حتى إنه كان يهب فزعا ويجري من غرفته إلى ماري وهو يصرخ· وفي أول شهريوليو وصلتهم الأخبار أن لاي هنت وأسرته قد وصلوا إلى جنوة وأنهم يستعدون لمغادرتها بقارب نقل للانضمام إلى بايرون· وكان شيلي تواقا للترحيب بصديقه المخلص، ولتيسير استقبال بايرون له (لهنت) ولتدعيم شريكه الذي تضاءلت مصالحه في إصدار مجلتهما الجديدة، فقرر أن يبحر فجأة مع ويليامز في القارب أريل Ariel إلى ليجورن·· وكانت ماري قد أرهصت بالكارثة (حدثها قلبها أن كارثة ستقع) لقد طلبت منه ألايقوم بهذه الرحلة مرتين أو ثلاث·· ورحت أصرخ بمرارة عندما ذهب(541) وغادر القارب أريل (كازا ماجني) في ظهر الأول من يوليو ووصل ليجورن بأمان في التاسعة مساء· وحيّا شيلي صديقه هنت بسعادة وفرح لكنه أصيب بالإحباط عندما علم أن السلطات التسكانية قد أمرت آل جامبا Gambas بمغادرة البلاد فورا وأن بايرون الذي قرر أن يلحق بتيريزا كان يخطط لمغادرة ليجورن حالاً ليلحق بها في جنوا· ومع هذا وافق بايرون على الاحتفاء باتفاقيته مع هنت وخصص له ولأسرته غرفاً في الكازا لانفرانشي Casa Lanfranchi في بيزا pisa، فصحبهم شيلي إلى بيزا فلما اطمأن إلى مقامهم عاد إلى ليجورن في السابع من يوليو· وقضى صباح الأحد الموافق 8 يوليو في شراء مستلزمات أسرته في كازا ماجني· وحثه ويليامز على الإسراع لانتهاز فرصة الرياح المناسبة إلى ليريسي Lerici، وكان قائد السفينة (البوليفار) قد تنبأ بهبوب عاصفة بعد ظهر هذا اليوم ونصح بتأخير الإبحار يوما، إلا أن وليم كان يلح على الإبحار حالا، فوافق شيلي وفي نحو الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر أبحر القارب أريل Ariel من ليجورن وعلى متنه شيلي وويليامز وبحار شاب هو شارلز فيفان·
وفي نحو السادسة والنصف من هذا اليوم هبت عاصفة عنيفة مصحوبة برعد ومطر على خليج سبيريا Spezia فهرعت مئات السفن والقوارب إلى داخل الميناء· وفي كازا ماجني كانت العاصفة قاسية جدا حتى إن النسوة الثلاث مكثن قلقات يعزين أنفسهن قائلات إن الزوجين لم يبحرا في هذه العاصفة وإنهما في أمان في ليجورن· ومضى يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس· وراحت ماري في وقت لاحق تتذكر ما حدث: إن الكرب الحقيقي الذي عانيناه في هذه اللحظات يفوق كل كرب وضفته والقصص والروايات، فمهما ذهب الخيال لايمكن أن يعبر عن حالتنا تلك، فعزلتنا، وطبيعة السكان الفظة في القرية المجاورة ومجاورتنا للبحر الهائج، كل ذلك تضافر معاً ليبعث فينا رعبا غريبا(641) وفي يوم الجمعة وصل خطاب من هنت إلى شيلي يضم سطورا جلبت مزيدا من الرعب إلى قلوب المرأتين المنتظرتين: أخبرنا كيف وصلت منزلك لأنهم قالوا إن الطقس لم يكن مناسبا بعد إبحارك ونحن قلقون· وركبت جين ويليامز وماري طوال النهار ليصلا إلى بيزا· وفي منتصف الليل وصلتا إلى كازا لانفرانشي، فوجدتا بايرون وهنت هناك فأكدا لهما أن شيلي وويليامز غادرا ليجورن يوم الأحد، فركبا ليلا ووصلا ليجورن في الساعة الثانية صباح السبت 31 يوليو، وهناك حاول تريلاوني وروبرتز تهدئتهما بقولهما إن الأمواج ربما تكون قد أزاحت القارب إلى إلبا أو كورسيكا· وعهد بايرون إلى روبرتز بركوب (البوليفار) للبحث في البحر وعند السواحل بين ليجورن وليريسي Lerici ، وصحب تريلاوني كلا من جين وماري وفي بحث غير مجد على طول الساحل بحثا عن أخبار عن الرجلين المفقودين ومكث مع المرأتين المنتحبتين في كازا ماجني حتى 81 يوليو، ثم فارقهما لإجراء مزيد من التحريات· وفي 91 يوليو عاد إليهما وأخبرهما بكل ما في جعبته من لطف أن جثتي زوجيهما قد عثر عليهما بالقرب من فيارجيو Viareggio في 71 أو 81 يوليو· (وفي 03 يوليو ثم العثور على جثة شارلز فيفان مشوهة على بعد أربعة أميال إلى الشمال وتم دفنها على الساحل) واصطحب ماري وجين إلى بيزا وعرض عليهما بايرون الإقامة في كازا لانفرانشي لكهنا استأجرا غرفا بالقرب منه· وكتبت ماري إلى إحدى صديقاتها إن لورد بايرون رفيق جدا بي، وغالبا ما يأتي مع جويشيولي لرؤيتنا(741)·
وكان أهالي المنطقة قد دفنوا بالفعل الجثث في الرمال وقانون تسكانيا يمنع نقل الجثث التي تم دفنها لإعادة دفنها من جديد في مكان آخر، لكن تريلاوني كان يعلم رغبة زوجة شيلي في دفن رفات زوجها بالقرب من رفاة ابنه وليم في روما، فحث سلطات تسكانيا للسماح بإخراج رفاته على أن يتم حرقها على الساحل، وكانت جثة شيلي وصديقه قد تعفنتا أو تآكلتا فصعب تعرفهما، إلا أنهم وجدوا في أحد جيوب معطف أحدهما مجلدا لسوفوكليس وفي الجيب الآخر مجلداً لكيتس Keats(841)·
وفي 51 أغسطس، وقف هنت، وتريلاونى مع مسؤول الحجر الصحي، والكابتن شنلي Shenley وهو ضابط إنجليزي بينما تولت مجموعة من الجنود إحراق بقايا ويليامز· وفي اليوم التالي تم النبش عن رفاة شيلي وتم إحراقه في حضور بايرون، وهنت وتريلاوني وبعض الفلاحين المجاورين، وقذف تريلاوني في اللهيب المشتعل في الرفات عطورا ونبيذا وزيتا وراح يترنم ببعض الدعوات طالبا أن يعود رماده إلى الطبيعة التي عبدها(941)· ولم يطق بايرون تحمل المشهد إلى نهايته فسبح إلى (البوليفار) وبعد ثلاث ساعات تقريباً كان كل الجسد [الرفات] قد أصبح رمادا خلا القلب، فانتزعه تريلاوني من النار معرضا يده للإصابة بالحروق· وتم نقل رماد الرفات في سلة إلى روما، وتم دفنها في مقبرة جديدة بالقرب من مقبرة قديمة للبروتستنط تضم رفات ابنه وليم· أما قلب شيلي مقدمه تريلاوني لهنت الذي فقدمه بدوره لماري، وعند موتها في سنة 1581 تم العثور على رماد القلب في نسختها من كتاب أدونيس Adomaus·



صفحة رقم : 14682